العنوان الجزائر ..تفسير الأحداث علي المزاج الرسمي
الكاتب عبدالمنعم سليم جبارة
تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
مشاهدات 65
نشر في العدد 1065
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 07-سبتمبر-1993
الجزائر.. تفسير الأحداث على المزاج الرسمي
·
علي كافي: لا مجال للنظام الديمقراطي في الجزائر لأنه يوصل
الإسلاميين للسلطة
·
في ظل النظام الشمولي لم تجن الجزائر غير الضياع والفساد والتخريب
الحوار الذي دار في اللقاء الذي تم ترتيبه
للسيد علي كافي، رئيس المجلس الأعلى الحاكم في الجزائر إبان مشاركته في القمة الإفريقية
الأخيرة في القاهرة، كان حوارًا من طرف واحد هو الطرف الرسمي.. إذ لم يُفسح المجال
لمشاركة أحد من ممثلي الصحف المعارضة أو من ممثلي الرأي الآخر. كما أنه أوصد الباب
تمامًا وكالعادة دون مشاركة من ممثلي التيار العريض العميق الجذور في مصر وهو
التيار الإسلامي.
ومن ثم فلم يكن غريبًا أن يتمخض عن ترديد
للمقولات الرسمية وتفسير للأحداث والوقائع على المزاج الرسمي في افتقار تامٍّ
للمنطق الصحيح ومجافاة تامة للحقائق، ومع افتئات مذهل على الحقيقة والواقع الذي
يعيشه الناس ويحبونه.. حتى اللمحات أو الفلتات التي جاءت على الهامش من قبل اثنين
من المشاركين غلب عليها ما هو أكثر من الاستحياء فضاعت في غمار محاولات التجميل أو
محاولات ذر الرماد على القبيح.
فالرئيس علي كافي -وهو لا يعدو الواجهة التي
تختفي وراءها القوة الحقيقية التي تمسك بزمام الأمور في الجزائر وهم العسكر- أفصح
عن توجهات الحكم الحقيقية في الجزائر حين قال في مقدمة حديثه: «إن المجلس الأعلى
الحاكم لن يضحي بالجزائر من أجل الديمقراطية».
ومعنى هذا أنه إذا كانت الديمقراطية تعني حرية
الإنسان في التعبير، وحقه في الاختيار، مع اتساع الساحة للرأي والرأي الآخر، ورفع
القيود التي تحول دون تشكيل الأحزاب أو إصدار الصحف، وضمان حق الناس في الانتخاب
والترشيح على كافة المستويات، وضرورة وجود سلطة للمحاسبة والمراقبة وسلطة لتأكيد
الحقوق ومنع العدوان والتجاوز؛ فإن معنى حديث السيد علي كافي أنه لا مجال للنظام
الديمقراطي في الجزائر، وذلك بقرار من المجلس الحاكم. والحجة أكثر من متهافتة بل
صارت مفضوحة لطول ما رددتها وترددها الدكتاتوريات في عالمنا الإسلامي.
فالنظام الجزائري يزعم أن إطلاق الحريات
وكفالة الحقوق، وتأكيد المساواة وإتاحة الفرصة للشعب كي يختار من يشاء يعني ضياع
الجزائر؛ لأن الذين يرفعون رايات الإسلام في الجزائر، ويسعون لتطبيق نظامه ومنهجه،
سيستغلون الديمقراطية للقفز على السلطة وإزاحة الآخرين ثم إزاحة الديمقراطية. ولأن
المشاركين في الحوار أو المدعوين للحوار أو الاستماع غلب عليهم الطابع الرسمي أو
حكمهم الإطار الرسمي، ولأن جلهم معروفون بموقفهم من الإسلام كنظامٍ ومنهجٍ ومن
التيار الإسلامي كقوةٍ شعبية تحمل شعاراته، وتعمل لتطبيقه ونشر مفاهيمه.. فإن ثمة
ملاحظة واحدة لم تبدر من أي منهم إزاء رفض علي كافي للحريات والديمقراطية في
الجزائر.
وما أعلنه علي كافي من رفض للديمقراطية في
الجزائر تحت زعم أن تطبيقها يعني التضحية بالجزائر، يضع الرئيس الجزائري والمجلس
الأعلى أمام عديد من التساؤلات:
- فالنظام
الجزائري الحالي -وهو نظام بكل ملامحه وسياساته وتوجهاته وبتركيبته واستناده
للعسكر- يعتبر في نظر المراقبين والمحللين المحايدين امتدادًا لنظام بومدين
الديكتاتوري، أي أنه امتداد لنظام ظل ومازال يحكم الجزائر على مدى ثلاثين عامًا
-منذ إعلان الاستقلال حتى اليوم- وهو نظام ديكتاتوري أعلن الحرب على الحريات
والديمقراطيات وأحكم القبضة من خلال أجهزة أمنه على الرقاب، وهمش الشعب تمامًا.
- وعلى
مدى هذه الأعوام الطوال، وفي ظل هذا النظام الشمولي، ما جنى شعب الجزائر غير
الضياع، فقد لحق به المزيد من التخريب والفساد والمزيد من الفقر والبؤس، رغم
أن الجزائر بلد غني ثري بموارده وإمكاناته.
فإذا كانت الجزائر قد وصلت إلى مستنقع الضياع
خلال الأعوام الثلاثين من الحكم الشمولي المعتمد على العسكر وأجهزة القهر والبطش،
فأي ضياع يخشى منه السيد علي كافي على الجزائر إذا طبقت الديمقراطية وسمحت للناس
بحق وحرية الاختيار والسعي لإيجاد المجالس الشرعية المنتخبة في نزاهة، ودون تزوير
لتحاسب وتراقب وتراجع وتقوم؟!
إن السيد علي كافي لا يستطيع أن ينكر أن
الجزائر قد عاشت أعوام الاستقلال تحت الحكم الشمولي.. لا ديمقراطية ولا أحزاب، ولا
مجال ولا مكان لحرية الرأي والفكر والاختيار. فالرأي هو رأي بومدين.. والقول هو
قول بومدين.. وقد قال الرئيس الجزائري: «في ظل النظام الشمولي لم تجن الجزائر غير
الضياع والفساد والتخريب».
وفي الحوار: «إن العيب أو الخطأ الأكبر كان في
الاعتماد على الحزب الواحد خلال هذه السنوات»، كما قال السيد رضا مالك، عضو المجلس
الأعلى ووزير الخارجية والذي كان حاضرًا في اللقاء: «إن الفساد استشرى وانتشر خلال
هذه السنوات»؛ فهل جنت الجزائر غير الضياع والدمار؟!!
إنه إذا كانت هناك ثمة ومضة أضاءت ليل الجزائر
المظلم الذي امتد أعوامًا طوالًا طوالًا، فهي التي بزغت في آخر عهد الشاذلي بن
جديد، حين سمح بالتعددية وأفسح المجال للتيار الإسلامي كي يمارس دوره الوطني دونما
قيود أو قوانين استثنائية، كما أفسح المجال أمام كل التيارات كي تمارس دورها على
الساحة السياسية.. وتبقى الكلمة للشعب وحده كي يختار.
وبالطبع فقد تأكد من خلال التجربة القصيرة ومن
خلال الانتخابات الحرة التي جرت خلالها، أن الناس في الجزائر قد ضجوا وسئموا الحكم
الشمولي، وتأكد لديهم أن ضياعهم إنما جاء على يد الديكتاتورِ وفي ظل مصادرة
الحريات، كما أكدوا أن سنوات القهر والضنك والفقر لم تستطع أن تصرفهم عن طموحاتهم
أو تبدل أو تغير رؤياهم.. بل دفعتهم للمزيد من الانحياز لأصالتهم وهويتهم.
وهذا ما دفع جهات في الداخل والخارج للتحرك
لوأد الصحوة والقضاء على اليقظة، وهي في نفس الوقت تكيل الاتهامات أو تصدر
التحذيرات.. فالإسلاميون هم الخطر الداهم الذي يهدد بالقفز على السلطة، وهم الخطر
الذي يهدد الوحدة، ولا بد من حماية الجزائر من الديمقراطية.. وذلك بإلغاء
الديمقراطية حتى لا تكون سبيلاً ووسيلةً للإسلاميين وصولاً للسلطة.. ثم الإجهاز
على الديمقراطية نفسها.
ومن هنا جاء قول الرئيس علي كافي: «إننا لن
نضحي بالجزائر من أجل الديمقراطية».. وقد أكد ذلك رضا مالك، عضو المجلس ووزير
الخارجية الجزائري، إبان زيارة له لسويسرا منذ وقت قريب حين قال: «إن إجراء
انتخابات حرة في الجزائر يعني فوز جبهة الإنقاذ بها، وهذا أمر غير مطلوب.. وغير
مرغوب». إلا أن التذرع بغير المطلوب أو المرغوب يصبح حجة لا تنفع ولا تشفع.. بل
تبطل الإجراءات السلطوية، وتدين السلطة والسلطان.
وما أعلن عنه علي كافي في القاهرة يوازي ما
أعلنه بلعيد عبدالسلام رئيس وزراء الجزائر حين قال في مؤتمر رابطة أبناء الشهداء
في الجزائر: «إننا لا نستطيع أن نهمل ثلاثة ملايين ونصف مليون جزائري أعطوا في
الانتخابات أصواتهم لجبهة الإنقاذ، فهم قد أعطوها خطأً إلا أنهم أخطأوا بحسن نية
وطيب قصد».
هكذا تفسر النظم الشمولية الوقائع. وهكذا تلف حول الحقائق، ولا يهم أن تظل الجزائر الوطن والشعب تدفع الثمن... صدامًا مسلمًا، أو دماءً تنزف أو حقولًا تحترق أو أرواحًا تُحصد؛ فقد أبى النظام إلا أن يواصل الأسلوب الشمولي استئثارًا بالسلطة.. والسلطان. وكأن لسان حاله يقول: ولو على حساب الجزائر وكل الجزائريين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل