العنوان الأزمة الآسيوية تفتح النار على حكم سوهارتو في إندونيسيا
الكاتب مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية
تاريخ النشر الثلاثاء 17-فبراير-1998
مشاهدات 56
نشر في العدد 1288
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 17-فبراير-1998
- غاب الحديث عن انطلاقة النمور، وبدأ التشهير بالفساد السياسي وملكية الديون.
- ملامح الأزمة: تدني العملة.. هبوط الأسعار في البورصة.. إغلاق البنوك.. وارتفاع الديون.
لا زالت أصداء الأزمة الاقتصادية الآسيوية تدوي بعنف إقليميًا ودوليًا، متعدية نطاق الاقتصاد إلى المجال السياسي، سواء على مستوى الأنظمة الداخلية للدول الآسيوية المأزومة، أو على مستوى العلاقات بين تلك الدول والقوى الكبرى، والمؤسسات المالية الدولية، ارتباطًا بالنظام العالمي القائم وهيكلة العلاقات داخله.
وتظهر إندونيسيا كأحد أبرز الدول الآسيوية التي تعاني سياسيًا من الأزمة، بعد العواصف السياسية الأخيرة التي تعرضت لها، والتهديدات بحدوث انقلاب عسكري وفوضى عارمة، خاصة مع ترويج إشاعات عدة تفيد مرض الرئيس سوهارتو «٧٦ عامًا»، واحتمال غيابه عن الساحة السياسية.
وتتجسد خطورة ذلك من ناحيتين، الأولى: أن الرئيس هو النظام- على حد تعبير أحد الدبلوماسيين- في دولة تفتقد الأسس السليمة للحكم والمؤسسات السياسية.
والثانية: أن شرعية هذا الرئيس- النظام- تعتمد إلى حد كبير على كونه قائد الانطلاقة الاقتصادية التي دفعت بإندونيسيا إلى الصدارة كأحد النمور الآسيوية البارزة، تلك المكانة التي تتبخر حاليًا مع توالي الانهيارات الاقتصادية على كافة الصعد داخل البلاد، وازدياد المعاناة الشعبية يومًا بعد يوم، وأخيرًا مع توقيع اتفاقية للإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، تدخل إندونيسيا بمقتضاها في الحظيرة الغربية، هذا على الصعيد الخارجي، أما على الصعيد الداخلي فقد تشكل هذه الاتفاقية- التي يهلل لها خبراء الصندوق، ومعهم الدول الصناعية- القشة التي تقصم ظهر البعير، وتفجر بتداعياتها الاجتماعية القاسية على المواطن الإندونيسي الفقير أوسع اضطرابات قد تشهدها البلاد منذ استيلاء سوهارتو على الحكم بانقلاب عسكري منذ ٣٢عامًا.
وكان ازدهار الاقتصاد الإندونيسي وغيره من الاقتصادات الآسيوية مثارًا لجدل كبير بين علماء السياسة، الذين ظلوا يكررون ذات السؤال لفترة طويلة، هل هناك علاقة طردية بين افتقاد الديمقراطية «الاستبداد» والتقدم الاقتصادي؟ حيث كانت الفرضية السائدة أنه كلما كان المجتمع متقدمًا اقتصاديًا كلما كان ديمقراطيًا، وكان المثال الآسيوي يقف دائمًا أمام تلك المقولة، حتى إن بعض علماء السياسة بدؤوا يعتنقون الفرضية مقلوبة، فيقولون إن المجتمعات التي يستبد فيها فرد حاکم تكون أمامها فرصة أكبر للتقدم، لأن فرصة التحكم في مقاليد الأمور وتنفيذ الخطط ستكون مضمونة حينها، بدلًا من التعقيدات التي يولدها الجدل الديمقراطي حين يعطى للشعب حق الاعتراض.
