العنوان أدلة موثقة تكشف الإجرام الروسي في الشيشان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يناير-2000
مشاهدات 65
نشر في العدد 1383
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 04-يناير-2000
في قرية «الخان يورت» تعرض المدنيون للقتل الجماعي وقطع الجنود آذانهم للاحتفاظ بها كتذكار
منذ بداية حربها الإبادية في الشيشان، حرصت روسيا على أن تعزل العالم عن هذه الحرب وألا تدع أخبار وفظائع ما يجري فيها تنتقل إلى العالم الخارجي. لذا أنكرت وبشدة جميع أخبار المذابح التي يقترفها الجيش الروسي ضد المدنيين العزل معتمدة في ذلك على عدم وجود وثائق تؤكد هذه المذابح، كما أسندت العديد من جرائم القتل الجماعي إلى ما أطلقت عليه الفصائل الشيشانية المتنازعة فيما بينها. فقد أسندت الهجوم الصاروخي على سوق العاصمة جروزني وما وقع فيه من ضحايا بين المدنيين وكذلك الهجوم الصاروخي على مستشفى جروزني وعلى دار رعاية الأطفال إلى هذه الفصائل!.
ولكنها هي الصحافة الروسية وها هو الجيش الروسي يضطر للاعتراف للمرة الأولى قبل أيام قليلة بإحدى المذابح التي ترتكبها القوات الروسية في حربها القذرة في الشيشان. ولم يستطع الجيش الروسي إنكار هذه المذابح لأنها وثقت بالصور وبفيلم وثائقي، فاضطر للاعتراف بها والإعلان بأنه سيحاكم الضباط والجنود المسؤولين عنها.
المكان الذي جرت فيه المذبحة هو قرية «الخان يورت» وهي قرية صغيرة تقع في الجنوب الغربي من العاصمة جروزني «جاهار قلعة»، وعلى بعد 7-8كم منها.
وإليكم وقائع هذه المذبحة:
أحاطت القوات الروسية بهذه القرية الصغيرة ثم بدأت تمطرها بوابل من القذائف من الجو ومن الأرض بطائراتها ومدافعها، واستمر هذا القصف المكثف عدة أيام دون توقف حتى لم يبق هناك بيت لم يتهدم، وبعد أن تأكد الجيش الروسي أنه لم يبق هناك حجر على حجر بدأ بالدخول إلى هذه القرية المنكوبة المتهدمة، وحسب شهادة الناجين من هذه المذبحة فقد قام الجيش الروسي بقتل معظم من بقي حيًّا من أهالي القرية، فكان أفراد الجيش الروسي يقذفون القنابل اليدوية على المدنيين القابعين من خوفهم في سرداب البيت ويقتلونهم جميعًا دون أي تمييز، وقتل مدنيون آخرون بشكل جماعي بالرشاشات بل قطعت رؤوس بعض المدنيين أيضًا ومثل بجثث القتلى وقطعت آذانهم ليحتفظ بها الجنود الروس كتذكار.
حدثت هذه المذبحة المروعة التي ذهب ضحيتها ٤١ مدنيًّا في فترة احتلال الجيش الروسي لهذه القرية المنكوبة في الفترة الممتدة من 1-١٥/١٢/١٩٩٩م.
هذه المذبحة التي أكدتها منذ أيام قليلة عدة جهات عالمية منها منظمة مراقبة حقوق الإنسان ومقرها في نيويورك وتلفزيون BBC البريطانية وجريدة the independent البريطانية وعلاوة على هذا فهناك شريط فيلم فيديو حول هذه المذبحة صوره أحد المصورين الهواة.
أما هذا المصور الهاوي فهو أحد رجال المليونير الشيشاني المعروف مالك سعيد اللهيف الموالي للروس وهو صاحب شركة روسية لأوراق اليانصيب، وهو من مواليد هذه القرية التي تعرضت للمذبحة، أي هو من قرية «الخان يورت» وله بيت فيها ولكنه خرب من جراء القصف ثم تعرض إلى النهب من قبل الجنود الروس.
قام مالك سعيد اللهيف هذا الذي تثق به روسيا بتشكيل وفد لزيارة هذه القرية بعد وقوع المذبحة في نهاية الأسبوع الماضي وأخذ معه نيكولاي کوشمان معاون رئيس الوزراء والمسؤول عن الشؤون الشيشانية وبعض الجنرالات من الجيش الروسي.
قام هذا الوفد بالاستماع إلى الناجين من المذبحة من أهالي هذه القرية وبتدقيق آثار الحادثة، وفي هذه الأثناء تم تسجيل شريط الفيديو الذي سبق ذكره، في هذا الشريط نرى أن نيكولاي کوشمان يقوم بتوبيخ الضباط المسؤولين هناك ويقول إنهم سيدفعون ثمن هذه المذبحة ثم يقوم بتقديم أسماء القتلة إلى المدعي العسكري.
في الشريط نفسه نرى الممتلكات التي نهبها الجيش الروسي وهي عبارة عن سجاجيد وأثاث للبيوت المنهوبة، وعندما تجول مالك سعيد بين القطعات العسكرية الروسية في تلك القرية المنكوبة شاهد الجنود الروس يشربون الشاي في أقداح وفناجين مسروقة من بيته!!.
وفي بيته الذي يشبه قلعة حصينة في إقليم إنغوشاتيا القريب من مكان المذبحة أجاب مالك على أسئلة الصحفيين الروس حول حادثة المذبحة متهمًا قائد الجبهة الغربية الجنرال فلاديمير شامانوف بمحاولة التستر على هذه المذبحة الشنيعة.
وفلاديمير شامانوف هذا معروف بتعصبه وكرهه للشعب الشيشاني، وبحماسه وتأييده الشديد لهذه الحرب القذرة وكانت وكالات الأنباء العالمية قد نقلت الشهر الماضي تصريحًا له يقول فيه «لو صدرت لي الأوامر بإيقاف هذه الحرب فسأقوم في الحال بنزع جميع النجوم والشارات العسكرية من صدري وأترك الجيش».
بعد هذه المذبحة ومحاولات هذا القائد التستر عليها مع أن أخبارها انتشرت في العالم بأسره تم نقله من قيادة حرب الشيشان حسب ما ورد في خبر نقلته وكالة أنباء الجيش الروسي ANV وعين مساعده مكانه، ولكنه لا يزال قائدًا في الجيش الثامن والخمسين الموجود في داغستان، أي أن رئيس الأركان في الجيش الروسي لا يزال متمسكًا به.
ولا تزال هذه المذبحة من المواضيع الساخنة التي يجري حولها النقاش في الجيش الروسي وفي موسكو.
وتحاول وسائل الإعلام الروسية تقديم الموضوع وكأنه المذبحة الأولى التي وقعت إبان هذه الحرب، والذي يكشف الكذبة الروسية هو أن الجيش الروسي -ومن ورائه وسائل الإعلام الروسية- كان قد صرح أن قرية «الخان پورت» تم تسليمها من قبل أهالي القرية إلى الجيش الروسي سلميًّا ودون أي مقاومة أو حرب، ثم إذا بالعالم كله يعرف ما جرى فيها من مأساة إنسانية، وهذا أنموذج واحد على عدم صدق البيانات العسكرية الروسية.
والعامل الأهم في افتضاح أمر هذه المذبحة يعود إلى أن قرية «الخان يورت» هي قرية عميل روسيا المليونير الشيشاني مالك سعيد اللهيف المكروه من قبل الشعب الشيشاني، وقال هذا العميل الروسي إنه يملك تفاصيل دقيقة ومعلومات كثيرة حول هذه المذبحة.
من جانب آخر حاول وزير الدفاع الروسي إيجور سيرياجيف في زيارته الأخيرة التي قام بها إلى يوغسلافيا تخويف العالم من الشيشانيين حيث صرح هناك قائلًا:
«إن لم نقم بحل مشكلة الشيشان فإن هذه المشكلة الصغيرة ستكبر غدًا وتسري إلى أواسط آسيا ومنها إلى أوروبا والعالم أجمع»!!.. هذا هو مقدار الرعب الذي ينتاب الروس من الشيشانيين.
ونحن نسأل:
إلى متى سيتفرج العالم المتمدن!! على هذه المأساة الإنسانية؟ وأين حقوق الإنسان؟ وأين معايير وشروط كوبنهاجن لحقوق الإنسان في دول التضامن والأمن الأوروبي؟ ولماذا لا يكون لهذا الشعب الصغير البطل حقه في حكم نفسه بنفسه؟.
وماذا يعمل الجيش الروسي في بلد غير روسي ولا يرتبط بروسيا بأي علاقة لا من الناحية العرقية ولا الدينية ولا اللغوية ولا التاريخية بل التاريخ نفسه شاهد أن هذا الشعب يرفض الحكم الروسي وأنه يناضل لاسترداد حقوقه منذ ٤٥٠٠ سنة.
الشيء الوحيد المؤكد هو أن المعايير المزدوجة لا تزال سارية في سياسات العالم الذي يدعي التمدن والرقي!