العنوان حقيقة أحداث دارفور تحالف الأضداد على أساس قبلي لبناء أمجاد شخصية
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 24-مايو-2003
مشاهدات 58
نشر في العدد 1552
نشر في الصفحة 34
السبت 24-مايو-2003
تعرضت مدينة الفاشر -عاصمة شمال دارفور حاليًا وعاصمة الولاية كلها سابقًا- لهجمات خطيرة من جماعات تدعي أنها تعمل من أجل العدالة والنهضة في دارفور.
أكثر من أربعمائة مسلح بالمدافع والرشاشات والأسلحة الثقيلة يدخلون المدينة قبيل أذان الفجر من جهة الغرب بعد أن قضوا ليلتهم في خزان قولو الذي يقع على بعد ثمانية كيلومترات، كان المتمردون على ظهر عشرين سيارة لاندكروزر بحالة جيدة وعليها الدوشكا والمدافع الراجمة.
كان المستهدف هو المطار وقيادة الجيش وليس القيادة السياسية.
توجه المهاجمون أولًا للمطار وتمكنوا من تدمير أربع طائرات حربية كانت قابعة في أرضه، وكانت هذه الطائرات تستخدم لضرب معسكرات الخوارج المحصنة في جبل مرة ومطاردة فلولهم عبر الحدود.
دارت معارك طاحنة بين الذين هاجموا المدينة على غفلة من قادتها وأهلها والجيش وراح ضحية المعارك أكثر من خمسين قتيلًا من الجانبين بينهم مدنيون.
في النهاية تمكنت القوات المسلحة من طرد المتمردين خارج المدينة بعد أن نشروا الرعب وسط سكانها الذين تجاوبوا مع قادة الجيش وساعدوا في صد الهجوم الغادر.
لكن الخوارج استطاعوا في هجومهم المباغت خطف اللواء إبراهيم بشرى إسماعيل قائد القاعدة الجوية وهو يستعد للخروج من منزله، وتم اعتقاله بعد قتل حراسة حول المنزل.
والسؤال المطروح على الساحة السودانية هو: من وراء هذه الأحداث؟ ولماذا فعلوا ما فعلوا؟
المتحدث الذي أدلى بحديث لقناة الجزيرة قال إنهم قاموا بهجومهم هذا كيدًا للفريق البشير ولإغاظة القيادة السياسية والعسكرية للدولة، خربوا وقتلوا ودمروا ويتموا الأطفال، ورملوا النساء من أجل الكيد والإغاظة.
لكن الأمر أكبر مما يقول هذا المتحدث دارفور ولاية كبيرة تصل مساحتها إلى أكثر من خمسمائة ألف متر مربع، وسكانها خمسة ملايين نسمة، وقد قسمت إلى ثلاث ولايات شمال دارفور، وجنوب دارفور، وغرب دارفور.
عرفت مديرية دارفور - وهكذا عرفت في العهود السابقة ومنذ عهد الاستعمار، بأنها موطن للصراعات القبلية، بل إن الإحصاءات تؤكد أن ٨٥% من الصراعات القبلية في السودان تتركز فيها، وكان جل هذه الصراعات سببه المراعي، حيث إن القبائل العربية فيها تشتغل بالرعي، وقبائل الفور تشتغل بالزراعة، فتنشب المعارك بين الطرفين لتعدي الانعام على المزارع.
بعد ثورة أكتوبر عام ١٩٦٤م ظهرت جماعة سمت نفسها بجبهة نهضة دارفور، وبما أن دارفور منطقة نفوذ تقليدي لحزب الأمة والأنصار، فإن هذا الحزب أوجس خيفة من تلك الجبهة وحاول احتواها واستثمارها لصالحه، ولكن حكومات الأحزاب بقيادة حزب الأمة لم تعمل على تطوير المنطقة.. إلى أن جاء عهد النميري وفي تلك الفترة اندلعت الحرب الأهلية في تشاد.
وبما أن القبائل الحدودية متداخلة، فقد أدخلت كميات كبيرة من السلاح في المنطقة وتسلحت القبائل بأسلحة حديثة، وقبل تلك الحرب الأهلية كانت الجبهة الوطنية التي حاربت الرئيس نميري أدخلت من ليبيا -مقر إقامتها- كميات كبيرة من الأسلحة، وعندما تمت المصالحة تمكنت القبائل من الاستيلاء على الأسلحة المدفونة.
عندما هدأت الأحوال، وتوقفت الحرب الأهلية في تشاد انتشرت ظاهرة النهب المسلح الذي زعزع الأمن في دارفور منذ الثمانينيات حتى اليوم، ولم تتمكن كل الحكومات المتعاقبة من السيطرة على الوضع بسبب الظروف الجغرافية والقبلية والبيئية لا سيما وأن الإدارة الأهلية التي كانت قوية في الماضي اضمحل نفوذها بعد حلها في ثورتي أكتوبر ومايو وعندما أرجعت مرة أخرى لم تتمكن من بسط سيطرتها على السكان كما كان الحال من قبل، وفشلت كل مؤتمرات الصلح في إصلاح الأوضاع.
تفاقمت الأمور سوءًا لأن المعارضين للحكومة وجدوها فرصة لاستثمار الظاهرة لصالح أجندتهم السياسية.
قبل الأحداث بأيام قلائل، أعلن بعض السياسيين تكوين اتحاد المهمشين وعلى رأسهم د. على الحاج نائب الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي «حزب الدكتور الترابي» وخليل إبراهيم عضو المؤتمر الشعبي، وشريف حرير وآخرون.
وللأسف الشديد، فإن في قيادة هذا الاتحاد عناصر كانت قيادية في الحركة الإسلامية وفي حكومة الرئيس البشير فالدكتور علي الحاج كان من قيادات الجبهة الإسلامية وكان نائبًا للترابي في المؤتمر الوطني قبل الانقسام ومازال نائبه في المؤتمر الشعبي وهو خارج البلاد ويعيش في ألمانيا منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وأما خليل إبراهيم فهو أيضًا من الذين تقلدوا مناصب وزارية ولائية في حكومة الإنقاذ، وبعد الانشقاق انضم للمؤتمر الشعبي وفوجئ الناس به يرحل إلى لندن ويؤسس حركة أسماها «حركة العدالة والتنمية».
هؤلاء وغيرهم للأسف الشديد قدموا الولاء القبلي والجهوي على الانتماء العقدي، وتحالفوا على أساس عنصري وقبلي وجهوي مع حركة جون جارانج.
قادة هذه الحركة كلهم يعيشون في الخارج ولا يكتوون بنار الأحداث والفتن التي أشعلوها وقتلوا فيها أبناء قبائلهم لبناء أمجاد دنيوية وكل ما يقولون: إن دارفور مهمشة، وليس ذلك صحيحًا، فكل ولاة دارفور وحكامها ووزرائها من دارفور، كما أن لهم وجودًا دستوريًا وسياسيًا واقتصاديًا في جميع أنحاء السودان، ومطالب دارفور وهي مطالب كل السودان وخاصة الشمال هي التنمية والإعمار، ولا يمكن تحقيق تلك المطالب برفع السلاح وإزهاق الأنفس والأرواح والثمرات وتخريب الممتلكات.
وكان عليهم أن يسألوا أنفسهم ماذا حققت حرب الجنوب منذ عام ١٩٥٥ حتى اليوم؟.. لا شيء غير الدمار والموت وتعطيل الإعمار.
لأكثر من نصف قرن يقتاتون بقضية من السياسيين المتطلعين للزعامة والصدارة وهم يتنعمون بخيرات فنادق أمريكا، ولندن، وروما وكمبالا، ونيروبي.
الشارع السوداني لا يستسيغ مثل هذه العمليات الإجرامية التي تعتمد على النهب المسلح والتخريب العشوائي وترويع الأدميين من الشيوخ والنساء والأطفال.
سفك دماء الأبرياء لا يؤدي إلى تحقيق غايات سياسية، بل ربما يرتد الخنجر إلى عنق من يحملونه في ظل صراعات قبلية لاحدود لها مثلما حدث في الصومال وأفغانستان، فإشعال النار أمر سهل، ولكن إطفاءها أو الحد من انتشارها ليس يسيرًا.
ليس بمثل هذه الفتن تؤسس المشاريع السياسية والفكرية ولا بمثلها تنال المطالب وتدفع المظالم إن صح ما يزعمون من مطالب ومظالم.
هؤلاء الخارجون هم الذين -عن طريق ممارسة رذيلة النهب المسلح- أفشلوا امتحانات الشهادة الثانوية، حيث هاجموا الفريق الذي كان يحمل الامتحانات للمراكز، ظنًا منهم أن في الصناديق أمولًا، وعندما اكتشفوا أنها أوراق شهادة سودانية أرادوا الاستفادة منها فباعوها للطلاب في الأسواق، مما اضطر وزير التربية والتعليم الاتحادي وهو من أبناء الفاشر إلى إلغاء الامتحانات في كل أنحاء السودان وإعادتها في يونيو، مما كلف الخزينة أموالًا طائلة قدرت باثني عشر مليون دولار، وسبب إرهاقًا للطلاب.
غرب السودان صار من المناطق الملتهبة، وإفريقيا الوسطى بلا جيش، وسلاحها يباع على قارعة الطريق، ومن صالح القوى المعادية للإسلام أن تظل هذه الصراعات محتدمة، فهذه القوى، تريد -كما أفصحت صراحة- إبقاء الأزمات، وكل هذه الأحداث تصب في صالح المشروع اليهودي. والمشروع الأجنبي الذي يعمل لإعادة الاستعمار القديم إلى المنطقة.
إن دارفور رفضت في بدايات القرن العشرين الحكم الأجنبي والنفوذ الأجنبي، فبعد هزيمة الخليفة عبدالله التعايشي في أم درمان، خرج السلطان على دينار بجنوده إلى دارفور وأسس سلطنة الفور الإسلامية وربطها بالخلافة الإسلامية في تركيا، واستمر يقاوم بريطانيا ثمانية عشر عامًا، ولم تسقط سلطنته إلا في عام ١٩١٦م، أثناء الحرب العالمية الأولى.
ودارفور المفترى عليها عرفت تاريخيًا بأنها مسالمة، وأنها تلتف حول قيم الدين وتنتشر في أرجائها خلاوي القرآن، وهؤلاء الذين يريدون تشويه صورة هذه البلد هم بعض «الأفندية» الساعون للزعامة على أشلاء المغرر بهم.
هؤلاء صدقوا مقولة جارانج: إن الحكومة لا تسمع إلا من يحمل البندقية، وتلك المقولة التي روج لها ليصدقها البعض، ويحملوا السلاح ويهلكوا الحرث والنسل لبلوغ مآرب شخصية لا لخدمة الوطن.
تحالف على الحاج وخليل إبراهيم «كانا إسلاميين» وشريف الحرير «علماني متزوج من أجنبية»، ومحمد عبد الواحد «شيوعي»، وغيرهم، هذا التحالف يريد أن يجعل من دارفور الذي كل سكانه مسلمون ۱۰۰% جنوبًا آخر، لينزف الوطن إلى حد الموت أو الشلل والبتر.
مباحثات مشاكوس .. هل تحمل مفاجأة للسودانيين؟
بدأت في ضاحية مشاكوس بكينيا يوم 7 مايو المفاوضات شبه النهائية بين الحكومة السودانية وحركة التمرد الجنوبي حول أخطر قضيتين هما تقسيم السلطة والثروة، تحت رعاية مبادرة «الإيجاد» وجهود الوسيط الكيني الجنرال لازاراس سيمبويا.
وقد نهج الطرفان هذه المرة نهجًا جديدًا في التفاوض يقوم على التناول الكلي والمعالجة الشمولية للقضايا بدون الدخول في التفاصيل التي كانت تفشل معظم الجولات السابقة.
ووافق الطرفان على حسم القضايا العالقة التي تشكل أساسًا لتوقيع اتفاق السلام النهائي عبر التفاوض حولها بطريقة شاملة.
ووقعت الحكومة والحركة على اتفاق الاحتياجات الإنسانية خلال الفترة الانتقالية، وأرجع د. غازي صلاح الدين مستشار رئيس الجمهورية لشؤون السلام تحقيق نتائج ملموسة في هذه الجولة إلى الطرف الآخر بقوله: إن تحقيق نتائج في هذه الجولة يعتمد على كيفية إدارة التفاوض التي بدأت تأخذ منحى جديدًا وعلى مقدار التزام ورغبة الحركة الشعبية في التوصل إلى اتفاق سلام.
وتشهد هذه الجولة ضغوطًا أمريكية شديدة على الطرفين حتى يوقعا اتفاق سلام شامل ونهائي لأنها على حد تعبيرها لن تنتظر المفاوضات لتستمر هكذا بدون نتيجة إلى الأبد.
ويرى أكثر من مراقب أن الحكومة قدمت تنازلات عديدة، وينتظر أن تقدم الحركة تنازلات حتى يتوصل الطرفان إلى اتفاق سلام نهائي يوقف الحرب الممتدة لقرابة عشرين عامًا في جنوب السودان..