وبعيدًا عن هذا الجدل، فإن الثابت حقًا أن الاقتصاد الإندونيسي قد حقق بالفعل مكانة مرموقة بمعدل نمو يتراوح بين 7% إلى 8% سنويًا على مدى أكثر من عشر سنوات، إضافة إلى باقي السمات المميزة للنمور الآسيوية، وهي حدوث طفرات في حجم الصادرات، بحيث تجاوز بضع عشرات من مليارات الدولارات، مع استقرار قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الدولية، وانخفاض معدل التضخم إلى ما لا يزيد على 5% سنويًا، فضلًا عن عدم وجود بطالة في اليد العاملة، بل ربما تتواجد حاجة إلى أيد عاملة أجنبية لسد العجز الموجود في قوة العمل.
سيطرة سوهارتو:
وإزاء هذا النجاح برز سوهارتو كقائد لتلك المعجزة الاقتصادية، الأمر الذي تراجعت أمامه الصورة الأخرى لهذا الحكم الذي يسيطر الرئيس فيه بشكل أخطبوطي على كافة مقاليد الأمور، حيث:
- يسيطر على الجيش، وعلى حزب جولكار الحاكم الذي يملك أغلبية كبيرة في البرلمان.
- يعين أكثر من نصف أعضاء الجمعية الاستشارية الشعبية التي تجتمع مرة كل خمس سنوات لانتخاب رئيس الجمهورية، والبالغ عدد أعضائها ۱۰۰۰فرد «لا غرابة أن أعيد اختياره كرئيس في أعوام ۱۹۷۳م، و۱۹۷۸و ۱۹۸۳م و ۱۹۸۸و ۱۹۹۳م، وهو يستعد لترشيح نفسه لفترة رئاسة سابعة».
- من بين أعضاء البرلمان الـ ٥٠٠ يعين الرئيس ٧٥ فردًا، وينتخب الشعب الباقين في انتخابات يصفها المحللون بأنها محل شك.
يضاف إلى هذا الفساد المستشري بين أفراد أسرة الرئيس وحاشيته، حيث تقدر ثروات أبنائه بالمليارات من الدولارات، الأمر الذي يعكسه بوضوح الاتفاق الأخير الذي وقعه سوهارتو مع صندوق النقد الدولي، حيث كان من أبرز بنوده:
- إلغاء الامتيازات في مجال الرسوم وحقوق الجمارك التي كانت منحت لمشروع السياسة الوطنية، وهذه الامتيازات كانت تسمح لأحد أبناء الرئيس- هو تومو ماندالا بوترا الملقب تومي- أن يستورد ويبيع في إندونيسيا سيارات مصنوعة في كوريا بسعر يقل بـ ٦٠% عن سعر السيارات العالمية المجمعة في إندونيسيا.
- إلغاء احتكار تجارة توابل «كبش القرنفل» التي تعتبر إندونيسيا أكبر منتجيها ومستهلكيها، وكانت أيضًا في يد تومي ابن الرئيس.
- توقف الدولة عن تمويل بناء طائرة للنقل النفاث لحساب أحد المقربين من الرئيس، والبحث عن تمويل خارجي.
أطماع ابنة الرئيس:
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل وصل الأمر إلى أن تطمح ابنة سوهارتو السيدة هارديانتي روكانا الشهيرة باسم «توتوت» «٤٨ عامًا» في رئاسة البلاد بعد أبيها، وهي شخصية بارزة في البلاد، ففضلًا عن أنها نائبة رئيس حزب جواكار الحاكم، فهي سيدة أعمال ذات ثقل، ولديها صلات وثيقة مع الشخصيات الكبرى في البلاد، إلى جانب ثروتها التي تقدر بمليارات الدولارات.
هذه الأوضاع المتدهورة سياسيًا، جرى عادة التعتيم عليها في ظل الاقتصاد المزدهر، ومع بدء علامات الضعف في الانسحاب إلى الجسد الاقتصادي الإندونيسي، ومع تململ الشعب تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، انفتح الباب أمام الانتقادات والتساؤلات السياسية المختلفة، وشهدت البلاد عدة اضطرابات عام ١٩٩٦م.
وقد كشفت انهيارات العملات الآسيوية في غضون الشهور الأخيرة بدءًا بالباهت التايلاندي، ثم الرائجيت الماليزي، فالروبية الإندونيسية، وغيرها من العملات إلى أقل من ٣٥% من قيمتها، كشفت حقيقة الوضع في الاقتصاد الإندونيسي، الذي كانت تقارير صندوق النقد الدولي حتى أغسطس۱۹۹۷م تشيد بأدائه في مجالي خفض الفقر ،وتضييق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية.
ولم يتوقف الأمر عند صندوق النقد فحسب، بل تعداه إلى الهيئات الاقتصادية المستقلة المختلفة، التي تقوم الأداء الاقتصادي للدول وجدارتها الائتمانية، وهو ما يشكك في مصداقية تلك الهيئات التي تجاهلت مع غيرها من الخبراء حقائق كثيرة عن اقتصاد إندونيسيا وغيرها من الدول الآسيوية، وبينما كان يكتب قبل أشهر عن المعجزة الأسيوية، وهل تستطيع الدول العربية الاستفادة منها واقتفاء أثرها، بدأت الأقلام الآن تتحدث عن هشاشة اقتصاد هذه الدول التي مولت نموها من الاقتراض والاستدانة الخارجية، وعبر ذات الوسيلة مولت عجز الحساب الجاري لميزان المدفوعات، وارتفعت فيها نسبة قروض المجاملة نتيجة للفساد السياسي، ولتمويل التوسع العقاري والمضاربات، ولاسيما في سوق الإسكان الفاخر، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الديون الرديئة والمشكوك فيها إلى ٢٠% من جملة القروض الممنوحة في تايلاند، وحوالي ۱۷% في حالة إندونيسيا، و ١٦% في حالة كوريا الجنوبية، ومثلها في ماليزيا، مما نتج عنه في النهاية الانهيار الكبير والمفاجئ للعملات بمعدلات تراوحت بين ٢٠% و ٤٠% في غضون بضعة أشهر!.
وفي إندونيسيا يمكن رصد ملامح الأزمة الاقتصادية فيما يلي:
- تدنت العملة بشكل قياسي، حيث تدهور معدل التبادل بين الدولار الأمريكي والروبية الإندونيسية في غضون ستة أشهر لا غير من ٢٥٠٠ روبية للدولار إلى ۱۰۷۰۰روبية للدولار، وفقدت العملة الإندونيسية نسبة ٤٢% من قيمتها في الأسبوع الأول من عام ۱۹۹۸م، ووصلت إلى نحو ۱۱ألف روبية للدولار، وهو هبوط بنسبة ٧٥% تقريبًا عن سعر ٢٤٠٠روبية الذي سجلته في يوليو الماضي، كما بلغ الفرق بين سعر شراء وبيع العملة۲۰% وبلغت نسبة التضخم ٢٠%.
- عدد الشركات المقيدة في البورصة، والتي تتمتع بمراكز مالية قوية وجدارة ائتمانية فعلية، لا يتجاوز ۲۲ شركة من إجمالي الشركات المقيدة في بورصة جاكرتا، والتي يبلغ عددها ۲۸۲ شركة، أي بنسبة 7.8% تقريبًا.
- حجم المديونية الخارجية لإندونيسيا بلغ ۳,۱۳۳ مليار دولار في ۳۰ سبتمبر ۱۹۹۷م منها 80.8 مليار دولار مستحقة على القطاع الخاص في صورة ديون قصيرة الأجل، سوف يستحق منها ٥٩ مليار دولار خلال العام الجاري.
وفي غضون تلك الانهيارات الأخيرة بدأت الأقاويل تتناثر حول مرض الرئيس، واحتمال حدوث انقلاب، الأمر الذي دعا صندوق النقد الدولي إلى التدخل لإنقاذ الاقتصاد المنهار بخطة اقتصادية، وبقرض كبير يصل إلى نحو ٤٣ مليار دولار، وعقب الإعلان عن هذا القرض، أعلن مرعي محمد وزير مالية إندونيسيا أنه تقرر إغلاق ١٦ بنكا يتعذر إنقاذها في ظل الأوضاع الراهنة، ومنع مديري البنوك الـ ١٦من مغادرة البلاد إلى حين استكمال التحقيقات معهم، وكان من بين هذه البنوك بنكين يساهم في رأسمالهما أنجال الرئيس سوهارتو وأقرباؤه.
وبعد جهود حثيثة من قبل مسؤولي الصندوق وضغوط مباشرة من الولايات المتحدة، حيث تدخل الرئيس كلينتون بنفسه، وقع سوهارتو على خطة الإصلاح الاقتصادي السابق الإشارة إليها، وبالطبع فإن هذه الخطة العلاجية كسائر خطط الصندوق خطط موجعة قاسية على شعب فقير بالأساس.
فالصندوق يصر على ضرورة خفض قيمة العملات المحلية حتى يتم خفض أسعار صادرات الدول الآسيوية، وارتفاع أسعار وارداتها، وهذا لا يمكن بالضرورة أن يؤدي إلى تحسين الوضع المالي لهذه الدول، بل يمكن أن يتطور إلى تفاعلات اقتصادية سلبية، ففي حالة وجود ديون خارجية ضخمة، كما هو الحال بالنسبة لإندونيسيا، فإن تخفيض قيمة العملة الوطنية يزيد من حجم الفوائد على هذه الديون، مما يجبر بعض الشركات على الإفلاس، ويضغط على أسعار الأسهم فتنهار، هذا بالإضافة إلى أن زيادة حجم الفوائد على القروض يزيد من المصروفات الحكومية، مما ينتج عنه عجز في ميزانياتها، ومن أهم مضاعفات انخفاض العملة الوطنية أيضًا هو انخفاض الاستثمارات المحلية في الصناعات الوطنية، ومن ثم إغلاق المصانع، مما ينتج عنه ارتفاع كبير في معدل البطالة، ثم كساد اقتصادي شامل في القطاعات الاقتصادية المختلفة.
من ناحية أخرى مطلوب من إندونيسيا إحداث فائض في الموازنة العامة للدولة بنسبة 1%، في حين أنها تعاني من عجز يصل إلى ٢٠% مما يعني إلغاء الاعتمادات الاجتماعية، وأيضًا خفض الاعتمادات الاستثمارية.
هذا فضلًا عن التأثير الاجتماعي للخطة التقشفية، الأمر الذي يثير السخط الشعبي بشكل أكبر، ويزيد من عدد مؤيدي المعارضة لنظام الحكم القائم، والمفارقة في انهيار حكم سوهارتو في ذاته يحمل في طياته احتمالات لفوضى عارمة في البلاد، قد تنذر بأوضاع أكثر سوءًا من تلك السائدة الآن.
وأخيرًا بقي تعليق أخير على تلك الأزمة التي تعيشها إندونيسيا، فالغريب أن الغرب الذي غض الطرف عن المذابح التي شهدتها إندونيسيا في الستينيات عقب تولي سوهارتو، هو الذي يقف الآن ليتحدث عن فساد ذلك الحكم، ودوره في انهيار الاقتصاد، ويحاول التدخل من أجل إنقاذه، ليس هذا فقط، بل إن التحرك الغربي ذاته يقف وراءه بشكل أساسي توافر الفرصة المواتية لتحجيم تجربة النمور، وإدخالها حظيرة صندوق النقد الدولي من خلال عملية تغيير مسار، ففي الوقت الذي لا يقبل فيه الغرب أن تنمو هذه الدول بما يجعلها منافسًا له في ظل الانفتاح القادم وحرية التجارة، لا يسمح بانهيارها؛ لأنه شريك فيها، وله مصالح معها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل