العنوان وقفات مضيئة مع حديث نبوي: شيء إذا فعلتموه تحاببتم
الكاتب محمد شلال الحناحنة
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-2000
مشاهدات 117
نشر في العدد 1404
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 13-يونيو-2000
* إفشاء السلام: دليل الإيمان وأقصر طريق إلى القلوب
تظل السنة النبوية الشريفة قطوفًا دانية لمعان زاخرة بالحكمة الإنسانية معان تمضي بنا إلى شموس السعادة وتحشدنا للهمم العالية، وتسمو برؤانا إلى آفاق المحبة في الله والإيمان الصادق فتعال معي - يا أخي - لنقطف من هديه لله هذا الحديث الذي دل فيه الصحابة - رضوان الله عليهم – على أمر عظيم طالما سألوا عنه، وتشوقوا له، وهو العمل الذي يدخلهم الجنة فقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، إلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بینکم». «رواه مسلم».
إن لنا مع هذا الحديث وقفات مضيئة، أسكبها اليوم من نبضات قلبي إليك، ودعنا نشم عبير تلك الزهرات الندية في قوله - صلى الله عليه وسلم: «أفشوا السلام بينكم» (أخرجه بنحوه الروياني في ((المسند)) (1207)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) (172) فهي العبارة المشرقة التي شع منها الحب في الله، ثم الإيمان الذي يفتح أبواب الجنان.
1- بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم حديثه بالقسم وهو أسلوب طلبي مؤكد، وركز على دخول الجنة وهي طموح كل مسلم ورجاؤه وأمنيته، وانظر إلى الاستفهام النبوي الموغل في الإثارة والقدرة على شحن النفوس بحسن التلقي: «أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟» مما جعل الصحابة أكثر إصغاء وأشد شوقاً وتلهفاً لسماع موعظته وهديه - عليه الصلاة والسلام.
٢- تدرج الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه من العام إلى الخاص عبر معادلة إيمانية شفيفة بأسلوبه البلاغي المشرق وذلك لتقريب المعنى إلى الأذهان فدخول الجنة - أيها الحبيب - لن يكون إلا بعد الإيمان بالله والإيمان يكون مع التحاب في الله والتحاب يبدأ بإفشاء السلام، ويمكن لنا عكس هذه المعادلة التي نقتبسها من مشكاة النبوة والضاربة في عمق النفس الإنسانية والنافذة إلى جوهرها وفطرتها بما يأتي إفشاء السلام - التحاب - الإيمان - الجنة فهل ترى معادلة أروع جمالاً وأعظم تناسقاً مما يبوح به نبي الهدى صلى الله عليه وسلم ؟!
3- وأما إفشاء السلام الذي يغفل عنه كثير من الناس فله أثر كبير في النفوس، فسلم على من عرفت وعلى من لم تعرف اقتداء بالرسول - صلى الله عليه وسلم، ففي ذلك راحة وطمأنينة وإشعار المسلمين بأنك منهم وتحبهم، وتحرص على مؤانستهم وتتمنى الخير لهم، ومن هنا نهانا الله تعالى عن أن ندخل بيوتاً غير بيوتنا دون إن نسلم على أهلها، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾ (النور: ٢٧).
وحسبنا أن السلام اسم من أسماء الله الحسنى وقد أمرنا الله في كتابه الكريم أن نصلي ونسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:56) واعلم أن السلام تحية الإسلام وتحية الملائكة للأنبياء ولعباد الله الصالحين، فقد سلّم الملائكة على إبراهيم - عليه السلام - مثلاً وسلّم جبريل عليه السلام - على عائشة فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: «هذا جبريل يقرأ عليك السلام» «متفق عليه».
ولفضل السلام ومنزلته جعله الله في صلاتنا بل هو ركن من أركانها فتتم الصلاة بالتسليم، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم السلام على الصبيان ليشعرهم بالثقة والاعتزاز بأنفسهم ويبني شخصياتهم، ويعلمهم هدي الإسلام وخلقه، وما أجدر المربين اليوم بالالتفات إلى هذا الخلق الكريم والسلوك القويم في تربية الأبناء وغرس المحبة والتواضع في نفوسهم، والحق أن أقصر طريق إلى القلوب أن نبدأها بالسلام فهو رسالة التحاب والتواصل والتعاضد في المجتمع الإسلامي، ولذلك قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: «إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام» «رواه أبو داود بإسناد جيد»، فكيف لا نحب أن نكون أولى الناس بالله فنبدأ بالسلام وليس أبغض على النفس ممن يعرض عن السلام مما يسبب الجفاء والتنافر بين أفراد المجتمع الواحد.
بل إن الله أمرنا أن نُسلم على أنفسنا فقال في محكم كتابه: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (النور:61)، وأنظر إلى هذا المعنى العظيم الذي أراده الله سبحانه وتعالى، وهو إشاعة الأمن والبركة والراحة في نفوسنا، فنشعر بأن الله معنا، وأن الرعاية الإلهية تحيط بنا ، وهذه الأحاسيس المرهفة في استشعار العناية الربانية السامية هي التي أنطقت عيسى - عليه السلام- فقال على لسانه ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم:33). وهنأ الملائكة المؤمنين الجنة، فقال ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد:24).
وأعلم - رعاك الله - أن المولى سبحانه وتعالى ألزمنا بأن نرد التحية بمثلها أو أحسن منها حين قال جل وعلا: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ (النساء: (٨٦)
كما ينبغي أن نسلّم إذا انتهينا إلى المجلس أو خرجنا منه، واقرأ قوله صلى الله عليه وسلم في ذلك: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة» «رواه الترمذي وقال حديث حسن».
ولا تنس السلام على أهل بيتك فذلك بركة وأمان من الله عليك وعليهم، ومن اللفتات اللطيفة الطيبة التي يسرني أن تتأملها أن الصحابة -رضوان الله عليهم - كانوا يسلمون بعضهم على بعض وهم ركب واحد إذا حالت بينهم شجرة أو جدار أو حجر اقتداء بسنة المصطفى - صلوات الله وسلامه عليه، وكان الراكب يبدأ بالسلام على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير والصغير على الكبير، ومن أروع ما أدهشني في هذا الباب أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كان يغدو إلى السوق أحيانًا يبيع ولا يشتري ولا يسوق بها ولا يجلس في مجالسها، ولكن من أجل السلام على أهلها لا سيما السلام على الفقراء والمساكين.
وأخيرًا.. أرأيت أصدق تألفًا وأعظم تحابًا في الله بين المسلمين من إفشاء السلام؟ وهل من منزلة يغبطنا عليها النبيون والشهداء أسمى من منزلة المتحابين في الله .. فتعال معي لترتفع في رياض النبوة الزاكية في قوله - صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء» «رواه الترمذي، وقال: حديث حسن».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل