; المجتمع المدني بين الدولة ... و المجتمع | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع المدني بين الدولة ... و المجتمع

الكاتب ناوات محمد أمين

تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2001

مشاهدات 59

نشر في العدد 1459

نشر في الصفحة 40

السبت 14-يوليو-2001

الأسرة في الغرب لا تدخل ضمن مؤسسات المجتمع المدني؛ لأنها في عُرف الكنيسة لها حرية استئناف الحياة الزوجية ثم تسحب منها حرية الافتراق و الطلاق إذا تعقدت الأمور

للبحث عن المعنى الحقيقي لأي مفهوم من المفاهيم، لابد أن نبحث عن مدلولاته في «اللغة» و«الزمان» و«مكان» ظهور هذا المصطلح، مع دراسة التغيرات التي طرأت عليه عند تحويله من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي.

يُقسِّم «لامبارد» مراحل تطور المدينة في أوروبا إلى ثلاث مراحل: مرحلة المدينة قبل التطور الصناعي، ومرحلة المدن الصناعية، ومرحلة«ميتروبوليتان» وهي المدينة الكبيرة التي تضم مجموعة من المدن وتديرها وتسيطر عليها.

يقول جون نيف: «الاهتمام بتزيين المدن والشوارع، والاهتمام بالموسيقى، وتكوين النوادي الاجتماعية، أظهر لدى الناس نوعًا جديدًا من الحديث، والتعامل الراقي مع الآخرين في الحياة اليومية»، وقد تجلت في هذه المدن مفاهيم وقيم سامية، يقول فوستيل دي كولانج: «الدين كان هو السبب الرئيس في ظهور المدن اليونانية والرومانية في القرون الوسطى، وكان الدين بمثابة كل شيء للمدن يومذاك»

وفي عهد النهضة «ريناسانس» ظهر مفهوم civilization فتراجع الدين المسيحي والكنيسة معًا، وعلى أثر هذا التراجع اخترعت المدن لنفسها دينًا جديدًا، أو نظرية جديدة حلت محل الدين، وعندئذ طفح مفهوم «المدينة» وأقام مقام الدين، وإحدى معانيها البدائية كانت مضادة ونقيضة للدين، من هنا أستُعمل «المجتمع المدني» بدلاً من «المجتمع الديني»، و«التراث المدني» بدلاً من «التراث الديني»، وكانت هذه بداية ترسيخ البنية الفلسفية للمدينة في الفكر الغربي، ومن أهم ملامحه:

  1. إشعال فتيل الصراع مع كل قديم، والعصر الوسطي، والدين الكنسي.

  2. العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة.

  3. التحرر الكامل من سلطة الكنيسة وتوجيهاتها.

هذه الخلفية التاريخية كانت محصورة في أوروبا، ولم تكن موجودة في العوالم الأخرى. فالمدنية في أوروبا كانت وليدة المدينة، بخلاف الإسلام لأن «المدينة» وليدة المدنية، فالمدنية مظهر من مظاهر الوحي والتوجيهات الإسلامية بدءًا من الاجتماعات المأمورة بها «الجماعة، الجمعة، الحج» إلى الحث في تكوين مجموعات الحسبة والمنظمات الطوعية الإغاثية، والطلب للسكن في المدينة، وعدّ الرجوع إلى البداوة والتفرق من المعاصي والذنوب.

إن أوروبا بعد العصور الوسطى- وبعد إبعاد سلطة الكنيسة - حاولت أن تملأ هذا الفراغ بفلسفة «المدنية» فأدخلتها في إطار فكري وفلسفي، ولها في ذلك مبررات ومسوغات موضوعية وتاريخية وعقلانية، وللمدنية لها معانٍ كثيرة، وفي عالمنا لم تُعرف على حقيقتها بل شوهت من قبل مجموعة يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ومن معانيها:

  1. المدنية تأتي بمعنى «السلام» مقابل للعسكرتارية.

  2. المدنية تأتي بمعنى «التحضر» مقابل للبداوة.

  3. المدنية تأتي بمعنى «العلمانية» مقابل للدين.

  4. المدنية تأتي بمعنى «الحياد» مقابل للسياسي.

ولكن الذي لابد أن نشير إليه هو أنها لا تعني أيًّا من هذه المعاني السالفة الذكر، لأن المجتمع المدني له تعريف خاص يختلف عن هذه المعاني.

تعريف المجتمع المدني: هو مجموعة من المنظمات السياسية والاجتماعية والمهنية والجماهيرية التي تعمل بين «الدولة» و«المجتمع»، وتعمل لتحويل دقائق الأمور في المجتمع إلى الدولة بأسلوب سلمي، أما الدولة: فهي المؤسسات والدوائر التي تدير السلطة، والسلطة في أحسن حالاتها يختارها المجتمع بانتخاب حر لمدة معينة ومحدودة، فالمجتمع المدني يقع في المساحة التي بين «الدولة» و«المجتمع».

المجتمع المدني = المجتمع - الدولة «السلطة».

من هنا يتضح أن المقصود بالدولة هو السلطة التي تحكم، أما المجتمع المدني فهو مجموعة من المنظمات والمؤسسات التي تقع خارج دائرة الدولة، ومنفصلة عنها فتهيئ للأفراد مساحة ملائمة لممارسة نشاطاتهم، فتسارع لتفعيل التغيرات التي تحدث داخل المجتمع، كذلك لهم دور إيجابي في التقدم الاجتماعي والثقافي والسياسي بواسطة تنشيط دور أعضاء المجتمع وتنظيمهم في إطار المنظمات والمؤسسات الطوعية المستقلة برفع المستوى الثقافي، والتحرك السلمي السليم لتحقيق الأهداف والغايات.

أسس المجتمع المدني

1. الحرية والاستقلالية: يجب ألا تقع منظمات ومؤسسات المجتمع المدني تحت سيطرة السلطة، وتتحرر من التبعية لها، بل لابد أن تكون هذه المنظمات رائدة للمجتمع.

2. الرغبة والطوعية: بمعنى أن أفراد المجتمع الذين تجمعهم «مهنة» أو «هدف» ينظمون أنفسهم في إطار الرغبة والطوعية.

3. تعميم المؤسسات: لأن مؤسسات المجتمع المدني ملك لجميع أفراد المجتمع، ولا يحق حصرها على طائفة دون أخرى.

4. الصراع السلمي: أي أن منظمات ومؤسسات المجتمع المدني لابد أن يدار الصراع فيها، وتستخدم الأساليب السلمية في سبيل الوصول إلى الغايات، وتجتنب أساليب العنف والإرهاب.

5. المواطنة: شرط العضوية في مؤسسات المجتمع المدني تكون على أساس المواطنة، لأنه لابد أن تصب إيجابيات العمل والنشاطات في الصالح العام.

6. الدولة: وجود الدولة ضروري، لأنه دون وجود الدولة لا تبقى لمنظمات المجتمع المدني أي أهمية، فهذه المؤسسات والهيئات هي التي ترفع مطالب المجتمع للدولة.

الفرق بين الدولة و المجتمع المدني

1- الدولة تسعى وتجاهد في سبيل الإبقاء على المؤسسات كما هي، أما المجتمع المدني فيسعى لتغيير هذه المؤسسات إلى أحسن منها.

2- الدولة تهتم بتطبيق القوانين والدساتير بحذافيرها، أما المجتمع المدني فهمه الأساسي هو القيم العليا التي صدرت منها هذه القوانين.

3- للدولة سلطة إدارية على المجتمع، أما المجتمع المدني فله سلطة ثقافية.

4- الدولة هي صاحبة القرارات والإقدامات الرسمية، أما المجتمع المدني فهو صاحب الإقدامات الشعبية التي تنبع من قلب المجتمع. 

5- الدولة تتكون من مجموعة مؤسسات ذات مصالح متغيرة، أما المجتمع المدني فهو يتكون من مجموعة مؤسسات ذات مصالح موحدة

بين أوروبا والإسلام

1 - المدنية في أوروبا هي وليدة «متروبوليتان» و «المدينة». أما في الإسلام فالمدنية تنشئ المدينة. خلاصة القول إن مدنية الغرب نتاج المدينة، أما في الإسلام فالمدينة نتاج المدنية.

2 - المدنية في أوروبا ظهرت بعد صراع طويل مع الكنيسة، أما في الإسلام فهي جزء من الإسلام لا يتجزأ، والآية: ﴿ وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ (المؤمنون: 52) بينت المجتمع، وقوله تعالى: ﴿ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ ﴾ (النساء: 59)، و﴿ وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ (النساء: 58)، بينت الدولة، وجعل بينهما: ﴿ وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ﴾ (آل عمران: 104)، تشير إلى مؤسسات المجتمع المدني.

3 - لم يكن للمجتمع المدني وجود في عهد سلطة الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا، فظهر المجتمع المدني من رحم العلمانية التي ناهضت سلطة الكنيسة، أما في الإسلام فبخلاف ذلك لأن أسس المجتمع المدني النظري ثابتة في النص المعصوم، كما أشير إلى ذلك في النقطة الثانية، أما التطبيق فهو الانقياد والخضوع للإسلام والقيام «بالحسبة»، أي «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من اختصاص الولاة والقضاة». يقول عادل ظاهر، في كتابه «الإسلام والعلمانية»: «وكان يوجد قبل القرن الثامن عشر في المجتمع الإسلامي شيء اسمه المجتمع المدني له شريعته وقواده»، لأن الدولة في الإسلام سلطتها محدودة بخلاف الدولة «الثيوقراطية» الأوروبية في القرون الوسطى التي كانت لها سلطة وسيادة مطلقة، وهذا مما دفع المستشرق برنارد لويس إلى أن يقول في كتابه «اللغة السياسية في الإسلام»: «إنها فكرة أساسية في الذهنية الإسلامية، أن تكون الحكومة محدودة الصلاحيات، ومن حيث المبدأ والنظرية كان الحاكم المسلم مقيدًا، وله حدود أكثر من ملوك النصارى».

4 - الأسرة في الغرب لا تدخل ضمن مؤسسات المجتمع المدني، لأن الأسرة في عرف الكنيسة الكاثوليكية لها حرية استئناف الحياة الزوجية، وبعدها تسحب منها حرية الافتراق والطلاق، عندها تفقد شرط الحرية، فلا تعد ضمن مؤسسات المجتمع المدني، بل شنت عليها هجومًا ضاريًّا وعنيفًا بحيث تفتتت أركانها، أما في الإسلام فلم يُعرف الزواج الديني حسب العرف السائد في القرون الوسطى في أوروبا، بل إن الأسرة في الإسلام لها الحرية الكاملة والمطلقة بداية في تكوينها، ولها حرية الافتراق إن لم يستطيعا استمرار العيش معًا؛ لذلك فإن الإسلام يهتم بالأسرة ويعدها ركنًا قويًّا، وإحدى مؤسسات المجتمع المدني.

5 - الدولة الثيوقراطية في القرون الوسطى كانت نوعًا من تعذيب الكنيسة للإنسان، وتطبيق العقوبات الأخروية عليهم في الدنيا، لذلك لم تسمح بظهور المجتمع المدني بينها وبين الناس، أما في الإسلام فالدولة منحة ربانية: ﴿ ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَاةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَاٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ﴾ (الحج: 41)، فأعطى مؤسسات المجتمع المدني الضوء الأخضر لكي تصول وتجول داخل المجتمع لترسيخ الأخلاق الفاضلة، والحفاظ على القيم المعروفة السامية «لأمر بالمعروف» واجتذاذ وقلع القيم الغريبة الدخيلة المنكرة «النهي عن المنكر».

خلاصة الكلام أن الدولة الثيوقراطية الغربية أذاقت الناس عذاب جهنم والنار في الدنيا، أما الدولة الإسلامية فسعت لإسعاد الناس في الدنيا وتهيئتهم لسعادة الآخرة.

 

 الدولة الثيوقراطية الغربية كانت نوعًا من التعذيب للإنسان، أما الدولة الإسلامية فقد أعطت مؤسسات المجتمع المدني الضوء الأخضر لترسيخ القيم السامية واجتثاث القيم الغريبة الدخيلة.

 

«المدنية الإسلامية» و «المدنية الغربية» ... نقاط مشتركة

  1. المواطنة في الإسلام شرط في تنفيذ الأحكام  فالدولة، والقاضي، والحاكم، مستقلون، لذلك لأي فرد في الدولة الإسلامية - وإن كان غير مسلم - الحق في أن يشكو رئيس الدولة إلى القاضي، ويتحاكما معًا في المحكمة، لأن مصطلح الحكومة في الإسلام مغاير لمصطلح «الخصومة»، وحكم يأتي معاكسًا لخصم.

  2. مدة الحكم في الإسلام جاءت بصيغة «دولة» وهي مشتقة من «دالت» أي «دارت»، ودوران الحكم في الإسلام بين الناس سبب للترقي والتقدم بالمجتمع، وهذه الآية: ﴿ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 140)، خير شاهد على ما نقول، وتحديد مدة الحكم مرتبط بتطبيق العدل: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ آيَٰاتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰالِمُونَ ﴾ (القصص: 59)، بمعنى أية دولة وإن كانت كافرة إن طبقت «العدل» و«الإصلاح» فحكمها أن تبقى ولا تزول

  3.  الدولة الإسلامية تنقاد للشريعة، وهي مجموعة من الأسس والخطوط العريضة التي تساوي بين كل أفراد المجتمع، وأقرب معنى مشتق من معاني الشريعة هي «المساواة بين المواطنين أمام القانون». يقول الإمام الرازي: «الناس في هذا الأمر شرع» أي «سواء».

4-تغير اسم «يثرب» إلى «المدينة» يعني في ذاته المكان الذي يطبق فيه القانون. يقول الإمام الرازي: «إن الدين هو الجزاء والمكافأة والثواب والعقاب نتائج تطبيق الشرع والقانون، والنظرة السواسية لكل أفراد المجتمع، فالآية: ﴿ أَءِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ (الصافات: 53)، تعني أننا لمجزيون، من هنا فإن المدن في القرون الوسطى كان يديرها رجال الكنيسة، وكانت مكانًا لتطبيق الأحكام الأخروية على الناس، أما المدينة في الإسلام فكانت تطبق فيها الأحكام الدنيوية فقط، أما مسألة الثواب والعقاب فهي مؤجلة إلى يوم القيامة، والله وحده هو الذي يجازي ويعاقب.

5-للأفراد في المجتمع الإسلامي حق تكوين مؤسسات وهيئات للحفاظ على جنسية المجتمع ،للأمر بالتحلي بالقيم العالية السامية والحفاظ عليها، لأن القيم تنشأ من الأدنى إلى الأعلى، ولا تفرض على المجتمع من جهة علوية. يقول الإمام الغزالي في هذا الصدد:« الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو حق أحاد المسلمين بدون أمر من السلطان»، وهذا مؤداه أنه لا يحق للدولة التدخل في شؤون الأفراد الذين يقومون بالحفاظ على قيم المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الرابط المختصر :