العنوان حرية الرأي عامل من عوامل الوحدة الفكرية
الكاتب الطيب ابو عزة
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996
مشاهدات 71
نشر في العدد 1201
نشر في الصفحة 59
الثلاثاء 28-مايو-1996
قد يبدو هذا العنوان حاملًا لمفارقة ونقائض لا ائتلاف بينها، ذلك لأن الحرية في إبداء الرأي تفيد الانطلاق والتعدد في حصيلة الاجتهاد المعرفي وما ينتج عنه من اختلاف في وجهات النظر، أما الوحدة الفكرية فهي اجتماع وتوحد، وتنميط للوعي لا تعدد معه ولا اختلاف.
ولكن الأمر إن بدا من وجهة النظر السطحية وعند التأمل البدني الأولي، فإنه يبدو على نحو آخر عند الدرس والبحث العميق، وفي هذا السياق جاءت محاولة الدكتور عبد المجيد النجار في كتابه المعنون: دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين "ط1 المعهد العالمي للفكر الإسلامي - الولايات المتحدة الأمريكية ١٩٩٢م".
من الناحية المبدئية إن كل رأي يبديه المسلم يمس ولا بد جانبًا من جوانب التدين، لأن الدين الإسلامي ذو شمولية مستوعبة لمختلف جوانب الحياة، ومن ثم لابد للاجتهاد الفكري البشري أن يلتقي مع الدين ويتقاطع مع خطوطه وتوجيهاته ولذا خوفًا من أن يؤدي الاختلاف في الرأي إلى اختلاف في التدين: نشأ في تاريخ الأمة الإسلامية- يقول الدكتور النجار- منزع إلى حل هذه المعادلة على حساب طرفها الأول، فضيق من حرية الرأي تضييقًا شديدًا إلى ما يقارب الإلغاء في سبيل أن تسلم وحدة الأمة وتسلم وحدة الدين (ص٢٤)، وقد شاع هذا المنزع والاتجاه إلى تقييد حرية التفكير بعد الصدر الأول من تاريخ الإسلام فظهرت: الصوفية القائمة على الكبت الفكري للمريدين والاستبداد السياسي القائم في طبيعته على كبت الصوت المخالف (ص٢٤).
لكن عند مقارنة هذا التوجه بالتأصيل الشرعي لحرية التفكير، نلاحظ بأن الخوف من هذه الحرية هو تطور مرضي، "كما يقول النجار" تطور جاء لاحقًا بعد قيام دول الملك العضوض والاستبداد ولذا أخطأت بعض التوجهات الفكرية التراثية التي سارت في اتجاه تضييق حرية الرأي بدل أن تؤكد شرعيتها، وتحدد شروطها الضامنة لثمارها الإيجابية.
إن أساس الوحدة الفكرية هو اشتراك الأمة في تصور عقدي يفسر لها الكون والحياة والمصير، وانطلاقًا من هذا التصور ينبثق للامة منهج في النظر العقلي "منهج التفكير" موحد تصدر عنه، ومن ثم تتفق أحاد وجماعات الأمة في التفكير داخل إطار عام موحد، وللبرهنة على تأثير العقيدة في منهج التفكير قارن فيلسوف الإسلام محمد إقبال بين مفهوم الإله في الفكر اليوناني مع منهجهم التجريدي، فخلص إلى أن تصورهم للإله بكونه منعزلًا عن العالم المحسوس ولا يعلم الجزئيات أثر في منهج التفكير اليوناني حتى جعل يستهجن الملاحظة الحسية، ومعاينة الواقع المادية المتغير وينزع إلى التجريد والبحث في ما وراء العالم الحسي.
وانطلاقًا من التصور العقدي الإسلامي يستخلص د. عبد المجيد النجار قواعد منهجية تميز طريقة التفكير الإسلامي، وهي:
1- شمولية النظر: ضد الرؤية الجزئية المؤدية إلى الاختلاف والتوزع والتنازع.
2- المؤالفة والتوحيد: وهي خصيصة مركزية تميز العقيدة الإسلامية سواء في تحديد أصل الوجود وخالقه، أو أصل الإنسان، وهذا ذو تأثير مهم في توحيد الفكر والتقليل من توزعه على مؤثرات وأصول ومصادر متنازعة غير موحدة.
3- الواقعية: إن منهج التفكير الإسلامي موجه عقديًّا نحو التفكير في الواقع والاستدلال به، وهذا يضمن قدرًا كبيرًا من التوحيد في النظر عکس المنطلق الصوري الذي صدر عنه الفكر الإغريقي.
4- النقدية: ومدلول النقدية كما استخلصه الباحث من القرآن الكريم هو الاعتبار بقيمة الرأي بحد ذاته لا بالأشخاص والأسلاف والآباء واستعراض وجهات النظر المختلفة مع المقارنة بينها ونقدها قصد التوصل إلى الحق، وهذا الركن المنهجي له كذلك فعله في ضمان الوحدة الفكرية، لأنه لا يترك الأفكار معزولًا بعضها عن بعض تفعل فعلها في التفريق والتجزيئ بين الناس، بل يستجمع هذه الآراء ويلاقي بينها، حتى يصمد الأصوب وينتفي الخاطئ والباطل ويغيب.
5- الموضوعية: وهي دعوة من القرآن الكريم للتفكير البشري إلى أن يتجرد من الأهواء الذاتية وشهوات النفس، ويفكر على هدي من الشرع والعقل ولهذا تأثيره كذلك على وحدة الفكر لأن انشداد النظر الفكري إلى العواطف والأهواء مدخل إلى التشتيت والتجزيئ، إذ ليس هناك أكثر تنازعًا واختلافًا من الأهواء والعواطف والانفعالات.
وأعتقد أن الحرية عامل رئيسي من عوامل الوحدة الفكرية، لا عامل من عوامل التفرقة والتجزيئ لأن كبت حرية التفكير يؤدي بالعقول إلى انكفائها على ذاتها، وتعلقها بآرائها الجزئية مما يحرمها من فرص الحوار وطرح الآراء ومناقشتها وإبصار أصوبها للالتقاء عنده والاجتماع عليه، وهذا الكبت يعتبر تخزينًا للاختلاف، وتنمية له في الخفاء، أما الحرية فهي إخراج الخلاف إلى العلن وامتحان لمكونات التعدد الفكري للرسو في النهاية عند ما ينفع الناس وإذهاب الغثاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل