; هجرة الشباب العربي.. رحلة البحث عن حياة أفضل | مجلة المجتمع

العنوان هجرة الشباب العربي.. رحلة البحث عن حياة أفضل

الكاتب فاطمة عبدالرؤوف

تاريخ النشر الخميس 01-أغسطس-2019

مشاهدات 59

نشر في العدد 2134

نشر في الصفحة 15

الخميس 01-أغسطس-2019

تُعد الهجرة سنة حياتية رافقت الإنسان في كل عصوره تقريباً؛ حتى تطورت في عصرنا الحديث إلى أن تم مأسستها في نظام بعض الدول من خلال تخصيص وزارات خاصة بها مسماة باسمها، بعد أن أصبحت أمراً واقعاً في ظل ما يعانيه شباب بعض الدول من ظروف حياتية صعبة، سواء على المستوى الاقتصادي، أم السياسي، أم بسبب العنصرية والطائفية التي تعاني منها بعض المجتمعات.

ورتب ديننا الإسلامي أحكاماً شرعية للهجرة، استنبطها الفقهاء من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وسيرة النبي المطهرة، حتى نقل القرآن لنا صورة من صور يوم القيامة التي يُعاتَب فيها المستضعفون في الأرض على عدم لجوئهم إلى الهجرة هرباً من الاستضعاف الواقع عليهم؛ {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا} (النساء: 97).

وفي هذا العصر الحديث الذي تيسرت فيه حركة الاتصالات والمواصلات، وشاعت في كثير من الدول أسباب الهجرة المتعددة؛ حتى اضطر لها كثير من الشباب دون الانضباط بضوابطها الشرعية والاجتماعية والقانونية الدولية.. ظهر كثير من التداعيات التي اقتضت الوقوف مع الأمر، ومحاولة ضبطه ووضع الأمر في نصابه لكل مهاجر أو عازم على الأمر، من خلال هذا الملف الذي تعرض فيه «المجتمع» للموضوعات التالية:

- قبل قرار الهجرة.. ثلاثة أسئلة ينبغي التفكير فيها.

- الهجرة..  رحلة البحث عن حياة أفضل.

- حينما يكون المهاجر سفيراً لأمته.

- الهجرة الفكرية للشباب العربي في ضوء القرآن الكريم. 

- الهجرة من بلاد الإسلام وإليها.. ضوابط وأحكام.

قبل قرار الهجرة.. ثلاثة أسئلة ينبغي التفكير فيها

كثير من المهاجرين يعانون مشكلات نفسية قد تطول لسنوات بسبب أنهم لم يدرسوا قرارهم بصورة كافية

لا تستهن بمشاعر الاغتراب خاصة لو كنت شخصية عاطفية تتعلق كثيراً بالأماكن والأصدقاء

لا بد أن يكون لديك معلومات تفصيلية عن بلد المهجر ومساحات الحرية فيه وفرص العمل المتاحة لك

وجود جالية قوية يساعد كثيراً في الحفاظ على التوازن بين الاندماج في المجتمع الجديد وعدم الذوبان فيه

كثيراً ما تعد الهجرة هي الحل لكثير من المشكلات التي يعانيها الإنسان في وطنه الأم؛ فالفقر الشديد الذي يعاني منه الشباب، مع تفشي البطالة، وانخفاض مستوى الأجور في كثير من البلدان؛ يجعل الهجرة خياراً مثالياً لشبابها، كما أن انعدام الأمن في بلدان أخرى يجعل من الهجرة الخيار الوحيد المتاح، وبعضهم يهاجر هروباً من مشكلات متعلقة بالحريات في بلاده.

وأحياناً تكون الهجرة والحياة في بلاد الشمال الغني والمتقدم تكنولوجياً حلماً لآخرين لا يعانون بصورة حادة في بلادهم، ولكنهم يطمحون لنمط آخر ومختلف من الحياة.

أياً ما كان الدافع وراء الهجرة، فهناك ثلاثة أسئلة أساسية لا بد أن يتم التفكير فيها قبل اتخاذ هذا القرار المصيري:

السؤال الأول: هل أنت مـتأكد تماماً من صحة هذا القرار، أم أن هناك نسبة من التردد؟

لا ينبغي أن تتخذ قرار الهجرة إلا إذا كنت متيقناً تماماً من صحة قرارك، وأنه الأنسب لك ولظروفك، وأن الإيجابيات تتفوق على السلبيات في هذا القرار، أما إن كنت لا تزال تعايش دائرة التردد فلا تتخذ القرار قبل مغادرتها نهائياً.

كثير من المهاجرين يعانون مشكلات نفسية قد تطول لعدة سنوات؛ بسبب أنهم لم يكونوا متيقنين من قرارهم، ولم يتم دراسته من كافة جوانبه، أو أنهم هاجروا بحثاً عن الحلم الذي تم تسويقه لهم دون معرفة كافية بباقي الكوابيس التي لم يحكِ لهم عنها أحد.

لا بد أن تكون على يقين من أن تجارب الهجرة لا يمكن استنساخها، وأن تجربتك ستكون فريدة؛ لأنها تحمل طابعك الشخصي، وليس معنى أن آخرين هاجروا واستقرت أمورهم المادية والنفسية أنها ستكون كذلك بالنسبة لك؛ فأنت أدرى الناس بنفسك.

قد تسبب معاناة الاغتراب في سنواتك الأولى، وافتقادك لدوائر التواصل الآمنة التي اعتدت عليها، الكثير من والضغوط النفسية، فلا تستهن أبداً بمشاعر الاغتراب وحنين الذكريات، خاصة لو كنت شخصية عاطفية تتعلق كثيراً بالأماكن والأصدقاء؛ ففي رمضان وفي كل عيد سيعاودك الاشتياق لبلدك وأهلك وحكاياتك القديمة؛ فهل أنت حقاً مستعد لذلك؟

السؤال الثاني: هل تمتلك مقومات الهجرة؟

بعيداً عن الضغوط النفسية ومعاناة الاغتراب، هناك أمور مادية حاسمة ينبغي التفكير فيها قبل اتخاذ قرار الهجرة، مثل:

- إتقانك لغة البلاد التي ستهاجر إليها، صحيح أنك ستكتسب لغة التواصل اليومي بعد فترة صغيرة، ولكن حتى يحدث ذلك ستعاني معاناة قاسية وأنت غير قادر على التفاهم مع أحد من أهل البلاد الأصليين، كما أن إتقانك لمهارات اللغة المقروءة والمكتوبة سيمنحك فرصة للحصول على دورات تعليمية متقدمة تؤهلك لحياة أفضل في بلد المهجر.

- لا بد أن يكون معك قدر كافٍ من المال حتى تستطيع تجاوز شهورك الأولى بسلام، وحتى تستطيع الحصول على فرصة عمل ملائمة، أو حتى تحصل على المعونات التي تقدمها بعض الدول للاجئين والمهاجرين، وإلا فستقاسي من التشرد والسكن في مناطق غير آمنة والتعرض للاستغلال بكافة صوره.

- كلما كان لديك مهارات في مجال العمل؛ استطعت الحصول على عمل بصورة أسرع وبراتب أعلى.

- احرص على توثيق كل أوراقك الرسمية، واعتماد كافة الشهادات والمؤهلات الحاصل عليها. 

على أن امتلاكك لمقومات الهجرة وحدها لا يكفي؛ لذا لا بد أن يكون لديك معلومات تفصيلية عن البلد الذي ستهاجر إليه، ومساحات الحرية الممكنة فيه، وفرص العمل المتاحة لك، وصور الدعم الذي ستتلقاه، وهل هو بلد يرحب بالمهاجرين أم يسيطر عليه اليمين المتطرف الذي يناهضهم؟ وهل هجرتك ستكون شرعية آمنة، أم أنك ستلجأ لطرق غير شرعية مع تحمل كافة العواقب التي ستترتب على ذلك؟

السؤال الثالث: هل أنت مستعد للاندماج في المجتمع الجديد؟

إذا كنت تنوي الهجرة؛ فعليك أن توطّن نفسك على الاندماج في مجتمعك الجديد والتفاعل معه، ولكنَّ كثيراً من البلاد التي ترحب بالمهاجرين لا تكتفي بهذا القدر من الاندماج، ويفرضون على المهاجر الذوبان الكامل في هوية وثقافة مجتمعهم، ففي كثير من الأحيان يمارس مجتمع المهجر لوناً من ألوان التسلط الثقافي والقيمي على المهاجر؛ بحيث يعاقب من يرفض هذا الذوبان بالنبذ، وربما ببعض العقوبات القانونية في البلاد الأكثر تطرفاً؛ لذلك ينبغي دراسة بلد المهجر جيداً لمعرفة المساحة الحقيقية للحرية فيه، سواء على مستوى القوانين أو الثقافة الشعبية السائدة؛ حتى تستطيع تقدير المساحة الآمنة للاندماج الذي يحافظ على هويتك الدينية والثقافية.

المشكلة الحقيقية سيعاني منها أولادك (الجيل الثاني)؛ لذلك عليك التفكير في مستقبل أولادك وتربيتهم، وهل ستستطيع دمجهم في المجتمع الجديد مع عدم ذوبانهم فيه أم لا؟

ومن الأفكار الملهمة التي تساعدك على تقييم قدرتك على الاندماج دون الذوبان وجود جالية قوية متماسكة في بلد المهجر، فوجود جالية قوية لها صوت مسموع وأنشطة وخدمات يساعد كثيراً في الحفاظ على التوازن بين الاندماج في المجتمع الجديد وعدم الذوبان فيه.

أسئلة نوعية

هناك أسئلة نوعية ينبغي أن تفكر فيها فئات معينة من المهاجرين، فهجرة شاب وحده يختلف عن هجرة أسرة كاملة، وهجرة الرجل تختلف عن هجرة المرأة، وتختلف هذه بدورها عن امرأة مهاجرة بأطفالها. 

فالشاب الذي يهاجر وحده تبدو أعباؤه أقل، وحرية حركته أوسع، وإن كان سيعاني مزيداً من الاغتراب، أما من يهاجر بأسرته فربما يحصل على إعانة كبيرة بعدد أفراد أسرته إذا كان بلد المهجر يرحب بالمهاجرين، ويقدم تسهيلات لهم، وستكفي المعونة للسكن ودفع الفواتير ونفقات الطعام ونحوه، بالإضافة للشعور بالأمن النفسي لوجود أسرته في محيطه، ولكن إذا لم تكن هذه المعونات متوافرة فسيعاني المزيد من الضغوط المالية وصعوبة الحركة وقلة الخيارات. 

أما المرأة المهاجرة فعليها أن تفكر مرتين قبل قرار الهجرة؛ لأنها الأكثر عرضة للاستغلال، والأكثر عرضة للمضايقات من قبل المتطرفين، ويزداد الأمر صعوبة بهجرتها بصحبة أطفالها؛ لأن عليها في هذه الحالة المزيد من الأعباء المادية إذا هاجرت لبلد لا يقدم إعانة للاجئين والمهاجرين.

لذلك، ينبغي للنساء المهاجرات التفكير العميق في حجم المخاطر والمسؤوليات الملقاة على عاتقهن، وينبغي أن تكون لديهن معلومات دقيقة عن المزايا الإضافية التي ستمنح لهن كنساء، وفي المقابل كم الانتهاكات التي قد يتعرضن لها بدءاً من «فوبيا» الحجاب التي تستشري في كثير من بلاد المهجر التي قد تصل لحد الاعتداء في الشارع، ونزع الحجاب عنوة، وقد تصل للقتل، انتهاء للاسترقاق المعاصر للنساء المهاجرات؛ حيث تتخصص عصابات منظمة في إغراق النساء في الديون لسد حاجتهن المعيشية، أو لتسهيل عملية الهجرة لهن، ومن ثم يتم ابتزازهن مقابل هذا المال وهذه الخدمات؛ فيصبحن عرضة للمتاجرة والاستغلال والتهريب. 

وقد تصبح النساء المهاجرات ضحايا للتحرش في مخيمات اللجوء حيث البيات الجماعي، فالنساء هن الأكثر تعرضاً للجانب الأسود من الهجرة، فإذا لم تكن هجرتك كسيدة آمنة ومنظمة وشرعية فأنت الأكثر عرضة لهذه الانتهاكات. 

ومن الأمور التي ينبغي إليكِ التفكير فيها الصعوبات التي ستواجه زواجك، خاصة لو كان بلد المهجر فيه أقلية من جاليتك والضغوط التي قد تتعرضين لها في بلاد مفتوحة.

وتزداد وطأة الأمر مع المرأة التي تهاجر بأطفالها؛ حيث يقع عليها مسؤولية توفير الأمن لهم تماماً كمسؤولية الغذاء والكساء والتعليم، وسيكون من الأهمية بمكان أن تعرفي أن إلحاق أطفالك بمدارس إسلامية سيكون الخيار الأكثر كلفة في ظل أوضاعك المادية كمهاجرة، ولكن البديل في المدارس العامة سيكون سيئاً في كثير من الأحيان؛ فقد تفاجئين بأن طفلك يدرس مواد عن المثلية الجنسية، منذ المرحلة الابتدائية؛ لذا عليك أن تدركي أنك أكثر الفئات المهاجرة التي بحاجة للتريث في قرار الهجرة.

الرابط المختصر :