العنوان وحدانية الله في الإسلام والمسيحية
الكاتب الدكتور معروف الدواليبي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1982
مشاهدات 66
نشر في العدد 562
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 23-فبراير-1982
إن الإسلام منذ ظهوره قبل أربعة عشر قرنًا قد فتح «الحوار» فيه مع المجتمع بصورة عامة، ومع أهل الكتاب بصورة خاصة، وذلك على أسس أربعة:
أولًا- على أساس «القول الحسن».
ثانيًا- على أساس «عقلانية القول وعلميته».
ثالثًا- على أساس «عدم الإكراه في الدين».
ورابعًا- على أساس «الانطلاق في الحوار من نقاط اللقاء» لا من نقاط الخلاف.
وهكذا فقد فرض القرآن الكريم على المسلمين، ولأول مرة في تاريخ الأديان، هذا الأسلوب من الحوار:
- بالقول الحسن والمهذب.
- وبالعقل والعلم.
- وبتحريم الإكراه في الدين.
- وبالانطلاق في الحوار من «نقاط اللقاء بين المتحاورين» بصورة عامة.
وبناء على ذلك فقد جاء القرآن الكريم فيما يتعلق بالحوار مع أهل الكتاب بصورة خاصة، فقال أولًا: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٦).
ثم دعاهم إلى الحوار بدءًا من نقاط الالتقاء حول وحدانية الله، وقصر العبادة عليه فقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٦٤). (٢)
وذلك اعتمادًا على إقرار المسيحية بصورة عامة بمبدأ وحدانية الله كما هو مشهور ومعروف، وعملًا بقول السيد المسيح حين سأله تلاميذه أن يعلمهم الصلاة فقال لهم: «توجهوا في صلواتكم إلى الله لا لي (٣)»، وهكذا فقد أخذ القرآن الكريم في الحوار مع أهل الكتاب بالقول الحسن، حتى ولو انتهى الحوار إلى الخلاف عند الاقتضاء كما ترون في نص القرآن.
ولذلك فنحن نشكر «منظمة التقدم الدولية» المسيحية في فيينا على دعوتها لهذا الحوار، وخاصة في أهم ناحية من نواحي الإيمان؛ لأننا نحن المسلمين ننطلق في ذلك من قواعد قرآنية صريحة مع أهل الكتاب، ونرحب بدعوتهم أعظم الترحيب.
أما فيما يتعلق بموضوع عقيدة الإسلام في «وحدانية الله» فهي تنطلق من نصوص قرآنية صريحة واضحة مؤكدة:
أولًا- بأن «وحدانية الله» هي مما قد أوحى بها الله إلى جميع رسله، بما فيهم السيد المسيح عيسى بن مريم -عليه وعلى محمد صلوات الله وسلامه عليه-.
وثانيًا- بأن المنطلق في الإيمان بوحدانية الله هو المنطلق العقلي العلمي.
وثالثًا: بأن الإيمان بوحدانية الله في الإسلام هو الركن الأول من أركان الإسلام، وأنه يجب على كل مسلم ومسلمة الجهر به أولًا كشرط من شروط الإسلام.
ولذلك فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٢٥). (٤).
وكذلك جاء في القرآن الكريم: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨). (٥).
وكذلك قال في وحدانية الله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٢). (٦).
كما قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٤). (٧).
ولهذا كان «الإسلام» في دعوته: «إلى وحدانية الله» يؤكد على دعوة إبراهيم أبي الأنبياء الذي تلتقي بدعوته التوحيدية الأساسية الصافية الأديان السماوية الثلاثة، وقد نقل القرآن الكريم قول إبراهيم لقومه في ذلك. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ٧٨) (٨).
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: ٧٩)؛ أي مستقيمًا من غير انحراف عن الوحدانية في صورة ما- (٩).
وكذلك أكد القرآن على أن «الإسلام» يعني «الإيمان بوجود الله ووحدانيته»، وأنه هو «ملة أبينا إبراهيم» عليه الصلاة والسلام، وأن إبراهيم هو الذي سمانا ﴿الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ (الحج: ٧٨). (١٠).
وأنه ليسرنا في هذا الكلام الإشارة إلى موقف الفاتيكان الجديد تجاه الإسلام، وذلك عقب «مجمع الفاتيكان الثاني» الذي استمر بضع سنوات من سنة (١٩٦٢م)، حتى (١٩٦٥م)، حيث قد صدر عقب ذلك كتاب عن أمانة سر الفاتيكان لشئون غير المسيحيين، وهو باللغتين الفرنسية والإنجليزية، تحت عنوان: «توجيهات من أجل حوار بين المسيحيين والمسلمين»، وهو موجه في جملته إلى المسيحيين، ويدعوهم في طبعته الصادرة سنة (١٩٧٠)، وفي الصفحتين (١٧- ١٨) من الطبعة الفرنسية إلى الاهتمام أولًا «بتغيير عقلية إخواننا المسيحيين ومفاهيمهم عن الإسلام والمسلمين، القائمة على الصور البالية الموروثة من الماضي، والمشوهة بالأحكام المغرضة والافتراءات والبهتان على الإسلام».
ثم تابع هذا الكتاب الرسمي باسم الفاتيكان حول ما يمكن أن يتعلمه المسيحي من حواره مع المسلم، فقال في الصفحة (٢١): «إن الإسلام يمكنه أن يساعدنا على تقنية إيماننا وتصفيته من أي عقيدة «التشبيه» (١١) التي أبهمت علينا سر العظمة الإلهية، كما أننا يمكننا أن نكتسب من الإسلام إيمانًا أكثر حيوية وقوة عن وجود الله الملازم لنا في حياتنا، وأن نحيي فينا معنى العبادة لله والاستسلام للإرادة الإلهية».
ثم أوجز هذا الكتاب الإسلام في الصفحة (٢٧) قبل الدخول في التفصيل فقال: «يجب أن نرى في الإسلام أنه دين مشحون بأعظم القيم سموًا واحترامًا، وهي: عبادة الله، والثناء على عظمته، والخضوع لإرادته».
إن هذه الكلمات فيها موقف جديد من قبل الفاتيكان، وهي كلمات شجاعة تسمح لنا بعد اليوم أن ننشئ حوارًا أكثر فائدة، وأسمى أفقًا فيما يتعلق بعقيدة الوحدانية الصافية في الإسلام، والتي اجتمعنا اليوم تحت شعارها مقارنة بفكرة الوحدانية في المسيحية، والتي دعت إليها منظمة التقدم الدولية المسيحية في فيينا، والتي أشارت إلى صفائها في الإسلام كلمة الفاتيكان أعلاه.
إن عقيدة «وحدانية الله في الإسلام» ليست عقيدة جديدة، وإنما هي عقيدة جميع الأنبياء والرسل الذين اختارهم الله للدعوة إلى الإيمان به وحده، وهو الموصوف بأنه خالق السموات والأرض، وأنه قد أوجب على المؤمنين توجيه العبادة إليه وحده أيضًا.
ومن المعلوم أن من يحملون هذه الرسالة عن الله إلى الناس إنما هم من صفوة مخلوقات الله عقلًا، وأعظمهم آفاقًا، ولذلك ما كان لأحدهم أن يدعي أنه رسول الله إلى الخلق إلا بعد أن يتجلى الله له في ظاهرة من الظواهر المعجزة تقنعه أولًا بأنه رسول الله.
غير أن هذه الظاهرة المعجزة كثيرًا ما كانت تختلف من رسول إلى رسول، وأن معظم هذه «الظاهرات المعجزة» كانت بإجماع الكتب المقدسة في ظهور الملك جبريل، وكانت أحيانًا تعزز بظاهرات أخرى على نحو ما قصه علينا القرآن الكريم وجميع الكتب السماوية، وذلك:
- مثل ظاهرة «انقلاب النار بردًا وسلامًا على إبراهيم» حين ألقاه قومه في النار لإحراقه تكذيبًا لدعوته.
- مثل ظاهرة «كلام الله من الجبل» مع موسى حينما دعي موسى إلى مناجاة الله مباشرة بدون وساطة الملك، وحيث تلقى موسى من ربه الوصايا.
- ومثل ظاهرة «خلق المسيح عيسى بن مريم» من أم دون أب بمجرد «كلمة الله» وبقوله «كن فيكون».
إن هذه الظاهرات المعجزة ما هي إلا الوسائل المختلفة لحمل هؤلاء الصفوة الأخيار على اليقين بأنهم رسل الله، وأنهم مكلفون بعد ذلك بتأدية رسالة ربهم عن علم ويقين لا شك فيه.
وإنه لمن غير المقبول من هؤلاء الرسل أن يقفوا عند الظاهرة المعجزة الدالة على الله ليقولوا بألوهيتها، ولينادوا بعبادتها، ولو صح لنا أن نقول بذلك:
- لوجب مثلًا على أتباع إبراهيم إعلان ألوهية النار التي توقفت عن إحراق إبراهيم، وإعلان عبوديتها، وهذا شيء لم يقل به أحد من أتباع إبراهيم قط.
- أو لوجب أيضًا على أتباع جميع الرسل الآخرين إعلان «ألوهية الملك جبريل» الذي لم يتجل الله عليهم بظاهرة معجزة إلا به، وهذا أيضًا لم يقل به أحد.
- أو لوجب أيضًا إعلان «ألوهية آدم» لأنه لم يتجل الله عليه إلا بظاهرة «الكلمة المعجزة» التي خلقه الله بها من طين أولًا، ثم قال له «كن فكان» ومن غير أب ولا أم، وليس خلق عيسى بن مريم في نظر القرآن «بظاهرة الكلمة المعجزة» أيضًا إلا مثل خلق آدم، فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩). بل إن خلق عيسى بظاهرة الكلمة المعجزة» هو أقل إعجازًا من خلق آدم، حيث إن عيسى عليه السلام إذا كان أيضًا قد خلق «بالكلمة المعجزة» من أم دون أب، فإن آدم عليه السلام قد خُلق أيضًا «بالكلمة المعجزة» ولكن دون أم ولا أب.
ولذلك كله فأن الإسلام يحرم الوقوف عند «الظاهرة المعجزة»، ولا يستطيع القول بالوقوف عندها وتأليهها وعبادتها؛ لأن ذلك يقود القائل بها عندئذ إلى القول بالتشبيه للذات الإلهية بمختلف الأشياء، وإلى الدعوة لعبادتها جميعًا دون الله، وبذلك يستمر سر العظمة الإلهية في ظلام التشبيه الذي دعت رسالة الفاتيكان إلى الاستفادة من دراسة الإسلام للتخلص من ظلام ذلك التشبيه، طلبًا لتنقية العقيدة منه، وسعيًا وراء تقوية الإيمان بالله والشعور بعظمته غير المحدودة بحدود المخلوقات.
(١) السورة ٢٢ -العنكبوت- الآية ٤٦.
(٢) السورة الثالثة -آل عمران- الآية ٥٤.
(٣) كتاب الأب (لولونغ) سكرتير العلاقات الكاثوليكية الإسلامية، عنوان كتابه: الصفحة ١٦٢، طبع باريس عام ١٩٧٩.
(٤) السورة ٢١ -الأنبياء- الآية ٢٥.
(٥) السورة الثالثة -آل عمران- الآية ١٨.
(٦) السورة ٢١ -الأنبياء- الآية ٢٢.
(٧) السورة ٢١ - الأنبياء- الآية ٢٤.
(٨) السورة السادسة -الأنعام- الآية ٧٨.
(٩) السورة السادسة -الأنعام- الآية ٧٨.
(١٠) السورة ٢٢ -الحج- الآية ٧٨.
(١١) ANTHAOPMD APHISM- IS
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل