العنوان ملوك الآخرة: الصفة العشرون علو الهمة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 18-سبتمبر-2010
مشاهدات 85
نشر في العدد 1919
نشر في الصفحة 49
السبت 18-سبتمبر-2010
تناولنا في العدد السابق الصفة التاسعة عشرة، وهي تكوين الأسرة الصالحة ونتناول في هذا العدد الصفة العشرين وهي «علو الهمة».
يقول الإمام ابن القيم الهمة فعلة من الهم، وهو مبدأ الإرادة، ولكن خصوها بنهاية الإرادة، فالهم مبدؤها، والهمة نهايتها(1)، وهم عباد الرحمن رضا الله ثم الجنة، فهذا الذي يدفعهم للعمل.
أئمة المتقين
عباد الرحمن لا يدعون الله تعالى بأن يكونوا صالحين فحسب، بل يطلبون من الله أن يكونوا أئمة للصالحين، ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾(الفرقان: 74)، وهذا يدل على اتصافهم بالهمة العالية التي تأبى إلا القمة في الخير، وفي كل ما يقربها من رب العالمين ثقة بالله، ثم ثقة بأنفسهم.
يقول الإمام الرازي الأقرب أنهم سألوا الله تعالى أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم، ويقتدى بهم، قال بعضهم في الآية ما يدل على أن الرئاسة في الدين يجب أن تطلب، ويرغب فيها (2).
تفاوت الهمم بتفاوت المنازل
خلق الله تعالى ثماني جنان بحسب همم العباد، وخلق عدة أبواب في هذه الجنان بمقدار همم العباد، وخلق درجات عديدة يرتقي فيها الخلق بحسب هممهم في الدنيا وهذه المنازل والدرجات في الآخرة إنما تنال على مقدار همم أصحابها، وصاحب الهمة العالية لا يرضى إلا بالكمال.
ومن الناس من خلقت لهم همم قاصرة في الدنيا عن طلب الفضائل، ويتفاوت قصورها فمنهم من يحفظ بعض القرآن ولا يتوق إلى التمام، ومنهم من يسمع يسيرًا من الحديث ومنهم مقتصر على الفرائض، ومنهم قنوع بصلاة ركعتين في الليل، ولو علت بهم الهمم لجدت في تحصيل كل الفضائل.
ويدل على تفاوت الهمم أن في الناس من يسهر في سماع سمر، ولا يسهل عليه السهر في سماع القرآن والإنسان يحشر ومعه تلك الهمة فيعطى على مقدار ما حصلت في الدنيا (۳).
طلب الكمال كمال
بينما عباد الرحمن لأنهم أصحاب همم عالية فإنهم يتوقون إلى الكمال، لينالوا الدرجات العالية في الآخرة، يقول الإمام عبد الحميد بن باديس: طلب الرتب العليا في الخير والكمال والسبق إليها، والتقدم فيها، مما يدعونا إليه الله، ويرغبنا بمثل هذه الآية كما قال تعالى، ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: 48)؛ لأن طلب الكمال كمال، ولأن من كانت غايته الرتب العليا، إن لم يصل إلى أعلاها لم ينحط عن أدناها، وإن لم يساو أهلها لم يبعد عنهم، ومن لم يطلب الكمال بقي في النقص، ومن لم تكن له غاية سامية قصر ف السعي وتوانى في العمل (4).
لا يطلبون الرئاسة
وقد يظن ظان أن عباد الرحمن يتوقون إلى الرئاسة لمجرد الرئاسة، وهذا ظن يجانب للصواب، فإنهم لا يريدون هذه القمة لهوى النفس، أو رغبة في أن يشار إليهم بالبنان أو ليباهوا به العلماء.
إنهم يريدون القمة حتى يقتدى بهم بالخير، فتزداد منازلهم في الآخرة، وهذا ما قاله ابن مجاهد في تفسيره للآية: تأتم بمن قبلنا حتى يأتم بنا من بعدنا(5).
فطلب الرئاسة في الدين هاهنا ليس للدنيا، بل للآخرة.
نماذج من الهمم العالية
تورم قدماه تقول زوجة التابعي الجليل مسروق: كان مسروق يصلي حتى تورم قدماه فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه (6).
- لا تبكي يا بنتي: جاء في ترجمة الإمام الحافظ المقرئ القدوة عبد الله بن إدريس أنه لما نزل به الموت بكت بنته فقال: لا تبكي يا بنية، فقد ختمت القرآن في هذا البيت، أربعة آلاف ختمة(7).
- حتى تغيب الشمس يروي الإمام الأوزاعي عن العابد حسان بن عطية أنه كان يتنحى إذا صلى العصر في ناحية المسجد فيذكر الله عز وجل حتى تغيب الشمس (۸).
يقرأ ألف آية جاء في ترجمة التابعي الجليل أبي إسحق عمرو بن عبدالله، أنه لما ضعف قبل موته بسنتين فما كان يقدر أن يقوم حتى يقام، فإذا استتم قائمًا قرأ وهو قائم ألف آية، ويقول متحسرًا ذهبت الصلاة عني فلا
أقرأ وأنا قائم إلا البقرة وآل عمران (9).
وفي عصرنا نماذج
نعم لا تقتصر الهمم العالية، وطلب الكمال في الخير على جيل التابعين ومن بعدهم بل في جيلنا خير كثير، ونماذج كثيرة، وقد أحسن المستشار عبد الله العقيل في جمعها في كتابه من أعلام الحركة الإسلامية، وكذلك د. توفيق الواعي في موسوعة الشهداء، ومن بين هؤلاء العمالقة الإمام حسن البنا وهمته الكبيرة في العبادة والقيادة، والدعوة إلى الله، وقلة النوم، وكذلك الشيخ المجاهد أحمد ياسين المقعد الذي لم يكن يتحرك فيه إلا رأسه، ومع ذلك أنشأ أقوى وأعظم جماعة في العصر الحديث تقف سدًا منيعًا أمام اليهود ومنهم الداعية الكبير عبدالله العلي المطوع الذي شابه الصحابة الكرام والتابعين بكثرة إنفاقه، ولم يغره كثرة المال عن حضور أصغر الاجتماعات الدعوية ومتابعة مشكلات المسلمين في أنحاء العالم، وغيرهم كثير مازالت هذه الأمة تنتج من عباد الرحمن الذين يطلبون المعالي والقمة، إلى يوم القيامة.
الهوامش
(۱) تهذيب مدارج السالكين ص ٥٠٧.
(۲) الفخر الرازي: التفسير الكبير ١١٥/٢٤، ط دار إحياء التراث.
(۳) ابن الجوزي عبد الرحمن صيد الخاطر ص ۲۷۰، ۲۷۱، طبعة دار الفكر
(٤) عبد الحميد بن باديس تفسير ابن باديس، ص ٣٩٤، طبعة دار الفكر. (5) تفسير القرطبي.
(٦) سير أعلام النبلاء، ٦٥/٤.
(٧) المرجع السابق، ٤٤/٩.
(۸) صفة الصفوة، لابن الجوزي، ٢٢٢/٤.
(۹) سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، ۳۹۹/۵
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل