; مذكرات المستشار علي جريشة.. شهادة قاض وسيرة رمز (۳) | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات المستشار علي جريشة.. شهادة قاض وسيرة رمز (۳)

الكاتب مركز الإعلام العربي

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2012

مشاهدات 55

نشر في العدد 2023

نشر في الصفحة 38

السبت 13-أكتوبر-2012

  • "مؤامرة المنشية "..غطاء مُدبَّر للمذابح الناصرية ضد الإخوان
  • الضابط "ممدوح سالم" هو من أطلق الرصاص على عبد الناصر في حادث المنشية ومسؤول إخوان الإسكندرية أكد لي استحالة تنفيذ محمود عبد اللطيف ذلك 
  • أحكام النظام الناصري الجائرة ضد الإخوان كانت تتدرج طبقا لما يحفظه الأخ من القرآن وبنص اتهام واحد: "يأتي أفعالا ضد الحكم الحاضر"
  • أحد ضباط مصلحة السجون رق قلبه بعد أن قام طبيب من معتقلي الإخوان بعلاجه من ألم مفاجئ فلم ينفذ أمرا باستفزاز المعتقلين وإبادتهم بدعوى محاولتهم الهرب 
  • أجبروني على الاستقالة من مجلس الدولة حتى لا تقف حصانتي القضائية حائلا دون محاكمتي في "أحداث ١٩٦٥م" ولكنني أصررت على الحصول على حكم ببطلان قرار قبول استقالتي 
  • رفعت قضية أمام القضاء المدني سعيا لإدانة التعذيب الذي وقع علينا وقلت في الدعوى: إن تلك الإدانة التي أسعى إليها لن تغني عن قصاص سأطالب به عندما يأذن الله سبحانه وتعالى 
  • في30 /7/ 1975م صدر الحكم لصالحنا مستجيبا لكل الطلبات وتضمن مناشدة رئيس الدولة (السادات) هدم السجن الحربي 

هل كان هناك من الإخوان من صوب الرصاص بالفعل إلى صدر "عبد الناصر" في "المنشية" أم أن الأمر كان مؤامرة وضعها الطاغية وأعوانه ليجدوا ذريعة ومبررا لمطاردة الإخوان واعتقالهم والتنكيل بهم؟! سؤال يجيب عنه المستشار علي جريشة في هذا العدد من مذكراته، بعد أن تناول في العدد الماضي بدايات الصدام بين حركة يوليو ١٩٥٢م وحلفاء الأمس، وتحدث عن خبث النظام الناصري في التعامل مع الإخوان، وعن حكمة هؤلاء وفطنتهم وشجاعتهم في الرد على ألاعيب هذا النظام الملتوية التي كانت "مؤامرة المنشية" واحدة من فصولها الدامية وكلمة البداية في صفحة جديدة من معاناة الإخوان في السجون الناصرية. 

  • "مؤامرة المنشية".. غطاء مُدبَّر للمذابح الناصرية ضد الإخوان 

واقتربت أحداث أكتوبر ١٩٥٤م، وبدا أن الليالي حُبلى وسمعنا عن اعتقالات في صفوف الإخوان- دون أسباب أو مقدمات - خاصة بين رجال القوات المسلحة وسافر المرشد إلى الخارج، ووقعت معاهدة بين الإنجليز والحكام الجدد، وسمعنا أن المرشد هاجم المعاهدة في سورية؛ لأنها تسمح للإنجليز بالعودة إذا وقع اعتداء على تركيا! وتوالت الأحداث، وأعلن عن أن "جمال عبدالناصر" سيخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية، وجلست مع الأسرة نستمع. 

وكان الخطاب- رغم الارتجال– مرتباً، فقد لاحظنا أنه بعد مقدمة صغيرة قال: في مثل هذا اليوم، كنت أسير في هذا الميدان وأطلق عليَّ الرصاص، ثم سمعنا صوت طلقات، فظننت في بادئ الأمر أنهم يفعلون ذلك في الإذاعة كلون من الإخراج، لكني فوجئت بصوت جمال عبد الناصر عاليا متهدجا: "أنا جمال عبد الناصر" أنا جمال عبدالناصر .. خلقت فيكم الحرية، وخلقت فيكم الكرامة إن يقتلوني فكلكم جمال عبد الناصر، أيها الرجال ليبق كل منكم في مكانه أيها الرجال ليبق كل منكم في مكانه .."، وكرر مرة أخرى أنه خلق الحرية والكرامة. 

وفي اليوم التالي، خرجت الصحف في عناوينها الرئيسة "محاولة آثمة لاغتيال جمال عبد الناصر"، "القبض على القاتل وضبط المسدس"، وفي التفاصيل ذكروا شيئا غريبا: أنه عندما أطلقت الرصاصات ورغم أنها لم تمسه بسوء أنكسر قلم الحبر الأحمر، فأحدث دائرة حمراء على صدر "جمال عبد الناصر" في منطقة القلب، فظنت الجماهير أنه أصيب . 

ورغم أنهم قاموا بضبط أداة الجريمة (المسدس) وأمرت النيابة بتحريزه، فإنه بعد يومين فوجئت وفوجئ الناس بخبر مؤداه أن عم "آدم" بواب بالإسكندرية عثر على المسدس بعد انفضاض الناس، وأنه أراد أن يسلمه إلى جمال عبد الناصر بنفسه ولما لم يكن يملك أجرة السفر (كانت حوالي خمسين قرشا نصف جنيه) فقد سار من الإسكندرية إلى القاهرة على قدميه، وأنه ذهب إلى مجلس الوزراء، وأن الرئيس قابله، وأخذ منه المسدس، وأعطاه مكافأة (مائة جنيه)!! 

وشعوبنا ضعيفة الذاكرة، وحكامنا يستغلون فيها ذلك. 

أما حقيقة "حادث المنشية"، فقد ذكرها لي إمام دعاة عصره الأستاذ عمر التلمساني يرحمه الله إبان زيارة له إلى ألمانيا، أن الذي أطلق الرصاص- وهو ليس رصاصا حقيقيا- كان الضابط "ممدوح سالم"، وأنهم أحاطوا بالأخ "محمود عبداللطيف"، ثم اعتقلوه بعد ذلك وتعرض لتعذيب وحشي ليعترف على نفسه. 

أما خيوط المؤامرة، فقد شارك فيها أحمد حسن الباقوري، الوزير والأخ السابق غفر الله له، وذلك مع الأخ هنداوي دوير من إمبابة، أما محمود عبد اللطيف يرحمه ،الله، فقد ظن الأمر أمراً .. لكنه لم يمكن من تنفيذه. 

وقد تأكد لي ذلك في تحقيق أجريته داخل السجن - اعتمادا على خبرتي السابقة- فقد سألت المهندس محمد سليم، مسؤول الإسكندرية، عن حقيقة الحادث، فنفى صلة الإخوان به؛ لأنه تبعا للنظام، فقد كان الواجب أن يصدر الأمر إليه، وأن يرتبه هو لو كان الأمر صادرا من قيادة الإخوان، وأضاف أنه كان قادراً بإذن الله على تنفيذ الأمر لو صدر، وأنه على أسوأ الظروف كان لابد أن يُبلغ باعتباره مسؤولا عن الإسكندرية حتى يساعدوا الأخ إن كان هو المقصود بالتنفيذ لكن حتى هذا العلم لم يصل إليه !! 

  • مذبحة عام ١٩٥٤م 

وبدأ الخسيس مذبحة تتواضع أمامها مذابح التاريخ، فاق "محمد علي باشا" في مذبحة القلعة للتخلص من المماليك، وفاق "مذبحة النقراشي"، بما فيها مقتل الإمام حسن البنا، وفاق مذابح التاريخ فيما نعلم وفيما نقرأ، فاقها.. كما وكيفا .. وفاقها خسة ونذالة، وأحيل على ما كتب، وهو صادق ولأنني تأكدت من وقائعه بفضل الله تعالى. 

بيد أني أحاول أن أسجل بعض ما كنت أسمع وبعض مشاعري كانت أخبار التعذيب تترى، ويبدو أن جنود فرعون كانوا يتعمدون إذاعتها ونشرها لتخويف الناس، وكانت وسائل التعذيب كثيرة وخسيسة . 

ووقع القتل أثناء التعذيب، وكان يثبت في الدفاتر أمام القتيل أنه "هارب"، ويدفن في الصحراء المجاورة، وأعلن عن بدء المحاكمات الدائرة الأولى برئاسة عضو مجلس قيادة الثورة "جمال سالم" وعضوية "أنور السادات"، و"حسين الشافعي"، وقد كان مشهوراً عن "جمال سالم" أنه "مجنون"، وأكدت المحاكمات صدق الإشاعة، لم يأخذ مظهر القاضي ولا قريبا منه بل كان واضحاً أنه خصم وحكم في آن واحد! 

وكان من السخرية المرة أن يأمر سعادة رئيس المحكمة (الموقر) بقراءة الفاتحة بالمقلوب، أي يبدأ بقول الله: "غير المغضوب عليهم ولا الضالين"، ثم "الذين أنعمت عليهم"، ثم "اهدنا الصراط المستقيم"، وهكذا، وهو ما يُسمى في القرآن تنكيسا، وهو منهي عنه وحرام. 

وصدرت الأحكام على ما يقرب من ألف بمدد متفاوتة، وحكم على ست منهم بالإعدام هم عبد القادر عودة يرحمه الله رغم أنه مقبوض عليه قبل تمثيلية المنشية ومحمود عبد اللطيف يرحمه الله المدعى عليه بإطلاق الرصاص والذي أطلق ممدوح سالم، وإبراهيم الطيب، ويوسف طلعت، والشيخ محمد فرغلي، وهنداوي دوير. 

ونفذ حكم الإعدام في الستة الكرام في يوم كان صعبا على نفوس الكثيرين، فقد تأثر الجميع لنبأ تنفيذ حكم الإعدام في ستة من جماعة الإخوان المسلمين؛ ذلك أن "الجماعة" كانت ملء السمع والبصر، وكانت معارك شباب الإخوان في فلسطين، ومعاركهم في القنال قريبة العهد. 

وربط البعض بين هذه المعارك، وجريمة القتل التي ارتكبها "جمال عبد الناصر" لبعض من قيادات الإخوان المسلمين، وعدوا ذلك مجاملة لهؤلاء الأعداء أو قرباناً للتقرب إليهم. 

أما أنا فكان حزني شديداً، وزاد في حزني ما سمعته من أن زوجة الشهيد عبدالقادر عودة ذهبت إلى "جمال عبدالناصر" ومعها أطفالها الثمانية ترجوه تخفيف حكم الإعدام لكنه قابلها في صلف، وتكبر، وتعنت، وردها ردا غير جميل جزاه الله بما يستحق. 

أما بقية الألف، فقد توزعت الأحكام عليهم بين الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، أو السجن مدداً متفاوتة، ومن العجائب أن الأحكام كانت تتوزع تبعاً لما يحفظ الأخ من القرآن فمن يحفظ سورة الأنفال كان حظه على ما أذكر - خمسة خمسة عشر عاما، ومن يحفظ غير ذلك يكون حكما آخر. 

ومن السخرية الأخرى (القانونية) أنهم لم يجدوا نصا قانونيا للاتهام، فجعلوا نصا واحدا للجميع من أخذ الإعدام، ومن أخذ خمس سنوات هو: "أتى أفعالا ضد الحكم الحاضر"! 

  • ومضت الأيام.. 

وسمعنا عن سوء المعاملة حتى بعد صدور الأحكام، وكان أبشعها "حادث طرة"، فقد دبرت السلطة الآثمة مقتلة أخرى للإخوان المسلمين حتى بعد صدور الأحكام. 

وانتهى الأمر إلى قتل ما يقرب من الثلاثين، وجرح عشرات آخرين وجنون البعض؛ ذلك أن الجنود كانوا يضربونهم بالرصاص داخل الزنازين.

وكانت محاولة أخرى - لم تتم - ذكر لي تفاصيلها فيما بعد الأخ الأستاذ محمد حامد أبو النصر يرحمه الله، وخلاصتها: أنه بعد ترحيل الإخوان إلى الصحراء، ونزولهم في مكان لا نبات فيه ولا ماء حتى يهلكوا بعيدا عن القاهرة استطاع الإخوان بعد فترة قصيرة أن يحولوا المكان إلى "جنة" فيها النبات وفيها الماء وفيها الطيور بل والخراف.

 ولما رفع ذلك للمسؤولين حقدوا عليهم، وقد كانوا ينتظرون فناءهم، فأرسلوا واحدا من "جلادي" مصلحة السجون، وأرسلوا معه قوة، حتى يتحرشوا في اليوم التالي بالإخوان فيبيدوهم بحجة أنهم كانوا يريدون الهروب وتنتهي صفحة .. وينتهي معها الإخوان.

 لكن "البيه الكبير" ركب القطار المكيف وركب العساكر السيارات الكبيرة أو انحشروا فيها، ووصل البيه في منتصف الليل والسيارات لم تصل بعد ! 

وكانت مفاجأة القدر التي لم يضعوها في حساباتهم! إن "البيه الكبير" وصل يتلوى من الألم، وليس في المعسكر من طبيب! 

وسأل قائد المعسكر وهو يتلوى، فقال له : هنا أطباء من الإخوان هم الذين يعالجونهم ويعالجوننا إذا لزم الأمر، ووافق السفاح القادم أن يعالجه طبيب من الإخوان. 

ووقف الطبيب على رأسه يعالجه من منتصف الليل إلى الفجر، وبعد الفجر بدأ يتماثل للشفاء، وأثر المعروف في ذلك الإنسان؛ لأن قلبه "الحجر" تحرك: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74]. 

ووصل الجنود، لكنه أمرهم بالرجوع، ورجع هو كذلك، ولم يعد بعد ذلك!

  • بكيت وأنا قاض

وفي عام ١٩٦٥م، الموافق ١٣٨٥هـ، كان العدوان الآثم على الحركة الإسلامية في مصر، وشاء رب العالمين، أن أكون مع الصادقين، وتعرضت لما تعرض له كرام رجال مصر.. وكرائم نسائها .. على يد أحد "الزملاء" من وكلاء نيابة أمن الدولة. 

وعرف أني أحد رجال القضاء، وأني أتمتع بالحصانة القضائية، ولم أنتظر منه أن يجاملني ولكني انتظرت على الأقل أن يعاملني بما كنت أعامل به المجرمين من المتهمين. 

لكن خاب ظني، وسبني الزميل العزيز وقال لي: "أنت كذاب" ولم أتمالك نفسي.. بكيت.. وخشيت أن يؤولها بالضعف.. فقلت وأنا أغالب الدموع أنا أعذب منذ شهور لم أبك يوماً ولا لحظة - بفضل الله تعالى - لكني أبكي اليوم أمام النيابة؛ لأني ما كنت أعتقد أن تكون على هذا المستوى. 

ولم يُثبت الزميل أيا من إصاباتي، وإن أثبت في اختصار دفاعا لي بتلفيق القضية ضدي، وقدمت للمحاكمة العسكرية.. وأردت أن أعلنها أثناء المحاكمة. 

فقلت: إن النيابة العامة وهي عزيزة عليَّ، ذلك أني كنت أحد أبنائها قبل أن أكون ابناً لمجلس الدولة، قد خَرَجَتْ عن تقاليدها الموروثة وتركت القانون والوقائع وهبطت إلى مستوى السب والشتيمة، لا أقول لها ما قاله يوسف لإخوته: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 77]، ولكني أقول لها: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]، وبكى من في الجلسة. 

وجلست وقال لي زملائي في قفص الاتهام: لقد ظل ممثل النيابة (رئيس نيابة أمن الدولة في ذلك الحين)، ظل هذا الرجل يهبط في مجلسه حتى كاد يختفي أسفل المنصة. 

  • استقالة بالإكراه 

وكان لي موقف آخر مع المذكور ومع الأمين العام لمجلس الدولة، لقد رأوا أن محاكمتي وأنا أحمل الحصانة القضائية يشوبها البطلان، ومن ثم قرروا أن يتخلصوا من حصانتي القضائية. 

وكان الطريق الأيسر هو الإكراه، وكان موقفا مؤسفا لا أود أن أحكي تفاصيله وبقيت غصة في حلقي سنين وسنين. 

سلسلة قضايا: وبعد صدور الحكم عليَّ بالأشغال الشاقة لمدة ١٢ سنة، وبعد انتقالي من السجن الحربي إلى السجن المدني بدأت سلسلة من القضايا.

رفعت أولا تظلما أطلب سحب قرار قبول استقالتي؛ لانبنائها على إكراه مادي ومعنوي بعدم الإرادة ويبطل بالتالي ما ينبني عليها.

ورفض رئيس مجلس الدولة التظلم وكان عهد الرئيس السابق "عبد الناصر" لا يزال قائماً.

  • أمام القضاء الإداري 

وأعدت تحريك الدعوى مع انقضاء العهد السابق البائد وقدوم عهد جديد ومضت الإجراءات بطيئة على استحياء، حتى قيض الله لي "مفوضا للدولة" هو الزميل العزيز المستشار نبيل الدكروري يرحمه الله ليكتب تقريرا من حوالي ستين صفحة يقرر من خلال الشواهد العامة والخاصة تحقق الإكراه، وينتهي إلى الرأي بإلغاء قرار الاستقالة. 

وصدر حكم المحكمة الإدارية العليا بإلغاء قرار قبول الاستقالة ونددت المحكمة بموقف مجلس الدولة مني، كما نددت بجميع الجهات "المعنية" التي تكاتفت على إهدار الحصانة القضائية. 

وانتقلت من القضاء الإداري إلى القضاء المدني، وقلت فيما سجلت من كلمات: إننى أود أن أدين عملا، وإن تلك الإدانة المدنية لن تغني عن قصاص أطالب به عندما يأذن الله تعالى .. وأخذت الدعوى شكل "طلب تعويض عن التعذيب الذي وقع ...". 

وبدأت مراوغات من محامي الحكومة في صورة دفوع، وطلبات تأجيل، والمحكمة صدرها يتسع . 

وأخيرا، وفي يوم ۳۰ من مارس ١٩٧٥م صدر الحكم مستجيبا لكل الطلبات ومزيدا عليها مناشدة رئيس الدولة هدم السجن الحربي، والمطالبة بمحاكمة أربعة وزراء عدل وإعلان براءة البلاد مما فعل الجلادون. وكان الحكم مشمولا بالنفاذ المعجل. 

وكان يوم صدوره مظاهرة، بكى فيها من بكي، وارتفعت هتافات تعبر عن الترحيب وأخرى تندد بالظلم والظالمين. 

وتلقيت خبر الحكم وأنا جالس في بيتي وعلمت أن الحاكم العسكري أمر بمنع نشر الحكم مخافة أن يحدث قلاقل ومظاهرات.

وقررت أن أتحرك.. وقلت: إنه طالما بقى الحكم في الظلام فسوف تظل المؤامرات تحاك، وأخذت الخطوة نحو الإعلان عن الحكم.. وكانت بفضل من الله موفقة. 

وبعد يومين أو ثلاثة من صدور الحكم وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، أصدر رئيس الدولة أمرا يعطل أمر الحاكم العسكري ويلغيه.. وفي صباح اليوم التالي كانت الصحف الرئيسة الثلاث: "الأهرام" "الأخبار"، "الجمهورية" تنشر الحكم في صفحاتها الأولى بعناوين بارزة ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 118]. ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: 119]

وبنشر الحكم انقضت كل المؤامرات وتبددت ودخلت الهوام إلى جحورها. 

  • أمام القضاء الجنائي 

وكانت الخطوة التالية أصعب من كل ما سبقها.

إنها المطالبة بمحاكمة جنائية لمن قاموا بالتعذيب ومعها خطوة جديدة كل الجدة لكنها جادة كل الجد. 

طلب محاكمة وكلاء نيابة أمن الدولة؛ لأنهم:

  • شاهدوا التعذيب ولم يمنعوه.. فعدوا بذلك مشاركين فيه، وهو ما يسمى في الفقه الحديث بالجريمة السلبية.. وقد عرفها الفقه الإسلامي قبل أن يعرفها الفقه الإيطالي بقرون.
  • ارتكبوا تزويراً معنوياً في محاضر التحقيقات؛ إذ امتنعوا عن إثبات إصابات المتهمين في محاضرهم أثناء التحقيق. وبدأ التحقيق مع المعذبين بمعرفة مستشار بمحكمة الاستئناف، وتلاه التحقيق مع رجال النيابة وحاول المتهمون من رجال النيابة أن يتفلتوا من الاتهام. 

كتبوا مذكرات.. قالوا: كيف يستجاب "للمتهم" علي جريشة ؟ وأنا يومئذ مستشار بمجلس الدولة ومحرك للدعوى، وهم في الدعوى هم المتهمون لكن العبارة ذكرتني بعبارة قوم آخرين إذ قالوا: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]، وأخذ التحقيق الجنائي مداه.

وحاولت أيد أن تعبث في الأرض، وتباطئ التحقيق، وتحرك رجل لم أكن أعرفه وقتها هو المستشار عبد المنعم القاضي. 

وفي قضية أخرى لا تمت لي بصلة أصدر قرارا - وهو يومئذ رئيس محكمة الاستئناف بإحالة رجال القضاء الأربعة إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهم بتهمتين ثابتتين: 

- تهمة المشاركة في التعذيب. 

  • تهمة التزوير في أوراق رسمية هي تحقيقات النيابة. 

وكان يلزم إجراء واحد لتتم المحاكمة هو رفع الحصانة عن المتهمين الأربعة، وكان رئيس اللجنة التي يمكن أن تأخذ هذا الإجراء هو رئيس محكمة النقض، وكان رجلا فاضلا وكان قد بقي من مدة خدمته يوم واحد، وبعدها العطلة القضائية. 

وحيل بين رئيس محكمة النقض وبين الأوراق حتى انتهت مدة خدمته، وحتى جاءت العطلة القضائية. 

ومعها تعطل كل شيء. 

وتعطل كل إلى حين. 

وتداعت الأحداث: 

وطلب إليَّ أن أغادر البلاد بطريقة "دبلوماسية" في صورة رغبة عليا، أن أكون مستشارا لإحدى الحكومات. 

وفضلت أن أختار لنفسي بدلا من أن يُختار لي، وخرجت أستاذاً بإحدى الجامعات، وأصبحت من المخرجين. 

ومع ذلك، ظللت أتابع ما يجري في بلدي أحيانا عن قرب قريب، وأحيانا عن بعد بعيد. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل