; تراجم - من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٦٩) العالم الوجيه الشيخ محمد نصيف | مجلة المجتمع

العنوان تراجم - من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٦٩) العالم الوجيه الشيخ محمد نصيف

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 22-فبراير-2000

مشاهدات 54

نشر في العدد 1389

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 22-فبراير-2000

هو محمد بن حسين بن عمر بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد نصيف، ولد بمدينة جدة في الثامن عشر من شهر رمضان المبارك ١٣٠٢هـ «الموافق لعام ١٨٨٤م» في بيت علم وأدب وريادة، وهو من علماء جدة ووجهائها، بل إنه كان عين أعيانها، كما يصفه الشيخ علي الطنطاوي. ينتسب إلى قبيلة حرب، وكان والده كبير أعيان جدة أيام الحكم العثماني، وكان منزله موئل كبار زوار جدة ومكة المكرمة، حيث كان قصره هو القصر الوحيد الذي ينزل به كبار المسؤولين وضيوف الدولة.

وقد حلّ فيه الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود لأخذ البيعة على العلماء والأعيان من أهل الحجاز كما نزل به آخر خلفاء بني عثمان- السلطان محمدوحيد الدولة - الذي غدر به الطاغية أتاتورك. 

مات والده وهو صغير فتولى تربيته ورعايته جـده عـمـر، الذي هـيـأ له الجو العلمي والبـيـئة الصالحة، ومن أبرز الشيوخ الذين تتلمذ عليهم الشيخ عبد القادر التلمساني، حيث قرأ عليه أبوابًا من التوحيد والفقه والتفسير والشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى، والشيخ أحمد النجار من علماء الطائف، والشيخ محمد حامد من علماء جدة، وغيرهم كثير، وكان مولعًا بالقراءة، كما كان يعني بجمع الكتب الأمهات من المراجع والمخطوطات حتى أصبحت مكتبته من أشهر المكتبات الخاصة في العالم الإسلامي لاحتوائها على أكثر من سنة آلاف مجلد في مختلف علوم الدين والدنيا.

 وكانت مفتوحة للعامة ينهلون مما في خزاناتها من المراجع والكتب، كما اهتم بنشر الكثير من الكتب السلفية التي كانت توزع بالمجان.

وكان الشيخ محمد نصيف مرجعًا للباحثين وطلاب العلم وكل من يسأل عن نسب أهل الحجاز وقد أجمع الناس على محبته لما كان يتحلى به من الصفات الكريمة والأخلاق الفاضلة. يقول الشيخ علي الطنطاوي: «وصلنا جدة بعد أن وصلت أرواحنا إلى التراقي في رحلة بالسيارات من دمشق إلى مكة امتدت ثمانية وخمسين يومًا، اعتسفنا فيها الصحراء، وواجهنا فيها الموت. 

توجهنا حين وصلنا جدة إلى دار الأفندي الشيخ محمد نصيف، وكانت داره محطة لكبار الحجاج من أهل العلم وأهل الصدارة في كل بلد، وكنت أعرف عنه الكثير من خالي محب الدين الخطيب ومن الشيخ بهجة البيطار فلما التقينا وجدت الشيخ محمد نصيف أنبل وأفضل مما سمعت عنه، كان نبيلًا أصيلًا لا متكلفًا، كان النبل طبعًا فيه لا تطبعًا، فلو أراد العدول عنه لما استطاع.

 وكان عالمًا بالحجاز وأهله وحكامه، فكأنه تاريخ يمشي على قدمين يعرف الدول والناس كما يعرف الكتب، وعنده مكتبة من أنفس ما عرفت من المكتبات، ولقد عرفت مكتبة أستاذنا محمد كرد علي في دمشق وإسعاف النشاشيبي في القدس وأحمد تيمور باشا وأحمد زكي باشا في مصر، ومكتبة ندوة العلماء في «لكنو» في الهند، ومكتبة الحاج حمدي الأعظمي في بغداد، ومكتبات لا أحصيها الآن، فوجدت مكتبة الشيخ محمد نصيف من أكبرها وكانت مكتبة مفتحة الأبواب مثل مائدته لكل قادم.

دائرة معارف ناطقة

وقال عنه أمين الريحاني في كتابه «ملوك العرب»: «إن الشيخ محمد نصيف دائرة معارف ناطقة، يجيب على السؤالات التي توجه إليه ويهدي إلى مصادر العلوم الأدبية والتاريخية والفقهية».

 وقال عنه الشيخ محمد بن مانع: «لم نعلم في الحجاز رجلًا يساويه في الكرم وحسن الخلق».

 وكتب عنه العلامة السيد محمد رشيد رضا في مجلته «المنار» فصلًا كاملًا بعنوان «محمد نصيف نعم المضيف».

 وقال عنه الشيخ زهير الشاويش: «إن محمد نصيف كان يملأ الدنيا، وهو الرجل الكبير في كل مراحل حياته، لقد كان يصل ويواصل كل أحبابه في جدة، والحجاز وفي كل مكان وليس هناك مكتبة عامة أو خاصة عرف أصحابها الشيخ محمد نصيف وليس فيها كتاب أو كتب هدية منه».انتهي.

 بدأت معرفتي به عام ١٣٧٥هـ - ١٩٥٥م حين توجهت مع زملائي مدرسي مدرسة النجاة الأهلية في الزبير إلى الحج حيث التقيناه في منزله فأحسن استقبالنا وبالغ في إكرامنا وإهدائنا الكثير من الكتب، ورأينا فيه من الصفات والشمائل ما ذكّرنا بالسلف الصالح من العلماء العاملين الذين يزينهم التواضع وتكسوهم المهابة ويفيضون الخير على كل الناس. 

هذا هو اللقاء الأول بالشيخ محمد نصيف حيث كنت قبله أقرأ مقالاته وتعليقاته وأخباره في مجلة «المنار» لمحمد رشيد رضا، ومجلة «الفتح» لمحب الدين الخطيب، وكانت له صلة طيبة بالإمام الشهيد حسن البنا الذي تولى إصدار مجلة «المنار» بعد وفاة الشيخ محمد رشيد رضا، بناء على طلب الورثة، حيث أصدر منها خمسة أعداد ثم توقفت.

 ولما التحقت بالعمل بوزارة الأوقاف الكويتية مديرًا للشؤون الإسلامية وأنشأنا لجنة إحياء التراث الإسلامي ولجنة الموسوعة الفقهية، كتبت إليه في ٦ رجب عام ١٣٨٥هـ (20/١٠/1965م) أقول: «إن من أهداف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت إحياء التراث الإسلامي، وذلك بطباعة المخطوطات الإسلامية النادرة التي امتازت بدقتها العلمية وأهميتها في الثقافة الإسلامية، لذا يرجى التكرم بتزويدنا بأسماء الكتب المخطوطة التي تعتمدونها ومدى استعدادكم للتحقيق فيها والتعاون معنا في هذا المجال». 

وكان الشيخ محمد على صلة وثيقة بعلماء الإسلام داخل المملكة وخارجها، تميز بفراسة في معرفة الرجال، ومن كلامه في إنصاف بعضهم وصفه الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بأنه: «جبل علم، يخيف من حوله»، ووصفه الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ بأنه: «ملك آل الشيخ»، ووصفه الشيخ محمد بهجة البيطار بأنه «بهجة الشام»، ووصفه الشيخ مصطفى السباعي بأنه: «يطيع من كان عليهم أن يطيعوه».

 كما كان الشيخ محمد نصيف مقدرًا من ولاة الأمر غاية التقدير، حيث كان الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود وولداه الملك سعود والملك فيصل يبالغون في إكرامه ويزورونه في بيته، ولقد أمر الملك الشهيد فيصل بن عبد العزيز بشراء «قصر نصيف ومكتبته»، وجعلهما ملكًا للدولة وإبقائهما أثرًا وتاريخًا، يسميان باسم نصيف، وما زال الأمر كذلك إلى يومنا هذا حيث كتبت لوحة: «وزارة المعارف- إدارة الآثار والمتاحف- مكتب الآثار بجدة - بيت نصيف».

وقد أهدى أحفاد الشيخ محمد نصيف مخطوطات مكتبته إلى جامعة الملك عبد العزيز بجدة. 

ومن أولاده: الشيخ حسن الذي تولى رئاسة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجدة، والشيخ عمر الذي كان مديرًا لأوقاف جدة ورئيسًا لبلديتها وهو والد الدكتور عبد الله عمر نصيف مدير جامعة الملك عبد العزيز ثم الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ثم نائب رئيس مجلس الشورى السعودي.

 وإنني لأعتبر فترة تولي د. عبد الله أمانة رابطة العالم الإسلامي العصر الذهبي للدعوة الإسلامية، حيث عمن أرجاء الدنيا بفضل جهوده المباركة الخيرة، ولذلك لم أتردد في الالتحاق بالعمل في الرابطة أمينًا عامًا مساعدًا حين طلب مني ذلك.. وكانت زمالة ورفقة، عرفت فيها الحفيد عن قرب، بعد أن كنت أعرف الجد ولا غرو فهذا الشبل من ذاك الأسد.

 وحين سئل الشيخ محمد نصيف من الإذاعة السعودية عن ذكرياته عن اللقاء الأول مع الملك عبد العزيز الذي نزل بدار آل نصيف أجاب:

«من عام ١٣٤٣هـ إلى ١٣٤٤هـ كان أشراف مكة وضيوفهم من ولاة الحجاز ينزلون بدورنا لأن جدي عمر وأبوه عبد الله وأنا محمد بن حسين بن عمر نصيف كنا وكلاء الإمارة بجدة، وكان الملك الراحل عبد العزيز ينزل بدارنا عدة مرات، حتى بنيت له القصور فصار ينزل في قصوره الخاصة، ومن الذكريات التي لم أنسها موقف الملك الراحل عبد العزيز آل سعود من المعاهدة الإنجليزية التي عُقدت في جدة في الكشك العلوي من داري، وكان المستر كليتون يريد أن يدخل فيها أشياء تنافي الاستقلال، فقال له جلالة الملك عبد العزيز: إننا خضنا الحرب، وكانت الدماء إلى ركبنا، فلا أرضي ولا يرضى الجندي الذي خاض المعارك أن تكون المعاهدة مخلة بالاستقلال». «مجلة الإذاعة السعوديةالعدد (٥٥) شوال عام ١٣٧٩هـ».

لباقة وهدوء

تميز الشيخ محمد نصيف بأسلوبه المقنع في الحوار، ولباقته، وهدوئه وتفكيره الرصين، ورباطه جأشه، وسلامة ذوقه، وسعة علمه، وقدرته على توجيه وقيادة مجالس العلم وحصر المساجلات العلمية في مجال الإفادة والاستفادة والابتعاد عنالجدل العقيم أو المراء المذموم والتعصب.

كما كان منظمًا في وقته يبدأ يومه بقراءة القرآن الكريم والذكر والدعاء ثم الجلوس بعد ذلك لأصحاب الحاجات، ثم يتفرغ بعض وقته لضيوفه وجلسائه ويقوم على خدمتهم بنفسه، ثم يلتفت إلى طلابه من محبي العلم، ثم يخلو مع نفسه للنظر في بعض المسائل العلمية التي تحتاج إلى تأمل وبحث ومراجعة وتثبت، وهكذا يقضي نهاره وليله في العلم والتعلم والتلاوة والذكر والقيام بشؤون الناس وحاجاتهم وإكرام الضيوف والزوار والعبادة لله والاهتمام بشؤون الأسرة.

 لقد كانت للشيخ محمد نصيف رحلات كثيرة إلى مصر وسورية ولبنان حيث يلتقي بعلماء وقادة تلك البلاد مع من يفد إليها من العلماء والزعماء العرب فكانت لقاءاته بالسيد محب الدين الخطيب وأحمد محمد شاكر وحسن البنا والشيخ حسنين مخلوف والشيخ طه الساكت، والشيخ أحمد الباقوري، والشيخ بهجة البيطار، والشيخ ناصر الدين الألباني، والشيخ محمد بن كمال الخطيب، والشيخ علي الطنطاوي والشيخ مصطفى السباعي والشيخ زهير الشاويش، والأستاذ سعيد الأفغاني، والأستاذ عصام العطار، والحاج عبد اللطيف أبو قورة، والأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة، والأستاذ أحمد الخطيب والشيخ سعدي ياسين، والشيخ حسن خالد، والشيخ عبد الرحمن عاصم، والحاج محمد أمين الحسيني، والأستاذ سعيد العبار، وغيرهم فضلًا عن الذين راسلهم أمثال السيد أبي الأعلى المودودي، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي، واللواء محمود شیت خطاب، والأستاذ كامل الشريف والدكتور تقي الدين الهلالي، ومحمد هاشم الهدية وغيرهم.

كما كانت له علاقات طيبة بعلماء المملكة كالشيخ عبد العزيز العثيمين والشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ أحمد بن عيسى والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ عبد الله البسام وغيرهم. 

جاء في كتاب «محمد نصيف: حياته وآثاره» قصة غاية في الطرافة خلاصتها: 

«كان محمد نصيف شغوفًا بجمع الكتب حريصًا على اقتنائها لينتفع وينفع بها، وكان أول عهده بالكتب عام ١٣١٩هـ حين أرسله جده إلى السوق ليشتري جارية تخدمه- أي تخدم محمد نصيف- ولما وصل إلى سوق العبيد ومعه حاجب القصر، ومع الحاجب ستة دنانير من الذهب، نظر محمد نصيف نظرة عابرة على الإماء اللاتي وجدن في هذا السوق، فإذا نفسه تشمئز من سوء معاملة الدلالات لهن وامتهانهن لكرامة هؤلاء الإماء، ثم قال في نفسه إنني لا أريد أن أشتري جارية ربما تكون في يوم من الأيام أمًا لأولادي وهي تباع والحالة هذه كما يباع الحُمر والنَّعم، ثم عاد راجعًا من السوق وأمر الحاجب بالذهاب إلى القصر بعد أن أخذ منه الدنانير الست، وفي أثناء عودته مر بمكتبة لأحد العلماء يعرضها ورثته للبيع، فأقدم على شرائها بكاملها ثم عاد إلى جده وأخبره بما حدث ففرح بذلك واستبشر خيرًا لأنه تغرَّس فيه رغبة جامحة لطلب العلم وتحصيله ومن ثم أوكل تعليمه إلى بعض المعلمين البارزين منهم الشيخ محمد باصبرين».

وكانت الرسائل التي ترد إليه من العلماء من أنحاء العالم الإسلامي تخاطبه بأسمى عبارات التقدير والثناء لمعرفتهم بمكانته.

كتب إليه العلامة المغربي د. محمد تقي الدين الهلالي رسالة يقول في مقدمتها: «إلى الأخ الكريم بقية السلف، وعمدة الخلف، محيي السنة ومميت البدعة الأستاذ السيد محمد نصيف أدام الله ارتقاه وأطال بقاه، حصنًا منيعًا لكتاب الله وسنة رسوله».

 ووصفه ابن اليمني الناصري المغربي بقوله:

بعلم صحيح ورأي حصيف

قد امتاز شيخ الحجاز نصيف

كما امتدحه الشيخ عيسى بن يحيى بقصيدة جاء فيها:

 بجدة طود ينطح النجم في السما

وعون لملهوف إذ الخطب أدهما

له أذعن الأحبار في كل بلدة

محيط علوم لا يباري إذا طما

سليل نصيف من غطارفة لهم

   مواقف سل عنهم تجدهم ضراغمًا

تفرد عنهم في المعالي محمد

   به المجد يزهو ضاحكًا متبسمًا

هكذا عاش الشيخ محمد نصيف داعية للدين، خادمًا للعلم، مكرمًا لأبناء السبيل وضيوف الرحمن ناشرًا للكتب، مصلحًا بين الناس. 

لحظات الموت

وحين سئل الحفيد د. عبد الله عمر محمد نصيف عن اللحظات الأخيرة من حياة جده أجاب: «كنت معه في بريطانيا لعلاج ركبته قبل موته بأقل من شهر، وعندما عاد من بريطانيا كان في قمة صحته، ثم فجأة أحس ببعض الضيق، فذهبنا إلى الطائف وهناك قال لنا الأطباء هذه الشيخوخة ليس لها علاج، وبعد مرور عدة ساعات فاجأنا جدي بقوله: لا تتعبوا أنفسكم، ثم طلب الأطفال الصغار، فأحسست أنه يشعر بدنو أجله، وعندما جاءت سكرة الموت وكانت والدتي بجواره، قال لنا اذهبوا بي إلى السرير لعل الأجل قد أتى وبالفعل خرج من الشرفة ومدد على السرير وصعدت روحه من تلك اللحظة إلى بارئها رحمه الله رحمة واسعة».

 وكان ذلك يوم الخميس السادس من شهر جمادى الآخرة عام ١٣٩١هـ- ۱۹۷۱م بمدينة الطائف ثم نقل جثمانه إلى جدة في موكب مهيب، وقد خرجت جدة كلها لتشييع جنازته وصُلّي عليه بعد صلاة العصر في مسجد المعمار ودفن في مقبرة الأسد في مدينة جدة وكان عمره يناهز التسعين عامًا.

رحم الله شيخنا محمد نصيف وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي به عباده الصالحين وغفر الله لنا وله وجمعنا وإخواننا المسلمين في مستقر رحمته مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تنبيه 

هذه الحلقات خواطر من الذاكرة قد يعروها النقص والنسيان، لذا أرجو من إخواني القراء إمدادي بأي إضافة أو تعديل لتداركه قبل نشرها في كتاب مستقل. وعنواني:

ص.ب: 9365- الرياض 11683 

الرابط المختصر :