; أهمية المصدر السماوية والطابع الديني.. قراءة تحليلية للموسوعة العصرية للفقه الجنائي الإسلاميِّ (٢) | مجلة المجتمع

العنوان أهمية المصدر السماوية والطابع الديني.. قراءة تحليلية للموسوعة العصرية للفقه الجنائي الإسلاميِّ (٢)

الكاتب الدكتور توفيق الشاوي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-2000

مشاهدات 69

نشر في العدد 1426

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 14-نوفمبر-2000

  • استقلال الشريعة يقدم العلاج الذي تبحث عنه الشعوب لمواجهة تيارات الحكم الشمولي

تواجه شعوب العالم في الوقت الحاضر طوفان الحكم الشمولي الذي يفتح للدولة والمسيطرين عليها باب التحكم في مصائر الأفراد والجماعات سواء من الناحية الاقتصادية والمعيشية أم من الناحية الاجتماعية والسياسية، أم من ناحية الإعلام والثقافة. 

كثير من الشعوب تواجه هذا الخطر السياسي بحركات سياسية مضادة قد تكون نتيجتها في الغالب أن ينتصر ظالم على ظالم، وتتواصل سلسلة الانقلابات والنظم الشمولية التي لا تنتهي.

وشعوبنا تبحث عن نقطة الانطلاق التي يمكن منها أن نواجه هذا الطوفان الشمولي الذي يتخذ القانون الوضعي سلاحاً للاستبداد والطغيان.

 وشريعتنا تزودنا بأصول تشريعية ومبادئ عقدية تستمدها من مصادرها السماوية وتمكن الشعوب من اقتلاع جذور الخطر الاستبدادي، إذا التزمت بسيادة الشريعة واستقلالها عن الدولة ونزعت من يد الدولة سلاح القانون الوضعي.

 إن بعض أصدقائنا يهولهم هجوم أعدائنا الذين يعيبون على شريعتنا أنها تنبع من أصول دينية، وهي بذلك تختلف عن القوانين الوضعية التي تعبر عن إرادة الدولة، ولما كانت الدول تتغير كل يوم بفعل الانقلابات الداخلية والضغوط الأجنبية والعدوان المتكرر، فإن كل دولة تريد أن تصنع القوانين أو الدساتير الوضعية التي تحقق لها البقاء والقضاء على كل محاولة الإصلاح نظمها أو تعديلها.

ونحن على العكس من ذلك دافعنا عن هذا الطابع الديني في شريعتنا والمصدر الإلهي لأحكامها، لأنه أساس استقلال الشريعة عن الدولة، ويحرم الدول المستبدة من استخدام سلطتها التشريعية للبغي والطغيان.

 لقد توصلت الفنون العسكرية إلى أن أحدث أسلحتها هي الصواريخ البعيدة المدى، ومهما يكن الهدف البعيد الذي يصل إليه الصاروخ فإنه لا بد أن يكون له قاعدة للانطلاق منها تكون بعيدة عن الهدف بقدر قوة الطاقة التي تدفعها.

وفي نظرنا أن قاعدة الانطلاق لوقف تيار الحكم الشمولي هي العقيدة الدينية التي يستطيع بها الفرد، والمجتمع أن يواجه موجات الطغيان الشمولي المتوالية التي تهدد أسس المجتمع وتزعزع جذور القيم الثابتة التي عاشت عليها الإنسانية قروناً طويلة. 

إن نقطة الانطلاق وقاعدته في شريعتنا الثوابت العقدية والقيم الأخلاقية والأصول التشريعية التي توفرها لنا شريعتنا، ويجب علينا أن نستفيد منها ونقدمها للعالم الذي هو في أشد الحاجة إليها في العصر الحاضر والعصور المقبلة. 

كثيرون لا يعرفون أن الإيمان باليوم الآخر هو القاعدة الصلبة التي يقوم عليها صرح فقهنا الجنائي الإسلامي الذي يتميز على ما يسمى بالقوانين الوضعية بأنه ينطلق من فكرة الجزاء الأخروي، التي تغني عن الجزاء الجنائي في كثير من الأحيان ليكون دوره محصوراً في أن يكون مكملاً للقيم العقدية والأخلاقية التي تستمد من الإيمان بالله واليوم الآخر والتي تؤدي إلى الالتزام الطوعي بأحكام التشريع الإسلامي. 

في الجزء الأول من هذه الموسوعة العصرية بينا أن الجزاء الأخروي هو الأساس الأول الإصلاح الفرد والمجتمع، وأن أول أسس التجديد في تشريعنا الجنائي هو أن ينطلق من قاعدة الإيمان بالجزاء الأوفى يوم القيامة، وأن الجزاء الدنيوي لا يمكن أن يغني عن هذا الإيمان الذي هو الضمان الوحيد لصلاح الفرد والمجتمع، ولهذه القاعدة دورها في تجديد فقهنا وتطويره رغم ما يتوهم البعض من الزعم بأنها تتعارض مع حركة التطور ومستلزماتها التي تعني في نظرهم عدم الثبات.

 وأول مزايا الطابع الديني الذي نفخر به هو استقلال التشريع عن سلطة الحكام وتطورات نظم الحكم المتقلبة وغير المستقرة، وتيارات الحكم الشمولي الذي يتخذ التشريع الوضعي سلاحاً للقمع والاستبداد والطغيان. 

إن استقلال الشريعة عن الدولة هو المميز الأساسي لتشريعنا، وهو يقدم لشعوب العالم كله العلاج الذي يبحثون عنه المواجهة تيارات الحكم الشمولي الذي تتخذه السلطات في كثير من الدول وسيلة لفرض استبدادها وطغيانها، وتتخذ الدساتير والقوانين الوضعية سلاحها في فرض مزيد من الاستبداد والطغيان الذي لا حدود له، والذي تشكو منه جميع الشعوب وتبحث عن وسيلة لمواجهته، فعلينا أن نبين لهم أن عندنا العلاج الشافي لمواجهة هذا الخطر.

وبهذا يكون الطابع الديني في شريعتنا مزية لا يجوز أن نفرط فيها من أجل مسايرة تيارات التطور العصري.

وهناك مزايا أخرى للطابع الديني سنعرضها في مواضع مختلفة، حيث إن القيم الاجتماعية والإنسانية الثابتة ضرورية لقيام المجتمع الصالح الذي يهدده خطر التسيب الأخلاقي، وانطلاق الأهواء الجنسية، لدرجة أدت إلى تجاهل حصانة الأسرة وتقنين الشذوذ الجنسي والدفاع عنه باعتباره حرية ديمقراطية. 

 

الرابط المختصر :