; من تأنى نال ما تمنى | مجلة المجتمع

العنوان من تأنى نال ما تمنى

الكاتب د. عبد الرحمن البر

تاريخ النشر الأحد 14-أكتوبر-2012

مشاهدات 73

نشر في العدد 2024

نشر في الصفحة 20

الأحد 14-أكتوبر-2012

من روائع أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة يتناول فيها قصة إحدى العصافير وهي تعلم ابنها الطيران، يقول فيها:

رأيت في بعض الرياض قبره 

تطير ابنها بأعلى الشجرة 

وهي تقول: يا جمال العش 

لا تعتمد على الجناح الهش 

وقف على عود بجنب عود 

وافعل كما أفعل في الصعود 

فانتقلت من فن إلى فنن 

وجعلت لكل نقلة زمن 

كي يستريح الفرح في الأثناء 

فلا يمل ثقل الهواء 

لكنه قد خالف الإشارة 

لما أراد يُظهر الشطارة 

وطار في الفضاء حتى ارتفعا 

فخانه جناحه فوقعا 

فانكسرت في الحال ركبتاه 

ولم ينل من العلا مناه 

ولو تأنى نال ما تمنى 

وعاش طول عمره مهنا 

لكل شيء في الحياة وقته 

وغاية المستعجلين فوته!

هذه قصة رمزية للذي يستعجل في أموره، وفي حكمه على الأشياء، وفي تقييمه للأفكار والأشخاص، ولا يتأني حتى يتبين الصواب، ويتثبت من الأمر، وتلك العجلة طبع في كثير من الناس، وقد قال تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ﴾ (الأنبياء: ۳۷)؛ يعني طبعه العجلة في الأمر، حتى إنه ليستعجل الهلاك؛ ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (الإسراء: 11)، ولكن من رحمة الله تعالى به أنه لا يعجل له الشر الذي يريده، بل يمهله ويريه الآيات، ويعطيه الفرصة بعد الفرصة؛ ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (يونس: 11).

والعجول كثير الوقوع في الخطأ، قليل التقدير لعواقب الأمور، ومن كلام الحكماء: «إياك والعجلة، فإنها تكنى أم الندامة، لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، ويحمد قبل أن يجرب ولن تصحب هذه الصفة أحدًا إلا صحب الندامة وجانب السلامة».

وقد رأينا كيف أن استعجال سيدنا موسى عليه السلام فوت عليه وعلينا معرفة المزيد مما يفعله الخضر عليه السلام، حتى إن النبي ﷺ يقول فيما أخرجه البخاري: «وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى صَبَرَ حَتَّى يُقَصُّ عَلَيْنَا مِنْ أمرهما».

لهذا فقد دعا النبي ﷺ إلى التأني، وذم العجلة، فأخرج أبو يعلى أنه ﷺ قال: التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وفي رواية الترمذي: «الأَناةُ مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَة مِنْ الشيطان»، وأخرج أبو داود عن النبي ﷺ قال: «التؤدة في كل شَيْءٍ خَيْرٌ، إِلَّا فِي عَمَلٍ الآخرة». 

قد يدرك المتأني بعض حاجته               وقد يكون مع المستعجل الزلل

ومن أسوأ ما تقع فيه العجلة التسرع في الحكم على الأمور من غير وقوف على حقيقتها وظروفها، ولا مراجعة لما وراءها، بل يحمل حب الشهرة والظهور البعض على التعليق على ما لا علم له به، وانتقاد ما لا وقوف له على حقيقته وأبعاده، فإذا ما اتضحت الأمور وبانت الحقائق وجدته كمن امتلأ فمه ماء لا يكاد ينطق، والأعجب أن يتكرر هذا من الشخص مرات عديدة ولا يفكر في مراجعة هذا المنهج الفاسد في النظر إلى الأمور وتقييم الوقائع والأشخاص.

ومن أسوأ ذلك أيضًا مسارعة البعض إلى الرد على الكلام قبل أن يتمه قائله، بل قبل أن يفهم ما يقصده قائله، فيفترض أن المتكلم يقصد شيئًا ما ويأخذ في انتقاده، وهو بعيد كل البعد عما قصده المتكلم، ولله در يحيي بن خالد البرمكي الذي أوصى ابنه جعفرًا فقال: لا ترد على أحد جوابًا حتى تفهم كلامه فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره، ويؤكد الجهل عليك، ولكن أفهم عنه، فإذا فهمته فأجبه، ولا تتعجل بالجواب قبل الاستفهام، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم؛ فإن الجواب قبل الفهم حمق. 

ما رأيك -عزيزي القارئ- فيما يفعله كثير من المنتقدين للرئيس «د. محمد مرسي»، حيث اتهموه بعدم الثورية لأنه قبل أن يخوض الانتخابات في ظل حكم العسكر، وزعموا أنه لن يسقط حكم العسكر، ولن يسقط الإعلان الدستوري المكبل، تنفيذًا الصفقة مزعومة عقدها الإخوان مع العسكر، ولن يقدم للثوار شيئًا ولن يخرج معتقليهم من السجون، ولن يحافظ على دماء الشهداء، وإذا بالرئيس «مرسي» بعد أناة وحكمة ومشاورة لأهل الرأي يفاجئهم في الوقت المناسب بإسقاط حكم العسكر الذي استمر نحو ستين عامًا، وبإسقاط الإعلان الدستوري المكبل، وبالعفو عن كل الثوار المعتقلين والمحكومين، وغير ذلك من القرارات التي لم يكن غير «مرسي» ليقتحمها ويتخذها، فتمتلئ الأفواه ماء، ويبدأ طابور الذين يلتمسون العيوب في اختراع عيوب جديدة والبحث عن شيء يستمسكون به المحاصرة الرئيس والتدليل على فشله، والأدهى أن بعض من كان يطالب الرئيس «مرسي» بالتعجيل باتخاذ هذه القرارات هم من انتقدوها أو عابوها!

إن الحكمة تقتضي وضع الشيء في موضعه، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب حتى يتحقق به الغرض المقصود فربما كان الاستعجال بقرار ما قبل أوانه، سببًا في فساد كبير، لكنه حين يصدر في توقيت مناسب يحقق مكاسب عظمى للأمة:

إذا لم تستطع أمرًا فدعه              وجاوزه إلى ما تستطيع

وفي هذا الإطار، جاءت قرارات الرئيس «مرسي» في توقيتاتها المناسبة، ونأمل أن تأتي سائر القرارات كذلك حتى تتحقق كامل أهداف ثورتنا العظيمة في وقت قريب بإذن الله تعالى.

وهنا أذكر -فقط من باب التذكير لا غير- بموقف من السيرة النبوية العطرة، فقد كان عبدالله ابن أبي زعيم المنافقين يؤذي رسول الله ﷺ، وكان عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم يستأذنون في قتله، فيرفض النبي ﷺ، ويترك الناس -بمن فيهم آل عبد الله بن أبي- يكتشفون الحقيقة حتى صار الجميع هم من يعاتبه ويوبخه، ففي سيرة ابن هشام: «وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قَوْمَهُ هُمُ الَّذِينَ يُعاتبونه ويأخذونه ويعفونه، فقَالَ رَسُول الله ﷺ عمر بن الخطاب، حين بَلَغَهُ ذلك من شأنهمْ: كَيْفَ تَرَى يَا عُمَرُ، أَمَا والله لو قتلتُه يَوْمَ قُلْتَ لِي اقْتَلَهُ لأَرْعِدَتْ لَهُ أَنفُ لَوْ أَمَرْتَهَا الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ لَقَتَلْتُهُ قَالَ عُمَرُ: قد والله الله ﷺ عَلِمْتُ الأَمر رَسُولِ الله : أَعْظَمُ بركة مِنْ أَمْرِي»، إنها الحكمة التي يتعلم منها الرئيس «مرسي» وكل من يريد أن يسير بأمته نحو الاستقرار والنهوض بشكل صحيح أن يتخذوا القرار في الوقت المناسب:

إذا هبت رياحك فاغتنمها                 فإن لكل خافقة سكون

لا يعني هذا أن نقف صامتين في انتظار القرارات التي يتخذها الرئيس والحكومة، بل إن دورنا أن ننير الطريق أمامهم بآرائنا و مشورتنا وتصحيحنا لما ترى من أخطاء، وأن نطالبهم دائمًا بالشفافية وتوضيح ما يمكن توضيحه من الحقائق حتى تسهم معهم في بناء رؤية صحيحة للحدث والتعامل المناسب معه، والتفهم الواضح لما قد يكون من تأخير أو تأن في أمر من الأمور.

ومرحبًا بالمعارضة التي تبحث عن مصالح الأمة وتمد يدها للإصلاح، وأما الذين يعتبرون المعارضة رفضًا لكل ما يصدر عن الرئيس والحكومة ولو كان حقًا وفي صالح الأمة فنقول: سلامًا.

■ الصبر على البلاء

إن العبد إذا صبر على البلاء فإنه ناتج عن عوامل وأسباب جعلته من الصابرين المحتسبين، وهذه الأسباب هي:

- مشاهدة جزائها وثوابها.

- شهوده حق الله تعالى عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة.

- شهود ترتبها عليه بذنبه كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: 30)، وقول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: «ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة».

- أن يعلم أن الله تعالى قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوف قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدى الحق.

- أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم به فليصبر على تجرعه، ولا يتقيأ بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلًا.

- أن يعلم أن في عاقبة هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل دونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومراراته فلينظر إلى عاقبته وحسين تأثيره، يقول الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ﴾ (البقرة: 216). 

- أن يعلم صاحب البلوى أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ فإن ثبت اصطفاه واجتباه، وخلع عليه خلع الإكرام، وألبسه ملابس الفضل، وجعل أولياءه وحزبه خدمًا له وعونًا له، وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طرد وصفع قفاه وأقصي وتضاعفت عليه المصيبة.

- أن يعلم أن الله تعالى يربي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال، فإن العيد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبد السراء والعافية الذي يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمان به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه؛ فليس هؤلاء من عبيده الذين اختارهم لعبوديته، فاللهم اجعلنا من الصابرين المحتسبين.

علاء صالح سعد

الرابط المختصر :