العنوان الحضور الإسلامي في فرنسا من الاندماج إلى المواطنة
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1998
مشاهدات 80
نشر في العدد 1307
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 07-يوليو-1998
الحضور الإسلامي في فرنسا ملف معقد بأبعاده التاريخية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وموضوع الجالية الإسلامية في هذا البلد الأوروبي غير مستقر ويشهد تطورات وهزات متتالية وتتداخل فيه المصالح الفرنسية الداخلية والخارجية ومصالح أطراف أخرى تريد أن يكون لها حق النظر في هذا الملف في الوقت الذي تترسخ فيه الرغبة في الاندماج الإيجابي لدى مسلمي فرنسا وبخاصة لدى القطاع الشبابي رغم شدة العراقيل أمام تحولهم إلى مواطنين كغيرهم من الفرنسيين.
وقد كان الحضور الإسلامي في فرنسا محل جدل دائم بين القوى السياسية وفعاليات المجتمع المدني الفرنسي، وتزيد حدة هذا الجدل كلما ظهرت أزمة تتعلق بالملف الإسلامي داخل فرنسا أو خارجها، ومنذ السبعينيات تحول موضوع الهجرة التي يمثل المسلمون الجزء الأكبر منها إلى قضية للتنافس السياسي بين اليسار واليمين في كل محطة انتخابية وفي كل مرة يطرح الملف الإسلامي بنظرة سلبية من حيث اعتبار تنامي الصحوة الإسلامية يشكل أزمة في المجتمع الفرنسي.
وكانت أزمة النفط عام ۱۹۷۳م الشرارة الأولى التي أطلقت العنان للكراهية ضد كل ما يتعلق بالعرب والإسلام وتحركت المشاعر الدفينة المليئة بالأحقاد الموروثة عن حقبة الحروب الصليبية ثم الحقبة الاستعمارية.
بداية الصحوة الإسلامية:
وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا بدأت منذ عام ١٩٧٤م اعتماد سياسة الحد من الهجرة وهي نوع من رد الفعل على سياسة العرب النفطية في ذلك الوقت والتي كانت لها انعكاسات سلبية على اقتصاديات الدول الغربية كما أن الصحافة الغربية عمومًا والفرنسية خصوصًا انطلقت في حملة تشويهية للعرب والإسلام ومازالت متواصلة إلى يومنا هذا، وبدون شك فإن التركيز الإعلامي الدائم على هذا الموضوع «تشويه صورة المسلمين والعرب» كرس لدى الرأي العام الفرنسي الصورة السلبية القديمة عن الإسلام والتي صورها المستشرقون في كتاباتهم عما يسمى بـ «الشرق» وكانت هذه الصورة القديمة تختزل حياة المسلمين في مشاهد رواية ألف ليلة وليلة أي في اللهو والمجون والتمتع بالنساء أو فيما نقلته كتب التاريخ عن أن الإسلام انتشر بالسيف والقوة باسم الجهاد، في سبيل الله وهو ما يطلق عليه المستشرقون بـ «الحرب المقدسة» وجاءت نهاية السبعينيات والتي شهدت قيام حكم ذي مرجعية دينية شيعية في إيران بعد ثورة أسقطت نظام الشاه الإيراني الملقب بـ «شرطي الخليج» والحارس الأمين المصالح الغرب في تلك المنطقة جاءت هذه الأحداث لتعطي بعدًا سياسيًّا للحضور الإسلامي في الغرب وبخاصة أن هذه الأحداث تفاعل معها المسلمون ليس بالضرورة من باب التبني الأيديولوجي المذهبي بقدر ما كان تفاعلًا مع الصحوة الإسلامية في وجه الطغيان السياسي والهيمنة الغربية، ومما زاد هذه الأحداث أهمية أن قائد الثورة الإيرانية في ذلك الوقت -الخميني- كان متواجدًا في المرحلة الأخيرة من الثورة في فرنسا وقام الإعلام الفرنسي بتغطية كبيرة لنشاطه السياسي في إطار الاهتمام بحدث فريد من نوعه في التاريخ المعارض بالإضافة إلى خلفية إبراز اختلاف المذهبية بين الشيعة والسنة وتصفية حسابات غربية مع العرب الذين تسببوا في أزمة اقتصادية سابقة.
لكن هذه الحسابات الغربية جاءت بنتائج عكسية، إذ أفرزت هذه المرحلة اهتمامًا خاصًا لدى مسلمي الغرب- ومنهم مسلمو فرنسا - بمسألة الهوية الدينية بمثابة أداة للتعبير الوجود، وتزامنت هذه المرحلة مع ترسخ الشعور الديني لدى قطاع كبير من أبناء الجالية المسلمة في فرنسا وبخاصة في صفوف الجيل الأول وتجسد ذلك في الحرص على بناء المساجد وشراء قاعات لتحويلها إلى أماكن للعبادة وتبع ذلك الاهتمام باللغة العربية وحفظ مبادئ الإسلام فتم فتح العديد من المدارس القرآنية وتعليم اللغة العربية داخل المساجد خارج أوقات التعليم الرسمي، كما انتشر الحجاب في صفوف بنات المسلمين ونسائهم وبدأت مؤشرات الصحوة في صفوف الجيل الثاني والثالث.
الاستقرار وبناء المؤسسات الدينية الثقافية:
وأعطت هذه الأنشطة خلال الثمانينيات دفعًا جديدًا للعمل الدعوي الذي بدأته جماعة التبليغ عن طريق تأطير عدد من العمال الذين يمثلون الجيل الأول مع الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من هؤلاء العمال جاؤوا منذ الستينيات بحثًا عن مورد رزق دون أن يصطحبوا معهم عائلاتهم، ولم تكن لديهم فكرة الاستقرار في فرنسا ثم سمع لعائلاتهم بالالتحاق بهم في موطن الهجرة في إطار ما يسمى بـ «التجمع العائلي» وكان هاجس العودة يومًا ما إلى أرض الوطن يملك عليهم نفوسهم بيد أن دخول الأطفال والأبناء إلى المدارس الفرنسية ودخول عنصر جديد مادي لا يمكن إنكاره متمثلًا في الركون إلى الظروف المادية الأفضل مقارنة بالظروف الاقتصادية للبلدان الأم، هذان العاملان دفعًا عددًا كبيرًا إلى تغيير قناعاتهم تدريجيًّا والقبول بالاستقرار في فرنسا على الأقل إلى حد الحصول على منحة التقاعد رغم تشجيع الإدارة الفرنسية للمهاجرين على العودة نظير مقابل مالي.
وتزامنت هذه المرحلة مع قيام عمل مؤسساتي يتمثل في إقامة الجمعيات والمنظمات الإسلامية في كل أنحاء فرنسا لتسيير شؤون المسلمين وقد لعبت هذه الجمعيات والمنظمات دورًا كبيرًا في توعية المسلمين وحل مشاكلهم، لكن المشكل الحقيقي يعود إلى بروز حساسيات أيديولوجية وسياسية وعرقية بين هذه الجمعيات وداخلها أحيانًا، وظهر تصنيف رباعي داخل تركيبة المؤسسات القائمة على النشاط الإسلامي في فرنسا النوع الأول من الجمعيات بديره عمال ذوو مستوى ثقافي ضعيف ويدخل ضمنه جماعة التبليغ وجمعيات أخرى قائمة على أساس إقليمي محض ولا تخضع المقاييس من الكفاءة الإدارية والعلمية والشرعية والنوع الثاني يخضع لجهة سياسية خارجية ويتمثل أساسًا في مسجد باريس، وهو أقدم مؤسسة إسلامية في فرنسا حيث بني عام ١٩٢٦م. وتقول بعض الروايات أن فرنسا أرادت من خلال قرار تشييد هذه المؤسسة تكريم المسلمين الذين شاركوا إلى جانب جنودها خلال الحرب العالمية الأولى وقتل منهم عدد كبير، وبخلفية التعويض عن السياسة الفرنسية الاستعمارية لشمال إفريقيا وبخاصة الآثار السلبية الناتجة عن استعمار الجزائر طيلة ١٣٠ عامًا، تنازلت فرنسا أمام رغبة السلطات الجزائرية الملحة في أن يكون لها حق النظر المباشر على مسجد باريس، ونتيجة لذلك بقي هذا الأخير إلى الوقت الحاضر مؤسسة مدعومة من جهة رسمية جزائرية وبدأ يفقد مصداقيته لدى الجالية المسلمة مع بروز رأي عام قوي داخلها ينادي باستقلالية العمل الإسلامي في فرنسا وابتعاده عن أي وصاية خارجية، ومما زاد مسجد باريس انحسارًا في شعبيته التطورات السياسية في الجزائر وانفجار الوضع الأمني فيها وتواجد تيار استئصالي للصحوة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية في هذا البلد.
أما الصنف الثالث من المؤسسات الإسلامية في فرنسا فهو قائم على أساس عرقي مثل جمعيات الأفارقة والأتراك والقمريين والبنغال، ويعتبر عنصر اللغة أحد الأسباب الرئيسة في قيام جمعيات ذات ترابط لغوي ثقافي يساعد على الالتقاء والعمل المشترك وبخاصة أن عددًا من المنضوين تحت هذه الجمعيات لا يفهمون كثيرًا اللغتين العربية والفرنسية، ورغم أهمية مثل هذه الجمعيات في تسيير شؤون أعضائها حسب المناطق الإقليمية فإنها تعكس في المقابل ضعفًا في التوجه الاندماجي في المجتمع الفرنسي وانكماشًا على الذات وعلى الخصوصية الثقافية، وينتج عن ذلك انغلاق على النفس وعدم توجيه الطاقات إلى الدعوة الخارجية مما يشجع الرأي العام الفرنسي على اعتبار المسلمين أجانب من المجتمع وغير قادرين على الاندماج فيه.
الاتحاد يستعد للإعلان عن مبادرة لتمثيل المسلمين:
والصنف الرابع من المؤسسات الإسلامية في فرنسا تقوم عليه النخبة المثقفة من أصول عربية بما فيها من تنوع واختلاف من حيث الانتماءات الأيديولوجية والسياسية، وهي مؤسسات نشأت في الثمانينيات في أغلبها متزامنة مع الصحوة الإسلامية في فرنسا وقبل ذلك في العالم العربي الإسلامي وأبرز هذه المؤسسات الفيدرالية الوطنية لمسلمي فرنسا برئاسة محمد البشاري واتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا برئاسة الحاج التهامي أبريز و«المركز الاجتماعي الثقافي -مسجد الدعوة» برئاسة العربي كشاط، والملاحظ أن هذا الصنف من المؤسسات تمكن من اكتساح ساحة العمل الإسلامي بكل مجالاته، وعمل كل طرف على كسب ثقة الجالية، وهذا التنافس أفرز فعالية على الواقع تتفاوت حسب قدرة كل طرف على استيعاب وتنزيل مقومات العمل المؤسساتي في بلد مهم مثل فرنسا من حيث الاتساع الجغرافي والموقع الإستراتيجي في قلب أوروبا الغربية وعلى أبواب منطقة المغرب العربي والقارة الإفريقية وبانفتاح على شرق وجنوب البحر المتوسط.
وبمرور السنوات اتجه مركز مسجد الدعوة إلى نوع من التخصص في المجال الدعوي الثقافي عبر تنظيم سلسلة من المحاضرات الفكرية تدعى إليها شخصيات إسلامية وفرنسية يشرف عليها إمام المسجد العربي كشاط ، وبرز اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا كقطب صاعد يتجمع حوله العديد من الجمعيات الأعضاء والمتعاطفة والمنظمات المتخصصة في العمل الاجتماعي والقطاعي (الشباب والنساء والطلبة) مثل الرابطة الفرنسية للمرأة المسلمة بفرنسا والشباب المسلم بفرنسا والطلبة المسلمين بفرنسا والإغاثة الإسلامية وعرف الاتحاد لدى الجالية من خلال تنظيمه لمؤتمر سنوي في ضواحي باريس يطرح قضايا تهم الجالية كما أنه لعب دورًا كبيرًا في توجيه أبناء الجالية المسلمة نحو المشاركة الإيجابية في المحطة الانتخابية التشريعية الأخيرة بالنسبة للمسلمين الحاملين للجنسية الفرنسية، ويؤكد المراقبون على أن أصوات المسلمين ساهمت في ترجيح الكفة لصالح الاشتراكيين واليسار عمومًا والذين أظهروا استعدادًا لإعطاء المسلمين حقوقهم واحترام كرامتهم كأقلية كبيرة لها وزنها.
ويستعد الاتحاد للإعلان عن مبادرة مهمة لتمثيل المسلمين تمثيلًا دينيًّا، وستشارك في هذه المبادرة جمعيات ومنظمات عديدة منها جمعيات الأتراك والأفارقة وجماعة التبليغ وذلك بهدف الخروج من حالة التهميش التي يعيشها مسلمو فرنسا إلى جانب مجلس الفتوى يتصدى للقضايا اليومية التي تعترض أبناء الجالية المسلمة والتي تحتاج إلى أجوبة من طرف مختصين وخبراء في العلوم الشرعية مع مراعاة «فقه الواقع».
وتجدر الإشارة إلى أن موضوع تمثيل المسلمين يعتبر من الأولويات في معالجة ملف الحضور الإسلامي في فرنسا، وذلك بعد فشل كل المحاولات السابقة بسبب خلافات داخلية وتدخلات الإدارة الفرنسية التي من المفروض أن تلتزم الحياد الكامل في إطار ما تنادي به من مبادئ جمهورية تقوم أساسًا على العلمانية التي تعنِي في جوهرها عدم تدخل الدولة في تسيير الشؤون الدينية، وبينت التجربة أن الإدارة الفرنسية هي التي تمسك بخيوط ملف التمثيل للجالية المسلمة عن طريق وزارة الداخلية التي تتولى في نفس الوقت الشؤون الدينية الأمر الذي يفسر تراوح السياسة الرسمية تجاه الملف الإسلامي بين الحل الأمني والمناورات المختلفة المحاصرة الصحوة الإسلامية والتدخل لمنع حصول إجماع حول تركيبة يرتضيها المسلمون لتمثيلهم لدى السلطات الفرنسية.
بالنسبة للمسألة الأخيرة «تمثيل المسلمين» قام وزير داخلية سابق في عهد الاشتراكي میتران اسمه بیار جوکس بجمع فريق من الوجوه المعروفة بتوجهاتها الإسلامية أو العلمانية وفي أوساط الجالية المسلمة وذلك في إطار ما يسمى بـ «لجنة التفكير حول الإسلام في فرنسا» كنواة أولى لطرح قضايا الإسلام والمسلمين في فرنسا مع التأكيد على أن هذه اللجنة ليس المقصود منها تمثيل المسلمين وانتهت هذه التجربة بصعود اليمين إلى الحكومة في فترة التعايش السياسي بين اليسار واليمين وأصبح باسكو وزيرًا للداخلية، وقد عمد هذا الأخير إلى وضع تجربة جوكس جانبًا والقيام بمساندة مكشوفة لعميد مسجد باريس الذي تعاملت معه السلطات الفرنسية كجهة رسمية ممثلة للمسلمين ولم يفلح هذا التوجه إلى أن توصلت المنظمات والجمعيات الإسلامية إلى تكوين التنسيقية الوطنية لمسلمي فرنسا التي استطاعت أن تتخذ مواقف مهمة في العديد من القضايا التي تهم الجالية مثل الحجاب لكن تدخلات من الإدارة الفرنسية أجهضت هذه التجربة ومن بين مظاهر التدخل إعطاء رخصة الاستفادة من عائدات «اللحم الحلال» إلى جهة أو جهات معينة دون أخرى.
الحجاب مرة أخرى
أما فيما يتعلق بمحاصرة مظاهر الصحوة الإسلامية، فإن قضية الحجاب مثال ساطع على نوعية تعامل الإدارة الفرنسية مع الملف الإسلامي، وبعد أن حسمت السلطات العليا القانونية في البلاد «مجلس الدولة» هذا الموضوع باعتبار ارتداء الحجاب غير متعارض في حد ذاته مع القانون الفرنسي ومع العلمانية، عاد الحديث عن منع الحجاب في فرنسا بعد المقابلة التي تمت بين شيخ الأزهر ووزير الداخلية الفرنسي شوفانما خلال زيارة هذا الأخير إلى مصر وعادت الضجة حول الحجاب علمًا بأن عددًا من مديري المعاهد والمؤسسات التعليمية تمادوا في منع الفتيات المحجبات من الدخول إلى المدارس بحجة أن هؤلاء الفتيات يقمن بنشاط دعوي يتنافى مع مبدأ علمانية التعليم، الأمر الذي اضطرهن إما إلى الدخول إلى المدارس حاسرات الرأس أو إلى الالتجاء إلى المعاهد المسيحية وبعض المعاهد الخاصة الأخرى.
وقد كثر الحديث والجدل حول قضية الحجاب، لكن يبدو أن الخلفية الأساسية أعمق وتتعلق بموضوع تكوين الإطارات المنتمية للجالية المسلمة فهناك توجه غير معلن لعرقلة بروز طاقات فكرية وعلمية متخرجة من المؤسسات التعليمية الفرنسية وتنتمي إلى الجالية المسلمة حتى لا تكون مركز إشعاع وتأثير في صفوف الجالية وخارجها، وبخاصة إذا كانت هذه الطاقات ذات نفس إسلامي ويبرز ذلك من خلال قضية الحجاب المفتعلة بالنسبة للفتيات ومن خلال عملية التوجيه الدراسي للشبان إلى شُعَبٍ فنية وعلمية ذات أفق محدود في المقابل تسعى السلطات الفرنسية الحالية إلى إقامة معهد للدراسات الإسلامية بهدف تخريج جيل من المتخصصين في الشؤون الإسلامية بطريقة علمانية فتنافس المشاريع الأخرى القائمة مثل الكلية الأوروبية للدراسات الاستثنائية بشاتو شينون ومعهد الدراسات الإسلامية بباریس.
الأسلوب الأمني:
إلى جانب هذه السياسة البعيدة المدى اعتمدت الإدارة الفرنسية الأسلوب الأمني المعالجة الملف الإسلامي ويتخذ هذا الأسلوب طريقتين:
الملاحقة البوليسية بالنسبة لكل العناصر التي تعتقد السلطات الفرنسية أنها تمثل خطرًا على الأمن العام، ومنع الفكر أو الإنتاج ذي الطابع الإسلامي وقد اشتهر وزير الداخلية الأسبق باسكو بهذا الأسلوب الأمني حيث قامت وحدات أمنية بهجمات بوليسية على إسلاميين أفرادًا وجماعات، وإذا كان يحق للدولة أن تضمن أمنها العام فإن المؤسف له أن تقع تجاوزات مثل إيقاف إمام مسجد الدعوة العربي كشاط مع مجموعة من الجزائريين الذين تم إبعادهم إلى بوركينا فاسو ثم وضع العربي كشاط في إقامة إدارية يمنع عليه الخروج من الدائرة 19 باريس وبعد تحركات احتجاجية تم رفع الرقابة الإدارية عنه بعد أشهر من اعتقاله، كما تم طرد أئمة بحجة أنهم يدعون في المساجد إلى اعتبار القانون الرباني أعلى من كل القوانين الأخرى بما فيها قانون فرنسا.
أما بالنسبة للحجز والمنع فقد تعددت الأمثلة من منع أحمد ديدات من الدخول إلى التراب الفرنسي قادمًا من جنوب إفريقيا لإلقاء محاضرة بدعوة من جهة إسلامية قانونية كما منع طارق رمضان من الدخول أيضًا إلى فرنسا قادمًا من سويسرًا لإلقاء محاضرة أيضًا، وبعد تحركات واحتجاجات رفع عنه المنع، وذنبه الوحيد أنه حفيد الشهيد حسن البنا وأحد الدعاة المعروفين لدى الشباب من أبناء الجالية المسلمة، كما تم منع كتاب الشيخ القرضاوي «الحلال والحرام» من التداول وبعد تدخلات واحتجاجات تم رفع المنع، وتم أيضًا منع نشريات وصحف ذات طابع سياسي لحركات نشطة من المغرب العربي مثل: نشريات الجبهة الإسلامية للإنقاذ وصحيفة المتوسط التي كانت تصدرها حركة النهضة التونسية، ويلاحظ تراجع حدة الأسلوب الأمني منذ وصول الحكومة اليسارية الحالية إلى السلطة بالرغم من تواصل الأزمة الجزائرية الأمنية، ويتماشى هذا التوجه الجديد مع العقلية السائدة في صفوف الجالية المسلمة في فرنسا.
فهذه الجالية أثبتت نضجًا كبيرًا في العديد من المناسبات وبخاصة في حرب الخليج وقضيتي الحجاب وسلمان رشدي، وما يطالب به مسلمو فرنسا اليوم هو احترام كيانهم ودينهم والتعامل معهم كمواطنين كاملي الحقوق والواجبات حتى لا يبقوا في حالة تهميش وإقصاء من المشاركة الإيجابية والفعالة.
كما يتماشى التوجه الرسمي في التعامل مع الملف الإسلامي مع اهتمام متزايد لدى النخبة المثقفة الفرنسية بالحضور الإسلامي في هذا البلد، ويتجسد هذا التوجه في بروز نخبة تدافع في تدخلاتها عن توطين الإسلام في هذا البلد بشكل طبيعي وتقوم رابطة التعليم «علمانية» بتجسيد هذا الحوار من خلال دعوة بعض الوجوه الإسلامية المعروفة للمشاركة في ندوات حوار حول قضايا تهم الجالية مثل العلمانية الديمقراطية والمشاركة السياسية.
من ناحية أخرى سعى المسيحيون إلى التحاور مع المسلمين وإيجاد أرضية مشتركة في التعامل بين الطرفين.
وهذه مؤشرات خير على الدخول في مرحلة جديدة من بناء العلاقات على أساس المواطنة والتفاعل الإيجابي.
كتاب جديد يبحث في التحديات التي تواجه المسلمين في الغرب
الحرية الدينية ووضع الإسلام في أوروبا الغربية
بقلم: د. واصف شديد
لندن: قدس برس
صدر أخيرًا كتاب جديد للدكتور واصف شديد حول وضع الإسلام والمسلمين في القارة الأوروبية تحت عنوان «الحرية الدينية ووضع الإسلام في أوروبا الغربية» المشكلات والتحديات التي تواجه المسلمين في القارة الأوروبية. من وجهة نظر تخاطب المسلمين في الغرب والغربيين المهتمين بمعرفة المزيد عن الإسلام ومشكلات المسلمين في أوروبا الغربية.
ويعالج الكتاب أهم التحديات التي يواجهها المسلمون في أوروبا ابتداءً من صعوبة إيجاد الأطعمة الحلال وتوزيعها ومرورًا بالمشكلات الاجتماعية والصعوبات في سوق العمل عندما يقرر المسلمون ارتداء الزي الإسلامي ولا سيما بالنسبة للمرأة المسلمة، ويبحث الكتاب كذلك ما يحدث في حالات الزواج والطلاق والوفيات وأحداث اجتماعية يمر بها المسلمون كغيرهم.
ويتميز الكتاب بطريقة جديدة يعالج بها وضع المسلمين حيث يركز الدكتور واصف شديد على الوضع القانوني للإسلام في الدول المختلفة من أعضاء الاتحاد الأوروبي، ويوضح كيف تتباين الأوضاع من دولة إلى دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي متأثرة بعلاقة الدين بالدولة.
ويبين الكتاب أن علاقة الدين بالدولة مهمة عند النظر إلى وضع الإسلام فيها، حيث إن هناك دولًا ذات دين رسمي كالدنمارك على سبيل المثال، في حين تعد دول أخرى علمانية مثل بلجيكا، وقد أضافت بلجيكا الدين الإسلامي في الآونة الأخيرة إلى قائمة الأديان التي تعترف بها الدولة، أما في دول أوروبية أخرى كهولندا وفرنسا فليست ثمة علاقة بين الدولة والدين، بل إن الإسلام ينظر إليه في فرنسا بشيء من الشك على المستوى الرسمي كما يوضع الكتاب بينما يحظى الإسلام بالاحترام والتقدير في هولندا.
ويبحث المؤلف أيضًا وضعية المساجد في عدد من الدول الأوروبية ففي بعض هذه الدول يصعب حصول المسلمين على ترخيص لبناء مسجد ومن ذلك أن المسلمين في ألمانيا مثلًا يواجهون صعوبة في الحصول على ترخيص من البلديات المختلفة لبناء مساجد بحجة أن بناء المساجد في المدن الألمانية يغير من شخصية هذه المدن كما أن ثمة مشكلات من هذا القبيل في فرنسا، حيث تجد الجالية المسلمة صعوبة في الحصول علي ترخيص لإدارة المساجد، أما في بريطانيا فلا يواجه المسلمون مشكلات من هذا النوع إذ إن القانون يسمح لهم ببناء المساجد وادارتها بسهولة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل