العنوان الخلاف شر: والفرقة عذاب: عذاب: عذاب
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1978
مشاهدات 86
نشر في العدد 405
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 25-يوليو-1978
يروي أحد رجال الحركة الإسلامية «في مطلع الخمسينات، وفي حدة الصراع بين جماعة الإخوان والحكومات.. عندما كان الاستعمار لا يزال يجثو عسكريًّا على صدر هذه الأمة. في معظم الأقطار.. كنا في ذروة الحماس.. حماس الشباب.. فوجئنا بانفصال مجموعة من جماعة الإخوان.. وكان سبب انفصالهم
- أن حركة الإخوان مضى عليها عشرون عامًا ولم تستطع تأسيس الدولة المسلمة.
- وأن الإخوان لا يملكون سوى رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ولا يملكون المنهج الفكري المكتوب.. أو الفكر السياسي العميق.. وغيرها من الأسباب.
وبعد أيام سمعنا بانضمامهم إلى حزب ناشئ اسمه حزب التحرير الإسلامي.. ذلك الحزب القائم خصيصًا لإنشاء الحكومة المسلمة.. المستاء من أوضاع الحركة الإسلامية آنذاك.
مضت السنون.. سريعة.. سريعة جدًّا.. وبعد ثمانية وعشرين عامًا التقيت بأحد هؤلاء الإخوة.. الذين انفصلوا لتأسيس الدولة المسلمة.. وبعد السلام والتحية.. وتفريغ الأشواق.. والسؤال عن الأحوال.. دار النقاش حول العمل الإسلامي.. وشكا كل منا حال الحركة اليوم وحال الدعاة.. الفرقة.. والتشتت والنزاع وأخذنا الحديث إلى تلك الأيام.
- هل تذكر أسباب انفصالكم عن جماعة الإخوان؟
- نعم.. ولا أزال أقول: إن فكرهم السياسي ضحل سطحي.. ولم يجن ثماره..
- وكذلك أذكر أنكم انفصلتم لأنهم أمضوا- آنذاك-عشرين عامًا دون تكوين دولة مسلمة.
- صدقت.. وهذا سبب آخر.. وهو وجيه
- وانفصلتم أنتم لتصحيح هذا الخطأ.. وتكوين فكر سياسي عميق وتكوين الدولة.
- نعم
- وقضيتم ثمانية وعشرين عامًا لتأسيس هذه الدولة وما قامت.. بل كل إنجازاتكم انقسام الجماعة إلى جماعتين.. وتوجيه جزء من الجهد في الفرقة.. أخي.. إذا أردت.. إلخ..»
وذهب يحدثه عن آلام الفرقة وعذابها وعن نتائج الخلاف والنزاع.. وعن حصيلة الانشقاق والانقسام..
وابتلينا نحن منذ أمد بعيد.. بعيد جدًّا.. بآلام الفرقة والخلاف.. وما زلنا مفترقين مختلفين حتى سقطت الدولة المسلمة.. وما زلنا مفترقين مختلفين على الإسلام والإسلام يصفى من الحياة.. وينحى من الساحة..
اختلفت الأمة منذ القدم.. ولكنا كنا ظاهرين على عدونا.. نخفي خلافاتنا بيننا.. وسلطة الدولة تضع حدًّا لأي خلاف حتى لا يتسع إلى الفرقة.. واليوم.. عدونا ظاهر علينا.. ولا سلطة للإسلام.. بل إن طواغيت الأرض أحدثوا انقلابًا عامًّا على حكم الله في الأرض..
وما زال معارضو الانقلاب مختلفين بينهم.. بينما الطواغيت يتصيدون الفرص للقضاء على المعارضة..
- أي خلاف شر؟
الخلاف شر.. ولكنه الخلاف الذي يؤدي إلى الفرقة.. إلى التنازع والتشتت.. الخلاف في القضايا الكبرى.. لا الخلاف على الفروع.. ذلك الخلاف الذي وقع بين فئة على وبين الفئة الباغية.. وبين على وبين الفئة المارقة «الخوارج».. ثم ما تلتها من خلافات دامية.. هو نفسه الخلاف الذي تعانيه الحركة الإسلامية.. الخلاف الذي يقسم الحركة إلى جماعات وفرق..
أما الخلاف في الفروع.. فهو أمر لا بد منه.. طالما أن هناك تفاوتًا في القدرات.. ولقد اختلف الصحابة فيما بينهم في فهم النصوص والوحي وما زال. ولم ينقطع.. وكمثال على ذلك حديث ابن عمر «أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لما رجع من الأحزاب قال: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق.. فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها.. وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد ذلك منا.. فذكر للنبي- صلى الله عليه وسلم- فلم يعنف أحدًا» «١[1]»
وما زلنا نقرأ عن اختلاف الصحابة بالاجتهاد.. فهذا ابن عباس قيل له: إن عليا يقول: لا تؤكل ذبائح نصارى العرب لأنهم لم يتمسكوا من النصرانية إلا بشرب الخمر. فقال ابن عباس: تؤكل ذبائحهم لأن الله يقول ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: 51) «۲[2]» بل إن من أهل السنة من حبذ الخلاف في الفروع فمن حميد قال «قلت لعمر بن عبد العزيز: لو جمعت الناس على شيء.. فقال: ما يسرني أنهم لم يختلفوا.. قال: ثم كتب إلى الآفاق أو إلى الأمصار ليقض كل قوم بما اجتمع عليه فقهاؤهم» «[3]» وهذا عون بن عبد الله يقول «ما أحب أن أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا. فإنهم لو اجتمعوا على شيء فتركه رجل.. ترك السنة، ولو اختلفوا فأخذ رجل يقول أحد.. أخذ السنة» «[4]».
وعن مروان بن الحكم قال «قال لي عثمان بن عفان: إن عمر قال لي: إني قد رأيت في الجد رأيًا فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه.. قال عثمان: إن نتبع رأيك فإنه رشد.. وإن نتبع رأي الشيخ قبلك فنعم ذو الرأي كان.. قال: وكان أبو بكر يجعله أبًا» «[5]» فكما نرى أن الفروع قابلة للخلاف في الرأي.. طالما لم يرد نص من الله ورسوله قطعي الدلالة.. أما الشر.. والشر كله.. فالخلاف الذي يفرق المسلمين.. ويشتتهم.. ويضعف شوكتهم.. ويضيع هيبتهم أمام عدوهم.. خلاف الفرقة
- الفرقة.. عذاب..
هذا ما تؤكده النصوص.. وتحذر منه.. فالفرقة لم تكن لحظة من اللحظات موضع مدح في القرآن.. إلا في افتراق الإيمان من الكفر.. والحق من الباطل.. ولم تكن موضع ثناء في السنة أو في أقوال الصحابة والتابعين.. بل إن كثيرًا من الصحابة من أمسك عن رواية بعض الأحاديث خوفًا من أحداث الفرقة..
يقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(آل عمران: 104-105)
إنها آية موجهة للدعاة عمومًا على مر العصور. إلى تلك الفئة من الأمة التي شمرت عن ساعدها للدعوة.. وهي أمة واحدة فينا وليست مجموعة أمم.. يقول القاسمي في تفسيره «فالنهي متوجه إلى المتصدين للدعوة أصالة وإلى أعقابهم تبعًا، وفي قوله ﴿وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105) من التأكيد والمبالغة في وعيد المفترقين، والتشديد في تهديد المشبهين بهم ما لا يخفى». ويقول الرازي في قوله «اختلفوا» «أي بأن صار كل واحد منهم يدعي أنه على الحق وأن صاحبه على الباطل».
ويقول ابن تيميه: «وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب وجماع ذلك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- ثم ذكر الآية وقال- فمن الأمر بالمعروف الأمر بالائتلاف والاجتماع والنهي عن الاختلاف والفرقة».
ويقول الله تعالى ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام:65)
ألم أقل لكم: إن الفرقة عذاب؟ وربنا يهدد ويتوعد بأنواع العذاب الرهيب.. يقول جابر- رضي الله عنه: «لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك! ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: أعوذ بوجهك ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ﴾ (الأنعام:65) قال: هذا أهون، أو هذا أيسر» «[6]».
وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة وأعطانيها وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألت ربي أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» «[7]».. وفي هذا يقول الخفاجي «وأما عدم إجابته في بأسهم فبذنوب منهم، ولأنهم بعد تبليغه- صلى الله عليه وسلم-، ونصيحته لهم، لم يعملوا بقوله».
بل إن الله يبرئ رسوله من أهل الفرقة والتعدد بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: 159) «۱۰» والله يبين لنا في كتابه أن الفرقة والتعدد هي منكر من أفعال المشركين ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: 31-32).
- بذور الشيطان..
المراء والجدل يولدان الخلاف والشقاق.. والخلاف والشقاق يولدان الخصومة والعداء.. والخصومة والعداء يولدان الفرقة والتعدد.. نتائج يتلو بعضها بعضًا.. ومنحدر معلوم الهاوية..
لذلك توجهت النصوص الشريفة بحملة عنيفة على كل هذه المراحل.. على المراء من حديث أبي أمامة مرفوعًا «من ترك المراء وهو مبطل،بني له بيت في ربض الجنة، ومن تركه وهو محق، بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها» «[8]» ومن حديث أبي هريرة رفعه «المراء في القرآن كفر» «[9]» ومن حدیث ابن عباس رفعه «لا تمار أخاك، فإن المراء لا تفهم حكمته، ولا تؤمن غائلته» «[10]» وعن بكر بن نصر قال «إذا أراد الله بقوم شرًّا ألزمهم الجدال ومنعهم هم العمل» «[11]» ويقول يحيى بن كثير : قال سليمان بن داود عليه السلام لابنه «دع المراء فإن نعفه قليل، وهو يهيج العداوة بين الإخوان» «[12]» والخلاف نال جانبًا كبيرًا من هذه الجملة.. والفقرة السابقة بينت ذلك.. أما الخصومات وهي البداية الحقيقية للفرقة فيقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- من حديث عائشة «وإن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» «[13]». ويقول أبو الدرداء- رضي الله عنه- «لا تكون عالمًا حتى تكون متعلمًا، ولا تكون بالعلم عالمًا حتى تكون به عاملًا، وكفى بك إثمًا أن لا تزال مخاصمًا وكفى بك إثما أن لا تزال مماريًا، وكفى بك كاذبًا أن لا تزال محدثًا في غير ذات الله» «[14]» وعن العوام بن حوشب قال: إياكم والخصومات في الدين فإنها تحبط الأعمال. وعنه عن إبراهيم التيمي قوله «أغرينا بينهم العداوة والبغضاء» قال: الخصومات بالجدل في الدين» «[15]» وقال محمد بن علي «لا تجالسوا أصحاب الخصومات فإنهم يخوضون في آيات الله» «[16]». وقال معاوية بن عمرو «إياكم وهذه الخصومات فإنها تحبط الأعمال» «[17]»
.. واليوم في الدعوة.. نماذج شتى تبذر تلك البذور.. فهناك المماري الذي يتحدى في مرائه.. ويجادل ويناقش بلامبالاة.. وهناك المخاصم الذي يتصيد السقطات.. ويدعو للفرقة.. ويزين الخصومة.. ومنهم المخلص الذي يظن أن ما يفعله صواب.. ومنهم الكاذب الذي لا يتقي الله.. والخصومة تجعل المرء متقلبًا في آرائه.. متنقلًا من فئة إلى فئة.. ممزقًا من الداخل مضطربًا.. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة «أنه من تعبد بغير علم كان يفسد أكثر مما يصلح، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه، ومن جعل دينه فرضًا للخصومات أكثر التنقل».. ويقول أبو محمد الدرامي «كثر تنقله أي يتنقل من رأي إلى رأي» «[18]».
- ما هكذا أراد ابن مسعود
هناك قول يتداول لابن مسعود.. بين أولئك الذين يجهزون الفرقة والخلاف.. وهو قول عبد الله بن مسعود لعمرو بن ميمون «الجماعة ما وافق الحق.. وإن كنت وحدك» «[19]».
والحق ما عارض الباطل.. وهو خلاف الخطأ والصواب.. فالمسائل الاجتهادية قابلة للخطأ والصواب.. بينما الباطل واضح كوضوح الكفر البواح وعلى فرض صحة هذه الكلمة عن ابن مسعود. فإن عمل ابن مسعود يوضح معناها.. وابن مسعود كان يختلف بعض الأحيان مع غيره من الصحابة.. بل كثيرًا ما يكون الصواب معه.. فإذا كانت مسألة ينبني عليها فرقة الجماعة أخذ برأي الجماعة وتنازل عن رأيه.. وإذا كان لا يبنى عليها فرقة وتحتمل الخلاف عمل برأيه فهذا ابن مسعود «قيل له: صلى عثمان بمنى أربع ركعات.. فقال: صليت مع النبي- صلى الله عليه وسلم- بمنى ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر ركعتين.. ثم تفرقت بكم الطرق.. فيا ليت حظي، من أربع ركعات ركعتان متقلبتان» «[20]» ووافقه ابن عمر وكثير من الصحابة.. ولكن الخلاف في هذه المسألة خطير.. فهو يعنى أن يصلى الناس جماعتين في آن واحد وخلف أماميين.. وفي وقت الحج حيث يجتمع الناس جميعًا.. فما كان من ابن مسعود إلا أن قال «صلى أربعًا.. فقيل له عبت على عثمان ثم صليت أربعًا.. قال: الخلاف شر» «[21]» وهذا ابن عمر ينظر إلى الأمر من نفس الزاوية فكان- رضي الله عنه- «إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين» «[22]» وهذا ابن مسعود يحتج على عدم الأخذ بقراءته: «أخذت من في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان.. أبي نعيم وقال رواه الثوري و"إسرائيل" ابن إسحق.. وأنا أدع ما أخذت من في رسول الله- صلى الله عليه وسلم» «[23]» بالرغم أن ابن مسعود وردت في شأن قراءته أو حفظ القرآن آثار كثيرة.. كقول ابن عباس «أي القرائين تعدون أول؟ قالوا: قراءة عبد الله قال: لا.. بل هي الآخرة.. كان يعرض القرآن على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في كل عام مرة.. فلما كان العام الذي قبض فيه عرض عليه مرتين، فشهد عبد الله، فعلم ما نسخ وما بدل» «[24]» ومع ذلك لا يسع ابن مسعود إلا اتباع الجماعة لأنه أمر تتضرر منه الجماعة.
وهذا عثمان يتنازل عن رأيه أمام العامة في الحج.. وهو إمام المسلمين خوفًا أن يحدث خلافه شقاقًا «اجتمع عليٌّ وعثمان بعسفان.. فكان عثمان ينهي عن المتعة أو العمرة. فقال له على: ما تريد إلى أمر فعله النبي- صلى الله عليه وسلم-. ينهي الناس عنه.. فقال عثمان: دعنا عنك.. قال: إني لا أستطيع أن أدعك.. فلما رأى ذلك أهل بهما جميعًا» «[25]».. إن هناك مسائل تستدعي التنازل وإن كان المتنازل عن رأيه مصيبًا.. وهناك مواضيع لا يجوز الخلاف فيها وان كانت المسألة يسعها الخلاف.. هذا ما نفهمه من الجيل الأول.. وهذا ما فقهه الصحابة.. يروى عن النبي- صلى الله عليه وسلم- «من عمل الله في الجماعة فأصاب قبل الله فيه وإن أخطأ ففر له.. ومن عمل يبتغي الفرقة فأصاب لم يقبل الله منه وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار» «[26]»
.. وهذا على- رضي الله عنه- قال «اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الخلاف حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي» «[27]»..
وهذا ابن مسعود يوضح كلمته الأولى بقوله «الزموا هذه الطاعة والجماعة.. فإنه حبل الله الذي أمر به.. وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة»..
- أسباب خلاف الفرقة..
أسباب خلاف الفرقة كثيرة.. وهي غير الخلاف المشروع.. خلاف الفروع.. لأن أسباب خلاف الفروع غير أسباب خلاف الفرقة.. ونحن هنا استكمالًا لصورة الموضوع نسجل بعض تلك الأسباب..
١- غموض الموضوع:
فغالبًا ما يثار الخلاف حول المواضيع الغامضة.. مثل المتشابه في القرآن ومثل القضايا الفلسفية التي ليس في قدرة العقل البشري استيعابها.. بل إن العقل البشري لم يخلق للنظر فيها.. كقضية الجبر والاختيار التي دار حولها النقاش منذ أوائل التاريخ الفلسفي.. وقضية المشيئة الإلهية.. وكنه الذات الإلهية.. وغيرها من القضايا..
۲- الجهل بموضع النزاع..
وإذا عرف موضع النزاع تقلص الخلاف نوعًا ما.. ولكن غالبًا ما يضيع موضع النزاع.. فكما يقول الفيلسوف الجاهلي أرسطو «إذا عرف موضع النزاع.. بطل النزاع»
٣- اختلاف الأمزجة والرغبات وتعاون القدرات الذهنية والنفسية:
فالرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول «الأرواح جنود مجندة.. ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» «[28]» فتارة ترينا الرغبة الأشياء مليحة.. وتارة ترينا الأشياء قبیحة.. كذلك الإنسان العاطفي الشاعري يختلف في تقييمه للأمور عن العقل الرياضي أو العسكري.. فعن عامر قال «بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جيش ذات السلاسل فاستعمل أبا عبيده على المهاجرين واستعمل عمرو بن العاص على الأعراب وقال لهما: أن تطاوعا.. وقال وكانوا أمروا أن يغيروا علي بكر فانطلق عمرو وأغار على قضاعة لأن بكرًا أخواله.. قال: فانطلق المغيرة بن شعبه إلى أبي عبيدة فقال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم: استعملك علينا.. وإن ابن فلان قد اتبع أمر القوم فليس لك معه أمر.. فقال أبو عبيده: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمرنا أن نتطاوع فأنا أطيع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وإن عصاه عمرو» «[29]» فطبيعة أبي عبيدة الهادئة الورعة التقية قدرت الموقف تقديرًا حكيمًا.. بينما طبيعة المغيرة الرجل الداهية الذي يرفض الخطأ قدر الموقف تقديرًا لو تم لأدى إلى خلاف.. ومن نفس الرواية نرى أن هذا الخلاف نشأ من اختلاف الرغبات النفسية كما يحلل المغيرة لنا الموقف.. ولولا رزانة أبي عبيدة واتزانه لحدثت فرقة بين الجيشين..
٤- اختلاف الأقيسة الفكرية:
كخلاف أهل السنة والجماعة مع الشيعة والخوارج.. فأقيسة أهل السنة تعتمد على الكتاب والسنة التي جاءت من كل الصحابة.. وأقيسة الشيعة تعتمد على الكتاب وما جاء من أقوال العطرة وآل البيت.
وكخلاف علماء الكلام والفقهاء.. فالفقهاء يعتمدون على الكتب والسنة.. وعلماء الكلام ينطلقون وراء الأقيسة العقلية المجردة..
٥- التعصب والتقليد:
مع مرور الزمن تكتسب كثير من الأفكار قداسة معينة تسطير على القلوب وتدفع كثيرًا من الناس إلى وضع الحجج والبراهين لبيان حسن هذه الأفكار وقبح غيرها.. ينشأ عن هذا خلاف وجدل ومراء لأن كل شخص يناقش وهو مقيد بقيود التعصب من حيث لا يشعر.. وكلما ازداد التعصب. كلما ازداد الخلاف.. ومثال على ذلك التعصب المذهبي الذي أدى إلى أن لا يصلي المذهبيون وراء بعضهم كما حصل في العصور المتأخرة.. فتجد في بعض المساجد الكبرى محراب لكل مذهب..
وكالتعصب الحركي الذي تعاني منه الدعوة اليوم.. كل جماعة تعتبر سواها على باطل..
ب- حب الرئاسة والسلطان:
وخاصة في المناهج السياسية.. في الرئاسة والسلطان تدفع المرء أن يضخم الخلاف.. ويهون من أمر- الفرقة ليبرز خروجه على السلطان.. وأبرز مثال هو خلاف الفئة الباغية مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-.. وكذلك فقدان الرئاسة والسلطان.. فقد يكون للمرء مركز وسلطان فإذا ما حدث طارئ فقد السلطان، فيبدأ بالخلاف وتضخيمه.. ثم الفرقة.. فهذا عبد الله بن أبي رأس النفاق.. كان ذا سلطان وجاه.. وفقد هذا بقدوم الرسول- صلى الله عليه وسلم.. فحاول محاولات شتى لإحداث الخلاف والفرقة والانقسام، ولكنه فشل.. وكالمنشقين على المرشد حسن الهضيبي- رحمه الله- في عام 1٩٥٤ فقد كانوا مرشحين لمنصب الإرشاد..
فلما فقدوه بقدوم حسن الهضيبي قاموا بمحاولة شق الصف وفشلوا.
- ملاحظات وردود:
ولنا ملاحظة على ما كتبه شيخنا الفاضل عبد الرحمن عبد الخالق في. كتابه «الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي» فهو يقرر أن:
«القول بحرمة تعدد جماعات الدعوة في المجتمع الواحد أو البلد الذي تحده حدود سياسية واحدة قول متعجل.. وكذلك القول بالجواز مطلقًا تنقصه الرؤية الواضحة لأحوال الدعوات ومشاكلها».
لكن إذا تعددت مصالح الأمة التي أهملها كثير من الحكام كبناء المساجد وتربية النشء على أساس الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودفع شبه الضالين، وتنقية عقائد المسلمين فقامت لكل مصلحة من هذه المصالح وواجب من هذه الواجبات جماعة تفرغ جهدها فيها؛ فهل يقال هنا بحرمة التعدد؟؟ كلا إن التعدد هنا واجب؛ حيث إنه يجب سد هذه الثغرات جميعًا والقيام بهذه الواجبات جميعًا.
فمع حبي وتقديري لشيخنا الفاضل.. إلا أنني ما أراه أصاب في هذه المسألة وذلك.. لأن الله سبحانه عندما خاطبنا» ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ﴾ (آل عمران: 104)، وهي تحوي جميع المصالح الآنف ذكرها.. لم يقل لنا ولتكن منكم أمم.. بل أمة واحدة.. أي فئة واحدة لجميع أعمال الخير.. وواضح جدًّا أن هذه الآية خاصة بالمسلمين والمجتمع المسلم. وذلكم من قوله سبحانه ﴿مِّنكُمْ﴾.. وتتضمن الآية من ضمن ما تتضمنه وحدة العمل الجماعي بدليل التوضيح التام في الآية التي تليها ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا..﴾ (آل عمران: 105).. والآية تضمنت التأكيد والمبالغة في وعيد المفترقين.
- هذا على اعتبار أننا في مجتمع مسلم.. وفي دار تحكم بالإسلام.. أما وديارنا لا تحكم بالإسلام.. وأما وإن هناك انقلابًا شاملًا على حكم الله في الأرض.. أما وأننا نواجه طواغيت الأرض وندافع عن حقوق الله المنتهكة.. أما وأننا في حالة كهذه.. فالأمر يستوجب الوحدة.. فإننا دعاة الإسلام نواجه الدنيا بأكملها.. فالأمر أكبر من مجموعة مصالح.. وإن كانت تلك المصالح من دعوتنا.. والأمر أكبر من أمر بمعروف ونهي عن منكر.. وإن كانت هذه صفة لازمة لنا إلى يوم تقوم الساعة- إن شاء الله.. فعلى ذلك المصلحة الشرعية تحتم أن نتحد.. بل تحتم ألا نتسامح في الفرقة.
- والمصلحة الشرعية لها ضوابط وهي:
١- اندراجها في مقاصد الشريعة ومن أهم مقاصد الشريعة حفظ الدين وشرع الله لحفظه- من حيث درء الفساد الواقع أو المتوقع- الدعوة وعقوبة الداعي إلى البدع والجهاد. ووحدة الصفوف أهم أوامر الله- في الدعوة والجهاد ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف:4).
٢- عدم معارضتها للكتاب.. وكما بينا أن الكتاب بنصوصه يدعو دومًا إلى وحدة صفوف الداعين إلى الله وآية ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ﴾ (آل عمران: 104) خير دليل.. بل إن التعدد يصطدم مباشرة مع نصوص القرآن التي تعيب على أهل الجاهلية الفرقة والتعدد أوليس الله يأمرنا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ﴾ (آل عمران: 103) أوليس هذه الآية هي التي تسبق مباشرة آية ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ (آل عمران: 104)
٢- عدم معارضتها للسنة.. والسنة بمجموعها تبث نفس الروح التي يبثها القرآن.. وهي الوحدة وخير دليل مجموعة النصوص المتناثرة في المقال
٤- عدم معارضتها للقياس أو ليس جماعة الأمة.. الأمة المسلمة.. أصلًا تقيس عليه.. فالأضرار التي تصيب الأمة المسلمة من جراء الفرقة هي نفسها التي نعانيها الآن نحن من جراء الفرقة.
٥- عدم تفويتها مصلحة أهم منها أو مساوية لها.. أوليس التعدد فوت علينا التآخي والتعاضد والتعاون، أوليس الذي نراه اليوم من أهم الجماعات انصرف إلى هدم بعضهم البعض وأنهم ينفقون من أوقاتهم وأعمالهم في هذا الهدم أكثر مما ينفقون في البناء.. وهل هناك تجربة غير هذه.. أوليس واقع التعصب في المذاهب الفقهية وتعددها هو نفس الواقع هذا.. هل تخبرنا تجربة أن الفرقة غير هذه النتائج.. أن المصلحة الشرعية تصطدم هنا مع جميع ضوابطها..
- ثم ما الذي يمنع من أن تكون هناك جماعة واحدة للدعاة- منتشرة في جميع أقطار الدنيا بتنظيم دقيق.. منتشرة في المجتمع لها مجموعات مختصة بجميع المصالح التي ذكرها الشيخ عبد الرحمن.. أوليس يكون الأمر محكمًا.. والصورة أكثر تنسيقًا لما نفترض أن عملية التخصص توجب علينا التعدد.
- ما رأي السلف في هذا الأمر فأنقله عن المجدد الثاني للدعوة السلفية الشيخ محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله- يقول «من أعجب العجائب وأكبر الآيات الدالات على قدرة الملك الغلاب ستة أصول بينها الله تعالى- ثم يذكرها ويجعل الأصل الثاني- أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق فيه فبين الله هذا بيانًا شافيًا كافيًا تفهمه العوام ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا قبلنا فهلكوا واذكر أنه أمر المرسلين بالاجتماع في الدين ونهاهم عن التفرق فيه.. ويزيده وضوحًا ما وردت به السنة من العجب العجاب في ذلك»..
ويقول في موضع آخر: «اختلفوا في الجماعة والفرقة فذهب الصحابة ومن تبعهم إلى وجوب الجماعة وتحريم الفرقة ما دام التوحيد والإسلام.. لأنه لا إسلام إلا بجماعة.. وذهب الخوارج والمعتزلة إلى الفرقة وإنكار الجماعة فحكم الكتاب بقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾..
- وهناك بعض الأخوة ممن يجوز الفرقة لأنها أمر واقع لا محالة.. وليعذرني هؤلاء أن أقول لهم: إن كان الواقع منكرًا فلا يجوز لنا أن نجوزه، بل إن مراتب التغيير ثلاثة: اليد، واللسان، والقلب وذلك من حديث أبي سعيد رفعه «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» «[30]» فالفرقة منكر في الكتاب والسنة.. وضعف الإيمان أن نغيره بقلوبنا.. لا نفتي بجوازه.. وسياسة الاستسلام للأمر الواقع ليست من شيم أولئك الإخوة.. إنها من شيم المنهزمين الذين قالوا بأن "إسرائيل" أمر واقع فلا بد من الاعتراف به.. إن هذا الواقع يجب أن ننكره بأحاديثنا وقلوبنا ونغير فيه ما استطعنا.. والله أعلم.
ولولا خوف الإطالة لأحطنا بالموضوع من جوانب أخرى.. ولكن في هذا القدر كفاية.. وليبق في أذهاننا أن الخلاف شر.. والفرقة عذاب.. عذاب.. عذاب..
کلمة
قال الحسن: أصول الشر ثلاثة وفروعه ستة: فالأصول الثلاثة: الحسد والحرص، وحب الدنيا. والفروع الستة: حب النوم، وحب الشبع، وحب الراحة وحب الرئاسة، وحب الثناء، وحب الصخر.
[1] - الشيخان
[2] - ذكره ابن عبد البرقي «جامع بيان العلم»-
[3] - الدارمي في سننه وإسناده صحيح
[4] - الدارمي في سننه وعون تابعي ثقة-
[5] - الدارمي في سننه وإسناده صحیح
[6] - البخاري
[7] - مسلم
[8] - رواه أبو داود الترمذي وقال: حسن ورواه البيهقي ورواه أبو رعه الدمشقي وأبو حاتم وإسناده عند أبي داود صحيح
[9]- رواه أبو داود وابن حيان في صحيحه وأورده ابن عبد البر في «جامع بيان» وقال: لا يصح عن النبي- صلى الله عليه وسلم- فيه غير هذا بوجه من الوجوه-
[10] - أورده رزين في «تجريد الصحاح»-
[11] - ابن عبد البر في «جامع بيان»-
[12] - الدارمي في سننه ويحيى بن أبي كثير من كبار تابع التابعين رأي أنسًا- رضي الله عنه- ولم يسمع
[13] - الشيخان والنسائي والترمذي
[14] - الدارمي في سننه ورواته ثقات إلا أن سليمان بن موسى لم يلق أبا الورداء وقال عنه البخاري: عنده مناكير
[15] - ابن عبد البر في «جامع بيان» والعوام تابع تابعي ثقة
[16] - الدارمي- في سننه ومحمد بن علي هو حفيد ابن عباس والسند رجاله ثقات
[17] - ابن عبد البر في «جامع بيان»-
[18] - في سنته
[19] - من كتاب «الحديقة» لمحب الدين الخطيب
[20] - الشيخان- وأبو داود النسائي
[21] - من رواية أبي داود
[22] - الشيخان والنسائي
[23] - أبو نعيم في الحلية وقال رواه الثوري و"إسرائيل" عند ابن إسحاق
[24] - رواه أحمد بإسناد صحيح كما قال أحمد شاكر
[25] - الشيخان
[26] - الطبراني في الكبير والبزار بسند فيه مقال
[27] - البخاري
[28] - الشيخان وأبي داود وأحمد
[29] - ٣٥- رواه أحمد وقال الهكلمي: مرسل ورجاله رجال الصحيح
[30] - مسلم وأصحاب السنن