العنوان الكاميرون: الصراع بين الشمال والجنوب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1984
مشاهدات 66
نشر في العدد 667
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 17-أبريل-1984
جمهورية الكاميرون الاتحادية تقع في غرب إفريقيا مطلة على المحيط الأطلنطي، عاصمتها الإدارية ياووندي وعاصمتها التجارية دوالا. يبلغ عدد سكان الكاميرون 9 ملايين نسمة ٣١% منهم مسلمون ۲۰% كاثوليك ١٤% بروتستانت 35% يدينون بمعتقدات محلية.
كانت الكاميرون مستعمرة ألمانية من عام ١٨٨٤- ١٩١٤م. وبعد الحرب العالمية الأولى استولت القوات الفرنسية والبريطانية عليها وأنشأت فيها مستعمرتين منفصلتين باسم الكاميرون الشرقية للفرنسيين «٤٣٢ ألف كيلو متر مربع» والكاميرون الغربية «الشمالية والجنوبية ۸۹۲۷۰ كيلو متر مربع» للبريطانيين. نال الجزء الشرقي استقلاله من فرنسا في يناير عام ١٩٦٠م ونال الجزء الغربي استقلاله كذلك من بريطانيا في أكتوبر ١٩٦١م وانضم الجزءان إلى بعضهما في إطار جمهورية اتحادية في ١١ فبراير ١٩٦١م بلغتين رسميتين هما الفرنسية والإنجليزية وتم انتخاب أحمد أهيدجو أول رئيس للجمهورية الاتحادية الجديدة وهو مسلم من الشمال.
- تعايش سلمي:
بدأ أحمد أهيدجو المسلم حكمه بالتركيز على خلق وحدة وطنية وتعايش سلمي بين الديانات والقبائل المختلفة، وقاد البلاد خلال ٢٢ عامًا بالاعتدال والعدالة بين جميع فئات الشعب مما أدى إلى استقرار سياسي وازدهار اقتصادي لوطنه وأصبحت الكاميرون في عهده بلدًا منتجًا للنفط والغاز الطبيعي وأصبحت ۱۲٪ من إيرادات الدولة تأتيها من النفط.
وقد بلغ احتياطي الكاميرون من النفط في عام «۱۹۸۰» ما يقرب «۷۰» مليون طن. ومن الغاز الطبيعي حوالي ثلاثة بلايين متر مكعب مما دفع السلطات المختصة في ذلك الوقت إلى وضع خطة لبناء محطة لتسييل الغاز الطبيعي يحتمل تشغيلها عام «١٩٨٦» ومع اكتشاف النفط والغاز انتعش اقتصاد البلاد واتسعت علاقاتها التجارية مع الشركات الأجنبية.
- الاستقالة المفاجئة:
بعد أن اطمأن أحمد أهيدجو إلى استقرار بلاده ونضج الشباب الكاميروني السياسي والإداري فاجأ العالم أجمع وخاصة شعب الكاميرون بإعلانه الإذاعي المقتضب الذي أشار فيه إلى أنه سيستقيل من منصب رئاسة الجمهورية اعتبارًا من (٦» نوفمبر «۱۹۸۲» ولم يبرر أهيدجو استقالته في ذلك الوقت إلا أنه تردد فيما بعد بأن تدهور حالته الصحية كان وراء الاستقالة ودعا الرئيس أهيدجو مواطنيه مسلمين وصليبيين إلى البقاء على هدوئهم واستقرارهم ووعدهم بأن السلطة ستنتقل بهدوء إلى خليفته بول بيا البالغ من العمر «٥٠» عامًا بموجب الدستور الكاميروني الذي ينص على أن يتولى رئيس الوزراء منصب رئيس الجمهورية في حال خلو منصب الرئاسة قبل انتهاء ولاية رئيس الجمهورية الاتحادية، وهكذا أصبح بول بيا وهو نصراني من جنوب البلاد رئيسًا للجمهورية خلفًا للرئيس المسلم المستقيل أحمد أهيدجو الذي كرس جهوده طيلة فترة رئاسته على خلق التعايش السلمي بين المسلمين في الشمال والنصارى في الجنوب.
وقد تولى بول بيا رئاسة الجمهورية يوم السبت نوفمبر ۱۹۸۲ بعد أن ظل يشغل منصب رئيس الوزراء منذ ١٩٧٥م.
- الرئيس الجديد والتعصب الديني:
ما أن استقر الرئيس الجديد بول بيا في كرسي الحكم حتى طغا عليه حقده الصليبي ضد سلفه المسلم أحمد أهيدجو الذي له الفضل الكبير في وصوله إلى هذا المنصب.
بدأ الرئيس النصراني منذ الفترة الأولى من زعامته بمزاحمة أهيدجو على رئاسة الاتحاد الوطني الكاميروني وهو الحزب الحاكم الذي أسسه أهيدجو نفسه وتمسك بزعامته حتى بعد أن ترك منصب رئاسة الجمهورية ورأى الرئيس الجديد أن سلطاته تظل ناقصة إذا لم يسيطر على الحزب الحاكم الذي كان يشغل فيه منصب نائب الرئيس. ومنذ ذلك الوقت نشأ صراع خفي بين رئيس الحزب أهيدجو ورئيس الدولة بول بيا.
غادر على إثره أهيدجو الكاميرون متوجهًا إلى فرنسا بجواز سفر دبلوماسي في تاريخ ١٩/ ٧/ ٨٣م دون أن يعلن استقالته من زعامة الحزب نزولًا على رغبة الرئيس الجديد، وبينما يعيش أهيدجو في فرنسا أعلن الرئيس بول بيا عن اكتشاف مؤامرة ضد أمن الدولة يوم ٢٢/ ٨/ ٨٣م واتهم مساعدي الرئيس السابق من الشماليين المسلمين بتدبير المؤامرة واعتقل عددًا منهم كان بينهم اثنان كانا من المقربين للرئيس أهيدجو، وهما الرائد إبراهيم عمر والمقدم آدم صلاح وكان لاعتقالهم أثر سيئ على العلاقة بين بولا بيا وسلفه الذي وجه إليه عبارات شديدة اللهجة، ولما تفاقمت الأمور بينهما إلى هذه الدرجة حاول الرئيس الفرنسي ميتران وعدد من الزعماء الأفارقة التوسط للمصالحة بين الطرفين ودارت اتصالات مباشرة وغير مباشرة للوصول معهما إلى حل وسط وهو أن يستقيل أهيدجو من زعامة الحزب الحاكم مقابل أن يوقف بول بيا حملة الاعتقالات التي كان يشنها على الشماليين المسلمين المتعاطفين مع أهيدجو وأن يطلق سراح كل من الرائد إبراهيم عمر والمقدم آدم صلاح من أجل تمهيد الطريق أمام الرئيسين السابق والجديد لحضور جلسة مصالحة مع زعماء أفارقة قاموا بالوساطة، على هذا الأساس استقال الرئيس أهيدجو من منصب زعامة الحزب، لكن بول بيا لم يتنكر لتعهداته فحسب بل أصدرت بأمره محكمة عسكرية في ياووندي حكمًا بالإعدام على أحمد أهيدجو ومصادرة ممتلكاته بتهمة التآمر على أمن الدولة، كما حكمت المحكمة ذاتها على كل من الرائد إبراهيم عمر والمقدم آدم صلاح بالإعدام أيضًا. وجاء النطق بهذا الحكم في ٢٨/ ٢/ ٨٤م ثم خفف حكم أهيدجو إلى سجن مؤبد، وبهذا الحكم الجائر وصل الخلاف بين الرئيسين نقطة اللا عودة.
- شرارة حرب أهلية؟
لم يكتف بول بيا بذلك كله، بل أصدر أوامره في أوائل أبريل الجاري بنقل كل الضباط الشماليين المسلمين العاملين في الحرس الجمهوري إلى وحدات عسكرية أخرى نائية، وقد رفض هؤلاء الضباط هذا الإجراء التعصبي الديني الذي يمارسه الرئيس ضدهم بدون وجه حق. وفي يوم ٦/ ٤/ ١٩٨٤م نقلت وكالات الأنباء العالمية نبأ محاولة انقلاب قاده ضباط شماليون من الحرس الجمهوري أدت إلى نشوب معركة شرسة بينهم وبين الضباط الموالين للرئيس بول بيا حول القصر الجمهوري، وتمكن الضباط الشماليون من السيطرة على مبنى الإذاعة وطالبوا عبرها باستقالة الرئيس وبوقف العمل بالدستور وحظر أي نشاط سياسي كما أعلنوا حظر التجول من الساعة السابعة مساء حتى السادسة صباحًا بالتوقيت المحلي، ووجهوا اللوم الشديد إلى رئيس الجمهورية لقيادته السيئة لشؤون البلاد التي أدت إلى هذه الحرب الأهلية في أقل من سنة واحدة من وصوله إلى الحكم. واستعان الرئيس بول بيا بالجنوبيين في القوات المسلحة لكبح جماح من أسماهم بالمتمردين وقد تمكن بالفعل من الاستيلاء على زمام الأمور وعودة الاستقرار إلى العاصمة بعد هذه العاصفة الطائفية التي راح ضحيتها أكثر من ألف قتيل ومئات من الجرحى وأدت إلى خسائر مادية جسيمة لا بد أن يظهر أثرها على اقتصاد البلاد.
لكن المراقبين يرون أن هذه الحادثة الخطيرة ليست سوى شرارة أولى لحرب أهلية تنتظر هذا البلد الواقع في غرب أفريقيا إذا لم يغير رئيسه المتعصب مطاردته للعناصر المسلمة التي تخالفه في الدين، وبذلك يكون هو السبب في رفع سياج التعايش السلمي الذي وضعه الرئيس الكاميروني المسلم أحمد أهيد جو بوحي من تسامح دينه الحنيف وحنكته السياسية الفذة.