العنوان ملامح سلبية لخطاب مؤيدي الاختلاط «١ من ٢»
الكاتب محمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1996
مشاهدات 88
نشر في العدد 1206
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 02-يوليو-1996
حسب ما نشرته جريدة «الوطن» الكويتية يوم الخميس 1996/٦/27م فإن السفير الأمريكي للولايات المتحدة «إيان كروكر» قد قابل الدكتورة رشا الصباح –وكيلة التعليم العالي– ومما ناقشه السفير مع الدكتورة «رشا» قانون منع الاختلاط في جامعة الكويت لا أعرف بالضبط تفاصيل الحوار الذي دار بين السفير والدكتورة إلا أن ذلك يوضح بجلاء أهمية قضية الاختلاط وتفاعلها وتأثيرها داخل المجتمع الكويتي، وانعكاس ذلك على مستوى الاهتمام الخارجي باهتمام سفير الولايات المتحدة بالموضوع، ولا أعلم هل ستواجه حكومة الكويت ضغوطًا خارجية بشأن قضية داخلية اجتماعية، وقضية تاريخية خاصة بالمجتمع الكويتي، حيث اتهم الإسلاميون التيارات المؤيدة للاختلاط بالاستقواء بالأجنبي، لمحاربة قرار المجتمع الكويتي الرافض للاختلاط بين الجنسين في الجامعة.
والمعركة السياسية والإعلامية التي استخدم فيها المؤيدون والمعارضون جميعًا وسائلها الشرعية المتاحة قد أسفرت بجلاء عن ملامح خاطئة لدى مؤيدي الاختلاط وسأبرز بعض ملامح الخطاب الاجتماعي الذي سيطر على مؤيدي الاختلاط.
أولًا: الانقلاب على الديمقراطية:
بالرغم من أن قانون منع الاختلاط في الجامعة، قد تم بطريقة قانونية ودستورية وفق القنوات الشرعية لمجلس الأمة إلا أن مؤيدي الاختلاط وبصورة انفعالية انقلبوا على الديمقراطية بمهاجمة مجلس الأمة، وطلب حله، وعدم التشرف بالانتماء إلى تجربته التاريخية، واتهامه بشتى الاتهامات واعتبروا أنه بصدور هذا القانون أصبح المجلس يمثل ديمقراطية الفوضى، ولقد كان سيل المحاضرات والندوات والبيانات والمقالات التي سادت الأسابيع الماضية تتضافر في خطابها لتوجيه الشعب الكويتي للانقضاض على الحق الدستوري للنواب والإساءة المعنوية لهم.
ثانيًا: التيار التنويري والتيار الظلامي:
اتهم «مؤيدو الاختلاط» خصومهم بالظلامية والرجعية، واعتبروا أن «معارضي الاختلاط» هم «أهل الظلام» وبترفع بالغ أصبح التيار المؤيد للاختلاط هو التيار التنويري الذي يملك العقل الراجح والآخرون المعارضون لهم ذوو «اختلاط عقلي» ودعوا إلى أن تعلو أصوات «أصحاب التنوير» على أصوات «أهل الظلام» وهذه «التنويرية» الساطعة بكل ما فيها من انفعال لم تستطع أن تكشف «لمؤيدي الاختلاط» حقيقة وضعهم الشعبي، فاستعانوا بالمصطلحات الرامية لتصعيد رمزيتهم الفوقية على الشعب الكويتي وطبقاته المختلفة المتعلمة والمثقفة منها وغير المتعلمة، وهذا التيار التنويري أظهر للناس بأنه لا يملك الحق والمنطق بشكل فعال، واستعاض عنها بشعارات «التنوير» و«العقلانية» و«الحضارة» وغيرها.
ثالثًا: «قاموس التنويريين»:
خطاب «التنويريين» من «مؤيدي الاختلاط» كان انفعاليًا وبصورة غير طبيعية وكان من ذلك أن امتلأ هذا الخطاب بقاموس من الألفاظ التي لا تقبل عقلًا ولا شرعًا ولا منطقًا، ولا تنويرًا، حيث يفترض أن تسود ألفاظ المدنية والتحضر هذا الخطاب، إلا أن الخطاب امتلأ بكثير من السباب والشتائم.
ومن ألفاظ هذا القاموس «سهام الإرهاب الفكري»، «أصحاب موروثات الجهل والتخلف والانحطاط الفكري» «التخلف والردة الحضارية» «تيارات التستر بالدين» «المتاجرة السياسية»، «أعداء الإنسانية» يخرقون الأخلاق ويأتون المنكرات والمحرمات والموبقات كبيرها قبل صغيرها» «أهل الرغبات المحرمة المتأسلمون السياسيون» «النواب الخلاطين» «أهل الظلام المشروع الإرهابي» «المشروع سيئ الذكر» «مجلس الأمة الانفصالي»، «اللجنة التجهيلية» «المجلس الاختلاطي وسقوط التعاطي» «الاختلاط العقلي» «الإسلام الأعور»، «فساد عقل أهل التيار الديني»، «طوفان التخلف»..... وطبعًا هناك ألفاظ في القاموس لن نذكرها حرصًا على ذوق القارئ.
رابعًا: خلط الأوراق والقضايا:
وفي خضم احتدام خطاب التيار «المؤيد للاختلاط» وانفعاله بدا واضحًا تعمد خلط الأوراق بين قضية محددة في الفصل بين الجنسين في الجامعة، وبين قضية المرأة وحقها الاجتماعي عمومًا، وأصبحت هذه القضية «الفرع»، تتحكم وبشكل متعمد –كما ورد في خطابهم– في جميع أوضاع المرأة، حيث اتهم مؤيدو الاختلاط خصومهم بمحاربة تعليم المرأة، وإيجاد مجتمع رجالي وآخر نسائي في الكويت، وقفزوا ليتكلموا عن الدولة الدينية وغاية أحزاب التأسلم السياسي منها، وانتقلوا منها لاتهام «معارضي الاختلاط» بالسيطرة على المرأة واستخدامها فقط للمتاع وتطرف بعضهم ليضع كل ذلك متراسًا للوقوف ضد المشروع بل إن المسألة تعدت ذلك إلى القول بأنها مؤامرة صهيونية لإلهاء الجماهير عن المشاكل الحقيقية وغيرها.
وهذا الخلط المتعمد للأوراق الهدف منه ضياع المشروع الذي قدمه أعضاء مجلس الأمة بشأن الفصل بين الجنسين في جامعة الكويت والاستنجاد بقضايا خلافية، مازال الحوار يدور حولها، وقضايا لم يتطرق لها «معارضو الاختلاط» أصلًا في مشروعهم، بل إنهم يؤكدون على حقوق المرأة في التعليم والعمل وغيرها لنجد أن خلط الأوراق يدل على أن «مؤيدي الاختلاط» قد تاهوا في علاج القضية بشكل منطقي وتداولوا في خطابهم الأسباب المقنعة لمعارضتهم، وبشكل عام كان خطاب مؤيدي الاختلاط استفزازيًا لكثير من القضايا الخاصة بالمرأة، وكان القصد هو حشد المرأة وموقفها العام مع المعارضة.
خامسًا: الحيد عن العلمية والموضوعية:
بالرغم من أن جزءًا من خطاب «مؤيدي الاختلاط» قد استعان ببعض الحجج المنطقية والعلمية، إلا أن غالب خطابهم كان بعيدًا عن تلك العلمية والموضوعية، ومع أن الكثير من المؤيدين للاختلاط يملكون شهادات علمية تؤهلهم للاستعانة بالمقررات والأسس الموضوعية والعلمية لمناقشة قضية اجتماعية إلا أنهم صرفوا النظر عنها لأن في نهاية الأمر ستكون تلك العلمية والموضوعية تؤدي بهم إلى الإقرار بأن قانون الفصل بين الجنسين، لن يحرم الطالبة الجامعية من التعلم والدراسة، بل سيحد من أخطار اجتماعية مدركة وقد يكون مختلف الدراسات الاجتماعية والعملية والدراسات الواقعية داخل الكويت وفي الدول الغربية قد تعطي مؤشرات علمية مفادها أن الدراسة المختلطة لها نتائج سلبية.
سادسًا: الخروج عن نظام المؤسسات المدنية وعدم الاحتكام لها:
ساد خطاب «مؤيدي الاختلاط» حالة من الفزع والجنوح عن الاحتكام للمؤسسات المدنية، والتي طالما أدانوا خصومهم بالحيد عنها، واتهم الخطاب جميع هذه المؤسسات إما بالرجعية والتخلف أو بالتبعية أو حتى بعدم الشرعية «ديمقراطية الفوضى» أو «بالسذاجة الجاهلية» فقضية منع الاختلاط مرتبطة اجتماعيًا وتشريعيًا وقانونيًا بعدة جهات أما الجانب الشرعي فإن لجنة الفتوى وهي مؤسسة تابعة للحكومة، قد عارضت الاختلاط الحالي في جامعة الكويت وأصدرت فتوى رسمية بذلك، وأما لجنة علماء الكويت، والذين يشكلون ثقلًا هامًا في اللجنة العليا لاستكمال تهيئة الأجواء لتطبيق الشريعة الإسلامية، فقد أصدرت بيانًا أكدت فيه على عدم شرعية الاختلاط الحاصل في جامعة الكويت، وأما الجانب القانوني والدستوري فإن اللجنة التشريعية والتعليمية ومجلس الأمة قد ناقشوا المشروع، وتم إقراره ورفعه للحكومة وأما ما يخص الجانب الاجتماعي –وهو موقف الطلبة في الجامعة– فهو حاسم، حيث عبر الطلبة عبر اتحادهم القانوني وكلياتهم ومؤتمراتهم عن رفض الاختلاط وأما شعبيًا فإن غالبية جمعيات النفع العام والشعب الكويتي يعارضون الاختلاط ومع هذا أصر خطاب مؤيدي الاختلاط على رفض الاحتكام لجميع هذه المؤسسات، وهم طالما طالبوا بالتقيد بقرارات مؤسسات المجتمع.
سابعًا: التحريض الداخلي والخارجي على القرار الشعبي الكويتي:
في خطاب المؤيدين للاختلاط لم يتورع أصحابه عن تحريض السلطة التنفيذية على التيار الشعبي الإسلامي، واعتبروا هذا المكتسب الشعبي الدستوري والذي تم بطريقة دستورية وقانونية استلابًا للسلطات التنفيذية، وحذروا من عاقبة المستقبل، واتهموا بشكل عدواني بأن التيار الديني سيستخدم العنف، وأن التيار الليبرالي لم يستخدم العنف بتاتًا، وأرهبوا السلطات التنفيذية بأن هذا القرار سيؤدي إلى تحكم مجموعة سياسية بالدولة، ومن قضية تعليمية اجتماعية محدودة انتقلوا ليرهبوا السلطات بأن ذلك طريق لتعديل «المادة الرابعة» من الدستور والخاصة بنظام توارث الإمارة في الكويت، وكل العجب في الخطاب أيضًا أن قاموا بنشر تحريض ساخر من أن «مجلس قيادة الثورة المكون من (۱۱) عالمًا كويتيًا يستولي على السلطات الدستورية العليا ويصدر بيانًا رقم واحد».
هذا الخطاب الاستفزازي للسلطة يؤكد بأن أخلاقيات العمل السياسي قد انتهكت من قبل التيار المؤيد للاختلاط ولم يعد يملك أوراقًا موضوعية أو علمية.
من جانب آخر سعت أطراف مؤيدة للاختلاط للتحريض الأجنبي على القرار الشعبي، حيث استخدمت معارضة المدارس الأجنبية للتواصل بجهود السفارات الأجنبية للضغط، وكان صوت هذا التدخل الأجنبي من خلال البيانات والنشرات التي أصدرت هذا القانون آخرها زيارة سفير الولايات المتحدة «كروكر» التي صدَّرت بها هذا المقال، وتعتبر هذه سابقة خطيرة في العمل السياسي الكويتي من خلال التوسل بضغوط أجنبية على الحكومة الكويتية لرد القانون إلى مجلس الأمة.
ثامنًا: إسقاط نفسي لقضية صراع تاريخي:
الخطاب كذلك لا يخلو من روح الخصومة في الصراع فالمعركة بين المؤيدين والمعارضين للاختلاط ليست بجديدة، فهي قديمة منذ أن تجاوز مؤيدو الاختلاط القانون والعرف الاجتماعي عند بدء الدراسة في جامعة الكويت عام ١٩٦٦م وعلى شكل مراحل متدرجة، ثم فرض الاختلاط القسري، حيث تفجر هذا الصراع عام ۱۹۷۱ في معركة الاختلاط التي سادت الجامعة في رمضان المبارك.
ثم استأنفت الإدارات المتعاقبة فرض هذا النظام بدءًا بتطبيق نظام المقررات عام ۱۹۷۳م وإلى اليوم.
ولاشك أن روح الصراع التاريخية هيمنت على خطاب مؤيدي الاختلاط مما أربك خططهم المتنامية لفرض الاختلاط كواقع تستلب فيه حقوق أغلبية الشعب الكويتي، والمشكلة أن الخطاب أتى لكي يناصر هذا الاستلاب دونما النظر إلى جذور تاريخ القضية، ودونما اعتبار للحقيقة القانونية في المسألة حيث إن المجتمع الكويتي عارض هذا الواقع منذ نشأته.. وللحديث صلة في العدد القادم إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل