; أفغانستان وتحديات النصر | مجلة المجتمع

العنوان أفغانستان وتحديات النصر

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1992

مشاهدات 63

نشر في العدد 1007

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 14-يوليو-1992

وسط هدوء مشوب بالحذر تسلم البروفيسور برهان الدين رباني يوم الإثنين ٢٩ يونيو الماضي مقاليد السلطة في أفغانستان بعد مراوغات استمرت قرابة الشهرين من صبغة الله مجددي الذي اختير في الثامن والعشرين من أبريل الماضي رئيسًا مؤقتًا للمجلس الانتقالي للسلطة في أفغانستان في أعقاب سقوط النظام الشيوعي الذي استولى على السلطة بانقلاب عسكري عام ۱۹۷۸ .

مهمة رباني

من الواضح أن مهمة البروفيسور رباني لن تكون سهلة أمام تركة مثقلة بالتحديات والعقبات التي تجعل مستقبل أفغانستان محفوفًا بالمخاوف والمخاطر، لكن الرجل الذي حنكته التجربة الجهادية بأبعادها العسكرية والسياسية منذ هجرته إلى باكستان فارًّا من نظام كابل عام ١٩٧٤ وحتى الآن ربما تعطيه بعدًا يستطيع من خلاله أن يتجاوز جانبًا من هذه التحديات لكن ذلك لن يتم إلا من خلال تعاون وثيق ودعم أساسي من رفاق دربه الذين شاركوه الطريق من أوله وعلى رأسهم البروفيسور سياف والمهندس حكمتيار والشيخ يونس خالص وغيرهم من الغيورين والمخلصين الذين عاشوا على أمل رؤية الراية الإسلامية ترفرف في سماء كابل.

ولعل أهم تحديات النصر التي تواجه الرئيس الجديد لأفغانستان تتمثل في:

1- الميليشيات والأحزاب المسلحة:

وجود السلاح وبكميات كبيرة ونوعيات مختلفة تصل إلى حد امتلاك طائرات عسكرية ودبابات وصواريخ وآليات في أيدي الأحزاب والميليشيات واستيلاء هذه المنظمات والأحزاب على مساحات واسعة من الأرض تديرها بطريقتها الخاصة بعيدًا عن السلطة المركزية هذه الكميات الكبيرة من الأسلحة تضع الحكومة المركزية في وضع حرج من حيث فرض سيطرتها على الأوضاع كما تجعل وميض النار مشتعلًا دائمًا تحت الرماد مما يجعل مستقبل البلاد محفوفًا بالمخاطر من كل هذه الفئات التي من الصعب أن تتنازل عن هذه الأسلحة بسهولة وتصبح المهمة الرئيسية للحفاظ على وحدة البلاد وأمنها وتماسكها تتمثل في نزع هذا السلاح أو استيعاب المسلحين على الأقل وكلا المهمتين تدخلان ضمن المهمات الصعبة للرئيس ربَّاني الذي قام بالفعل في أوائل يوليو الجاري بتشكيل قوات من الجيش والداخلية قامت بطرد الميليشيات المسلحة خارج العاصمة كابل إلا أن القصف الصاروخي الذي تعرضت له كابل في الرابع من يوليو الجاري وأسفر عن عشرات القتلى والجرحى يعكس أهمية نزع السلاح من الميليشيات والأحزاب ووضعه تحت سلطة الدولة.

* كما كانت الأمة الإسلامية مع الأفغان في جهادهم، على المسلمين أن يكونوا معهم أيضا في انتصارهم

2- إعادة البناء والإعمار:

ما يقرب من خمسة عشر عامًا من الحروب والدمار قضت على الأخضر واليابس في البلاد واستنزف السوفييت ثرواتها وخيراتها وأصبحت مدينة بمئات الملايين من الدولارات ودمرت بنيتها الاقتصادية وأزيلت قرى بكاملها من الوجود هذا الدمار الشامل في بنية البلاد يمثل تحديًا كبيرًا من تحديات النصر إذ إن إعادة الإعمار لبلد فقير بحاجة إلى مئات الملايين من الدولارات علاوة على الخبرات الفنية والأيدي العاملة الماهرة حيث إن سنوات الجهاد شغلت معظم الشعب الأفغاني عن الدراسة أو تعلم الفنون الصناعية وهنا يدخل دور أعضاء الجهاد ومؤيديه والحكومات الإسلامية في مساعدة الحكومة الوليدة بما تستطيع.

3- العلاقات الخارجية:

يمثل إعادة بناء العلاقات الخارجية لأفغانستان أيضًا تحديًا هامًا أمام السلطة الجديدة من زاويتين: الأولى أن أفغانستان قد خسرت كثيرًا من علاقاتها الخارجية بعد احتلال السوفييت لها واستمرار الشيوعيين في السلطة طوال السنوات الماضية.

الثانية: هي محاولات الغرب تصنيف أفغانستان الآن بعد نجاح المجاهدين في إنهاء الوجود الشيوعي ضمن إطار الدول ذات التوجهات الأصولية- على حد زعمهم- وبالتالي التعامل مع حكومتها من خلال أُطُر ونظم وخاصة ينظم الغرب وحلفاؤه من خلالها وسائل وأساليب استفادته من الدول التي يتعامل معها، وهذا الأمر يمثل تحديًا هامًّا في قدرة الحكومة الأفغانية الجديدة على تجاوز هذه العقبات والمخاوف من خلال أسلوب أدائها الذي لا يخرج عن إطار مبادئها وأهدافها التي قام الجهاد من أجلها منذ ما يزيد على خمسة عشر عامًا فنجاح الحكومة الإسلامية في أفغانستان في بناء علاقات خارجية قوية لا تخالف المبادئ الإسلامية هو نجاح للتجربة الإسلامية بالدرجة الأولى.

4- تحديات التقسيم:

فالتركيبة العرقية للبلاد والأحزاب والميليشيات المسلحة تزيد مخاوف التقسيم لاسيما وأن هناك جهات خارجية تسعى لتفتيت البلاد وعدم استقرارها لتحقيق مآرب خاصة وما يعلن من آن لآخر عن رغبة بعض العرقيات بالانفصال أو المناداة به يمثل تحديًا كبيرًا من تحديات النصر أمام الحكومة الإسلامية في أفغانستان.

5- عودة المهاجرين:

فإعادة توطيد خمسة ملايين مهاجر يمثلون أكبر هجرة في التاريخ المعاصر أمر يصعب على دولة فقيرة قهرتها الحروب أن تدبره وإذا كانت الأمم المتحدة تقوم بمنح العائلة الأفغانية العائدة ما يوازي مائة دولار أمريكي مع عدة كيلو جرامات من القمح ليستعين بها على تكاليف العودة ومشاق السفر التي تزيد أضعافًا عن ذلك، فإن معاناة هؤلاء بعد عودتهم إلى قراهم المدمرة وحقولهم المزروعة بالألغام والبطالة التي يعاني منها الكثير ستجعل الحكومة الأفغانية أمام تحدٍّ كبير من تحديات النصر.

* ستظل الألغام تحصد في الشعب الأفغاني عشرات السنين

6- الألغام:

حينما خرج السوفييت من أفغانستان خلفوا وراءهم حسب إحصاءات مختلفة بين خمسة ملايين إلى ثلاثين مليون لغم من نوعيات مختلفة ستظل حسب تصريح أحد الضباط السوفييت: «تحصد في الأفغان أكثر من خمسين عامًا»، ولا يمر يوم الآن في أفغانستان دون إصابة العديد من أبناء الشعب الأفغاني بهذه الألغام التي نتج عنها إصابة ما يزيد على مائة ألف أفغاني بعاهات معظمها بتر للأطراف، وقد تحمست الأمم المتحدة في بداية الأمر لمشروع إزالة هذه الألغام ثم انصرفت كالعادة، وبقى أمام الحكومة الأفغانية أن تحصل على الأقل على خرائط لحقول الألغام حتى تقوم بعمل أسلاك شائكة أو لافتات للتحذير منها لاسيما وأنها تملأ الأودية والسهول وطرق الناس العامة وستظل تحصد في الأبرياء عشرات السنين.

* سيظل تكوين جيش قوي يتبع الحكومة الإسلامية وليس الأحزاب أو الأشخاص هو أكبر تحد يواجه الحكومة الإسلامية في أفغانستان

7- تكوين جيش قوي:

أكبر تحد من تحديات النصر يواجه الحكومة الإسلامية في أفغانستان الآن هو تكوين جيش قوي يكون ولاؤه للحكومة الإسلامية لا لأحزاب أو لأشخاص، وهذا وحده كفيل باستقرار الأمور في أفغانستان لصالح الفكرة والمبدأ والعقيدة، لا للأشخاص والأحزاب وحينما تصل أفغانستان إلى هذه النقطة سوف تستطيع أن تتجاوز بها عقبات كثيرة وتزيل تحديات كثيرة وعوائق كبيرة تقف في طريق النصر، هذه أهم تحديات النصر التي تواجه الحكومة الإسلامية الوليدة في أفغانستان والتي تتعلق آمال ملايين المسلمين بأن يروها قوية فتية، ولا شك أن هناك تحديات أخرى كثيرة لكن تجاوز التحديات الكبرى يجعل أمر التحديات أهون، بل يزيلها من الطريق.

لكننا في الوقت نفسه لا نلقي بالعبء كله على الأفغان وحدهم، فكما كانت الأمة كلها معهم في جهادهم عليها أن تكون معهم أيضًا في انتصارهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
الرابط المختصر :