; ندوة مثيرة ومواجهة صريحة في التليفزيون البريطاني حول الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان ندوة مثيرة ومواجهة صريحة في التليفزيون البريطاني حول الإسلام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

مشاهدات 57

نشر في العدد1224

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 05-نوفمبر-1996

الغرب أردا تشويه صورة الإسلام لأنه رأى فيه الخصم العنيد الذي ينافسه وذلك بعد سقوط عدوه الشيوعي

في ندوة مثيرة تكاد تكون الأولى من نوعها عرضتها المحطة الرابعة في التليفزيون البريطاني وأدارها كبير المذيعين "جون سنو" دار النقاش لما يقرب من الساعة والنصف حول موضوع" صورة الإسلام في وسائل الإعلام الغربية، هل هي مشوهة أم حقيقة؟".

شارك في الندوة كل من السيد عزام التميمي مدير منظمة ليبرتي للدفاع عن الحريات في العالم الإسلامي (فلسطيني الأصل)، الدكتورة غادة الكرمي باحثة في قسم الدراسات الاجتماعية في جامعة درم (فلسطينية الأصل)، الدكتورة هالة أفشار مدرسة في قسم العلوم السياسية في جامعة يورك (إيران الأصل)، الإمام طالب عبد الرشيد إمام مسجد الأخوة الإسلامية في نيويورك (أمريكي)، وشخص إيراني مجهول الهوية بحجة خوفه من النظام الإيراني، والحاخام موشيه رئيس جمعية ثقافية يهودية تتخذ من مدينة أكسفورد مقرًا لها. 

بدأت الندوة بطرح تساؤل حول صحة المقولة بأن الإسلام أو "المد الإسلامي" يشكل خطرًا على الحضارة الغربية، وهل من الممكن أن تتعايش الحضارة الإسلامية مع غيرها من الحضارات في آن واحد.. ولتدشين النقاش عرضت لقطات عما آلت إليه الأوضاع في أفغانستان بعد أن سقطت العاصمة كابول في أيدي جماعة الطالبان، حيث تم التركيز على وضع المرأة التي رددت وسائل الإعلام أن الطالبان أمرت بمنعها من العمل والدراسة وحبسها في المنازل، وكان أول المعلقين ذلك الشاب الإيراني مجهول الهوية (والذي ظللت صورته حتى لا يظهر للمشاهدين) فادعى أنه كان في الماضي من المؤيدين بشدة للثورة الإسلامية في إيران، إلا أن عدم وفاء الثورة بالتزاماتها وفشلها في تحقيق أهدافها- على حد قوله- دفعه إلى "الإلحاد"، وأعرب عن قناعته بأن ذلك هو مصير أي شعب يعيش تحت حكم الشريعة والقرآن، مستشهدًا على ذلك بوضع المرأة في إيران وبآيات قرآنية تتحدث عن حبس المرأة الزانية وجواز ضرب الزوج لامرأته، فردت الدكتورة هالة- وهي إيرانية أيضًا- بأنها على الرغم من عدم انسجامها مع فكرة تدخل الدين في السياسة، إلا أن الآيات التي تتحدث عن عقاب الزنى فيها مساواة في العقاب بين الرجل والمرأة.

ثم تحدث عزام التميمي قائلاً بأنه لو صح ما قيل عن التجربة المريرة التي مر بها الشاب الإيراني، فيبدو أنها أسقطت غشاوة ثقيلة على عينيه فلم يعد يرى الحق، فهو مضطرب الذهن مشوش الفكر، ثم بين بأنه لا يعقل أن يختار أي شخص ما يريد من الآيات القرآنية ليدعي أمرًا لا تحتمله هذه الآية في غياب أدوات الفهم والتفسير، ضاربًا المثل بأن هناك من آيات القرآن الكريم ما هو ناسخ، ومنها ما هو منسوخ، وأن الآية التي استشهد بها الشاب الإيراني منسوخة بآيات من سورة النور- كما أكد ذلك أيضًا الإمام عبد الرشيد في مداخلته- والتي تساوي في العقوبة بين الزاني والزانية.

مسيرة المليون أسود

ثم عرض البرنامج لقطة من المظاهرات التي جرت في واشنطن العام الماضي، وشارك فيها ما يقرب من مليون أمريكي من أصل إفريقي استجابة لنداء زعيم ما يعرف بأمة الإسلام "لويس فرخان" الذي يدعي الإسلام على طريقة أليجا محمد وصاحب نظرية تفوق العنصر الأسود على ما سواه، توجه مدير البرنامج "جون سنو" إلى الإمام طالب عبد الرشيد وطلب منه التعليق على ذلك الحدث، فبين الإمام أن ثمة مغالطات كثيرة فيما يتعلق بهذا الأمر، ذكر منها أولاً أن المسيرة لم تكن إسلامية، وأن المشاركين لم يكونوا كلهم مسلمين، ثم عرج إلى موضوع فرخان، حيث أكد بأنه لا يمثل الجالية المسلمة السوداء في أمريكا؛ حيث إن الإحصاءات تبين أن هناك ما يزيد على مليوني مسلم زنجي، إلا أن فرخان وأتباعه لا يتجاوزون العشرة آلاف فقط، وأكد أن الكثير من الشكوك تحوم حول صحة إسلامهم، وصدق نوايا القائمين عليهم.

أكاذيب صدام حسين

ثم عرضت لقطة من خطاب للرئيس صدام حسين وهو يستخدم عبارات إسلامية لإضفاء نوع من الشرعية على احتلاله للكويت ولاستمالة الرأي العام المسلم، وسأل مقدم البرنامج: ألا ترون أن مثل هذه اللقطة في محصلة أن الإسلام مصدر للخطر على الغرب؟، فرد التميمي بأنه لا يوجد بلد في العالم الإسلامي أجمع تعرض فيه المسلمون- والإسلاميون منهم بشكل خاص- للاضطهاد والإبادة كما حصل في الأقطار التي يحكمها حزب البعث، ومنها العراق، وأشار إلى أن صدام حسين كان صديقًا لأمريكا التي سلحته هي وحليفاتها الغربيات وأوعزت إليه بشكل أو بآخر الدخول في معركة مع إيران دمرت بسببها المنطقة، واستنفذت ثرواتها لما يقرب من عقد من الزمان، ثم لما خرج عن طوعها أدبته على طريقتها، ولكن دون إزالته من موقعه مع أنها كانت لديها القدرة على ذلك لو أرادت، وأكدت الدكتورة هيلين أن الجميع يعرف بأن صدام حسين ليس إسلاميًا، وإنما هي الحجة التي يلجأ إليها كل حاكم يعجز عن تحقيق هدفه أو يقع في مأزق، حيث إن الشعوب بعامتها تميل إلى الجانب الديني والروحاني، أما الدكتورة غادة الكرمي فقالت: إن النظام العراقي نظام علماني، وأن أقوال صدام لا تمثل العالم الإسلامي، ولا يوجد في العراق تطبيق للشريعة الإسلامية، وأكدت أنها لا تقول ذلك دفاعًا عن الشريعة إنما ذكر للحقيقة، حيث إنها- على حد قولها- غير ملتزمة بتعاليم الإسلام.

مواجهة مع الحاخام

ثم عرضت لقطات من إحدى مظاهرات حماس، ظهر خلالها شباب حماس الملثم يحرق الأعلام الإسرائيلية ويتوعد بالانتقام للشهداء، فتحول النقاش إلى قضية مهمة أخرى، وهي الجهاد، الذي يعتبره الغرب حربًا مقدسة يقوم بها المسلمون ليفرضوا أنفسهم على من سواهم، فقال عزام التميمي: "إن هناك خلطًا في المفهوم، فالجهاد لا يعني الحرب المقدسة بالمفهوم الغربي المسيحي والذي ينطبق على الحروب الصليبية، وإنما الجهاد مشتق من الجهد، الذي يمكن أن يكون سلميًا أو بالقوة حسبما الظروف، ويكون بالقوة في حالة وقوع العدوان وضرورة الدفاع عن الذات، إلا أن هذه الإجابة لم تعجب الحاخام شلومو، الذي استهل حديثه باتهام المشاركين في الندوة بأنهم يبسطون الأمور ولا يعترفون بالحقائق، فالإسلام في رأيه بريء مما تفعله حماس، بل أكد أنه يعتبر الإسلام من الديانات السماوية التوحيدية لنشر السلام والحرية والروحانية، وأن المسلمين في تاريخهم المجيد قد أحسنوا إلى اليهود ووفروا لهم الملجأ الآمن حينما بطش بهم الأوروبيون، إلا أن الإسلام- حسب قوله- تغير، ولا يدري ما الذي جرى له، مصرًا على أن المسلمين وخاصة المشاركين في الندوة يصورون الواقع على عكس ما هو عليه من العنف والإرهاب، وضرب مثالاً على ذلك بقضية سلمان رشدي مؤلف كتاب "آيات شيطانية" الذي تطاول من خلاله على رسول الله r وعلى آل بيته، وقال إنه قابله ويشعر بالأسى له وهو تحت الحماية الأمنية على مدار الساعة، والتي تكلف دافعي الضرائب في بريطانيا ملايين الجنيهات سنويًا، ثم وجه خطابه إلى عزام التميمي طالبًا منه إدانة فتوى الخميني بحق سلمان رشدي والتنصل مما أسماه إرهاب حماس في الشرق الأوسط.

استهل التميمي إجابته بالتعليق على الفتوى، حيث أكد أنها لم تكن دينية، وإنما بدوافع سياسية بحتة، وأعرب عن اعتقاده بأن الخميني قد حقق مآرب منها وحصدت إيران ثمارها، مؤكدًا أن الخميني في رأيه لم تكن له صلاحية إصدار مثل هذا الحكم الذي كان لا بد أن يتم من خلال محكمة شرعية مختصة بعد دراسة الكتاب، وفي ظروف تتوفر فيها شروط المحاكمة العادلة، هذا ناهيك أن الخميني لم تكن له سلطة سياسية أو قضائية على سلمان، وهو مواطن دولة أخرى، إلا أن التميمي أعلن بأن ذلك يختلف عن أن يكون للمرء موقف من سلمان رشدي ومما كتبه، وقال إنه يعتقد شخصيا بأن سلمان وكل من يدافع عنه عدو للإسلام والمسلمين، لأن ما كتبه سلمان رشدي فيه تطاول على نبي الإسلام وآل بيته وإهانة وجرح للمسلمين ومعتقداتهم.. وسأل التميمي الحاخام: وهل أنت مسرور بما أورده سلمان في كتابه من قذارة، فلم يجب.

ثم قدم التميمي شرحًا مفصلاً لموقفه مما يصدر عن حركة حماس، مبينا أن الحركة اقترحت على الإسرائيليين توقيع هدنة يتم من خلالها وقف قتل المدنيين في الجانبين، إلا أن إسرائيل لم تكترث وسخرت بحماس، واستمرت في قتل الأطفال والأبرياء في فلسطين، مما حدا بحماس للإعلان بأن السيل قد بلغ الزبى، وأن الإسرائيليين لا يفهمون سوى لغة واحدة، وهي القوة، فلجأت مضطرة إلى العمليات الجهادية.

عندما قاطعه الحاخام قائلاً هل تعتبر هذا الجهاد هو من صميم الإسلام والدين، وهل صحيح كما تدعي حماس أن الذي يفجر نفسه في الإسرائيليين ويموت يذهب إلى الجنة؟ أم أنك تدين هذه التعاليم؟! فأجابه عزام بأن الجهاد قد يكون سلميًا، وقد يكون عسكريًا كما هو الحال عند رد الاعتداء، ووجه كلامه إلى الحاخام قائلا: "إذا ما قتلتم أولادنا فسنقتل أولادكم، والعين بالعين والسن بالسن".

إلا أن الحاخام عاد ليقول بأن استخدام التعاليم الدينية في السياسة خطأ فادح يؤدي إلى الخراب والحروب، وأن ما تقوم به حماس وأمثالها إنما هو إرهاب يجب إدانته، فتدخلت الدكتورة هالة موجهة إليه سؤالا فاجأه: "هل تدين الصهيونية التي احتلت أرض الفلسطينيين وممتلكاتهم بالرغم من أنهم لم يبادروا بإيذاء أي واحد من اليهود، بل هم باعترافك قد استضافوهم وأمنوهم وأحسنوا إليهم"، فتلعثم الحاخام، وحاول اتهامها بتأويل الأمور لتناسب ما تعتقده هي، ولم تصدر عنه إدانة للصهيونية، وهنا تدخل عزام التميمي وقال للحاخام: "ها أنت تقع فيما تتهم فيه غيرك، أجبني من الذي بادر بالاعتداء، من الذي سلب الأرض، من الذي ارتكب المذابح؟:.

وحتى الإيراني الملحد، تدخل موجهًا الخطاب للحاخام قائلا: "هذا الحاخام لا يجوز له أن يتحدث عن الإسلام، لأن إسرائيل هي أكثر بقاع الأرض اضطهادًا للإنسان".

عود على بدء

وهنا تدخل مدير الندوة ليعيد النقاش إلى السؤال الأول المتعلق بخوف الغرب من المد الإسلامي، حيث عرضت لقطة من اجتماع لقادة الدول الإسلامية التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي، وهم يتناقشون خطورة الوضع على الحدود مع أفغانستان.

عقبت الدكتورة هيلين قائلة بأن تلك الدول تحكم من خلال أنظمة علمانية لا تؤمن بوجود الخالق ولا رسله، وهو عكس فطرة وتوجه شعوبها التي تميل إلى إيجاد البديل الروحي والعقائدي وإضفائه على حياتها، فمن هذه الناحية قد يشكل المد الإسلامي نوعًا منعدم الاستقرار لتلك الأنظمة.

تدخل الشاب الإيراني الملحد قائلا: بأنه لا يعتقد بأن الإسلام يشكل خطرًا على الغرب أو على الدول غير الإسلامية، ولكنه يشكل من وجهة نظره خطرا على المسلمين أنفسهم، فرد عليه التميمي قائلا بأن تجربته الشخصية قد تكون أثرت عليه فلم يعد يميز الحق من الباطل متهما إياه بالمبالغة والجهل، ومؤكدا بأن ما ادعاه من وجود مئات الآلاف من المعتقلين السياسيين في إيران غير صحيح.

تدخلت الدكتورة غادة الكرمي التي شرحت بأن الحركات الإسلامية أو المعارضة الإسلامية لا تشكل خطرا على الغرب بقدر ما تشكل خطرا على الحكومات الدكتاتورية الموجودة في العالم الإسلامي، مبينة أن سبب دكتاتوريتها ليس الإسلام، بل طبيعة العالم الثالث الذي عاش تحت وطأة الاحتلال فترة طويلة فخرج منها مقسمًا مشرذمًا، وأوضحت أن هذه الحركات الإسلامية ليست في حقيقتها حركات دينية بالمفهوم الغربي، بل هي حركات احتجاج سياسي، وهذا ما تتصف به حركة حماس في فلسطين، على حد قولها.

وعودة إلى موضوع تشويه صورة الإسلام في الغرب، قال عزام التميمي إن دوائر معينة في الغرب تشعر بأن المد الإسلامي يشكل خطرًا على مصالحها، ولذلك فهي تسعى جاهدة إلى تقويضه بإظهاره للرأي العام بمظهره المخيف.

وقال إن مثل هذا الموقف يفسر عدم الوفاء للمبادئ الديمقراطية التي تقوم عليها المدنية المعاصرة والقعود عن نصرة الاختيار الحر للشعوب عندما أفرزت الانتخابات الديمقراطية في الجزائر برلمانًا يغلب على أعضائه الانتماء إلى التيار الإسلامي، كما يفسر موقف اللامبالاة تجاه ما يجري من انتهاكات حقوق الإنسان والحريات في العالم الإسلامي، لأن الذي تنتهك حقوقه إسلامي، ولأن المنتهك نظام حليف للغرب، وختم حديثه بتوجيه تحذير إلى الغرب من مغبة الاستمرار في دعم الاستبداد والسكوت عن انتهاكات حقوق الإنسان، لأن ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى مزيد من الاستقطاب، وسيدفع باتجاه التطرف ثم العنف.

وأخيرًا قالت الدكتورة غادة الكرمي بأنه إذا كانت خلاصة هذه الندوة هي أن صورة الإسلام مشوشة في الإعلام الغربي، فمن يقف وراء ذلك التشويه؟ ولمصلحة من يحدث ذلك؟ وأكدت بأن الغرب عندما سقط عدوه الشيوعي بدأ بالبحث عن عدو بديل فوجد في الإسلام خصمًا يناسب أغراضه فبدأ يدق طبول الحرب، ويسعر نيران الصراع، وكان لا بد لإقناع الجماهير بهذا السيناريو من تخويفهم بعرض صور مشوهة ومرعبة للإسلام والمسلمين.

الرابط المختصر :