; أنا.. وهي.. ورمضان.. (2) حالات زوجية.. الكلام | مجلة المجتمع

العنوان أنا.. وهي.. ورمضان.. (2) حالات زوجية.. الكلام

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2012

مشاهدات 50

نشر في العدد 2012

نشر في الصفحة 5

السبت 21-يوليو-2012

د. أحمد عيسى.. وإيمان مغازي الشرقاوي

أنا: إذا عاش الزوجان بالقرآن في رمضان فلا مكان ولا زمان لأي كلام مباح باطل أو حرام قبيح.. فاللسان صائم مع بقية الجوارح

هي: لا صوم لنا عن طيب الكلام وإفشاء السلام والدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر وقول الحق وتعليم الخير

هذه المقالات المشتركة تعبر عن حالات زوجية رمضانية، تركنا القلم بين أيدينا ليفصح كل منا عن مشاعره، ولتشهد الصفحة الواحدة ذات الشقين المتعانقين مدى الاندماج الزوجي، الذي يرفع شهر رمضان قدره ويزيد أثره.

أنا..

أرسل حاكم الكوفة يومًا في طلب لبيد الشاعر «لبيد بن ربيعة من أصحاب المعلقات» وسأله أن يلقي شيئًا من شعره، فقرأ لبيد سورة البقرة وقال عندما انتهى «منحني الله هذا عوض شعري بعد أن أصبحت مسلمًا.

وقيل: إنه لما أسلم لم يقل غير بيت واحد وهو:

ما عاتب المرء الكريم كنفسه

                والمرء يصلحه القرين الصالح

وأنا وزوجتي -خاصة في رمضان- يجب علينا أن نحفظ لساننا، وأن يساعد أحدنا الآخر.. ألست قرينتي؟

مع آيات الله العامرة بكل معاني الإيمان والفضيلة، وتزداد حلاوتها في رمضان، فليسكت كل شيء!

إذا عاش الزوجان بالقرآن ومع القرآن في رمضان، فلا مكان ولا زمان لأي كلام مباح باطل، أو حرام قبيح! فاللسان صائم مع بقية الجوارح، ولا مجال داخل الأسرة المسلمة لأصوات النزاع وصراخ الاختلاف.

يحضرني زوجتي موقف «مريم البتول» وهي تقول بناء على النصيحة الربانية: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ (مريم: 26)

 قال ابن عباس: يعني بالصوم الصمت.

وقال الضحاك: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام عن الكلام كما يصوم عن الطعام إلا من ذكر الله. وقال السدي: كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام.

أما عن سنتنا نحن في الصيام فهي الإمساك عن كل كلام لا يليق، ففي الحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» «رواه البخاري».

والزور كل كلام باطل ومائل عن الحق.

وفي الحديث أيضًا قال رسول الله ﷺ: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم..» «رواه البخاري». الصخب: الخصام والصياح، وهو منهي عنه، ولكن تأكيد لذلك حالة الصوم.

«وأما اللفظات فحفظها بألا يخرج لفظة ضائعة بل لا يتكلم إلا فيما يرجو منه الربح والزيادة في دينه، فإن من أراد أن يتكلم بالكلمة نظر فيها ربح أو فائدة أم لا فإن لم يكن فيها أمسك عنها...» «ابن القيم».

الصائم كما قال ابن القيم: هو «الذي يحفظ لسانه.. فيخرج كلامه نافعًا وصالحًا، وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته...».

وهنا يأتي الاندماج الأسري، بحيث يكون الزوج أو الزوجة كالجليس الصالح الذي هو كحامل المسك «إما أن يحذيك -يعطيك- وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة» «رواه البخاري». والعبرة أن يستمر ذلك الوضع من الصمت الجميل، والكلام الحسن طيلة العام!

هي..

إن الله تعالى ذكر صيام رمضان في كتابه فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)

. وأظن يا زوجي أن من التقوى الصمت عن سيئ الكلام وقبيحه، ولغوه ولهوه وباطله ومنكره، ويتحقق ذلك أكثر وأكثر بالصيام..

وأظن أن من التقوى أيضًا حسن الكلام.. ولئن كان من قبلنا يصوم عن الكلام إلا من ذكر الله، فإن صيامنا قد أتم الله به الصيام، فلا صوم لنا عن طيب الكلام وإفشاء السلام، والدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر، وليس لنا أن نصوم عن قول الحق، وتعليم الخير، وإرشاد الضال، وهداية الحياري، وهذا ما ننوي فعله معًا في رمضان تقربًا إلى الله، ولا شك أن كل ذلك يبدأ يا زوجي بالكلام..

إذا تفكرنا في أمر اللسان، ونظرنا إلى من حولنا رأينا أننا أمام إمساك اللسان أصناف.. فمنا من يغلق باب فمه على لسانه فلا يفتحه إلا بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير، اعتزل الناس فاعتزلوه، لا يشاركهم في قول من قريب أو بعيد حتى لا ينشغل بهم عن أوراده وأذكاره.. يعيش رهبانية ما كتبها الله عليه ولا ارتضاها له، قد أغلق عليه بابه ورضي بحاله ظنًا أن في ذلك النجاة.. هذا وإن كان بعضه حسنًا فإن الأحسن منه من ينفع بلسانه نفسه ثم ينفع به الآخرين، فيجمع بين الخيرين، وهذا الأحسن هو ما أريده لي ولك يا زوجي، لأن الدال على الخير كفاعله»، وما أعظم أن نقوم بذلك معًا ونتواصى به ونصبر عليه أنا وأنت في رمضان.

وهناك من يطلق للسانه العنان، ويهبه حرية الكلام، فيخوض في أعراض الناس مع الخائضين، ويشارك في كشف أستارهم، ويردد كل شائعة، ويروج لها دون تفكير، لا يذكر الله إلا قليلًا، يلغو ويلهو بكلامه دون ضابط يضبطه، أو حابس يحبسه.. وهذا شر وأي شر! نجاني الله وإياك أن نكون من هذا الصنف.. فالله تعالى يقول: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 1)

 والنبي ﷺ يقول: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» «البخاري». ويقول: «من صمت نجا» «رواه الترمذي».

والصمت هو الإمساك عن قول الباطل دون الحق.. فهل نصمت وننأى معًا يا زوجي عن إطلاق اللسان بغير حق، وهل يكون كلانا للآخر جليسًا صالحًا يذكر قرينه إذا ما نسي، ويعينه إذا ما تذكر؟ أتمنى ذلك وأرجوه خاصة في رمضان.

وخير من هذا الصنف وذاك من يمسك لسانه إلا من خير.. وهذا ما يجب علينا كزوجين أن نفعل، ويتحتم علينا كقدوة لأولادنا أن نكون نتعاون معًا عليه ونستمسك به «وإنه ليسير على من يسره الله عليه».. والله تعالى يقول: ﴿ ۞ لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 114)

فكل حال له عبادته الخاصة به التي قد تفوق غيرها أجرًا وتتقدم عليه حكمًا في تلك اللحظة، ومن هنا تعددت عبادات اللسان، تعددت فقد تكون ذكرًا وتسبيحًا، أو دعوة إلى الله وتذكيرًا.. قد تكون السكوت، وقد تكون بناء جسور من التواصل بين الناس بالكلمة الطيبة والدعوة الصالحة، أو بالإصلاح بينهم وإنماء الحب والتآلف في قلوبهم.. وهذا كله أو بعضه يعجبني منك يا زوجي حين تفعله وتدعوني إليه، وتذكرني أن لساني لم يخلق لأغتاب به الناس وأتهمهم، أو أعيبهم وأسخر منهم، فالله تعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الحجرات: 11)

وحبيبنا وقدوتنا ﷺ كان «يكثر الذكر ويقل اللغو».. وإن الصالحين ممن سبقونا عرفوا ذلك، فكان الربيع بن خيثم -يرحمه الله- يقول: «لا خير في الكلام إلا في تسع: تهليل، وتكبير، وتسبيح، وتحميد، وسؤالك عن الخير، وتعوّذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءتك القرآن»

ألا إنها لفرصة عظيمة يا زوجي في رمضان ليدرب كلانا لسانه على القيام بدوره الصحيح، ويعالجه ويرطبه بذكر الله، ويجمله بحسن المنطق ولين الكلام، وينقيه من اللغو والزور والآثام، ويغسله وينظفه ويجلوه بتلاوة القرآن، وما أجمل أن أرتقي معك -يا زوجي- بأقوالنا، ونفسح للحوار الراقي مكانًا في بيتنا، وننتقي في حديثنا معًا أطايب الكلام، بعيدًا عن التجريح واللوم والإيذاء، فإن جرح اللسان لا يندمل وحد اللسان أمضى من حد السنان، «والكلمة الطيبة صدقة» «رواه البخاري».

الرابط المختصر :