العنوان ملوك الآخرة (16)- نماذج ممن يقولون: سلامًا
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 18-يوليو-2009
مشاهدات 75
نشر في العدد 1861
نشر في الصفحة 55
السبت 18-يوليو-2009
تناولنا في العدد السابق بعض النماذج الذين يطبقون صفة،
قالوا: سلامًا، التي ترتكز على الأخلاق الثلاثة، وهي: «العفو، والصفح، والكظم للغيظ»، ونكمل في هذا العدد روائع النماذج للمطبقين
لهذه الصفة.
لماذا يعفون عن المسيء؟
يستغرب الكثير من المتابعين لتراجم العظماء ممن برزت
فيهم سيطرة متميزة للانفعالات والغضب عندما يتعرضون للاستفزاز من الجهلة عن سبب أو
دواعي هذا العفو، والأسباب التي تدعوهم للصفح عمن أساء لهم.
وقد تعمد التابعي الجليل أبو سليمان الداراني إثارة هذه
القضية مع تلميذه النجيب الزاهد أحمد بن أبي الحواري ليوجهه للأسباب الحقيقية وراء
ذلك العفو والصفح..
يقول أحمد بن أبي الحواري قال لي أبو سليمان: من أي وجه
أزال العاقل اللائمة عمن أساء إليه؟
قلت: لا أدري.
قال: من أنه قد علم أن الله تعالى هو الذي ابتلاه (1).
إذًا فتذكر هؤلاء العظماء من عباد الرحمن بأن هذه
الإساءة من ذلك الجاهل هي نوع من البلاء، وأن المبتلي هو الله تعالى، يجعلهم
يغيرون الخارطة الذهنية لهم من الانتقام إلى الاحتساب. فتكون النتيجة الحلم على
الجهول وممارسة صفة قالوا سلامًا.
وسبب آخر يذكره الإمام عليّ، يدعو المرء إلى الحلم،
وتخفيف العنف في الرد هو وقوف الناس إلى جانبه حيث يقول: أول عوض الحليم من حلمه
أن الناس أنصاره على الجهول (2).
القادمات أشد
وسبب آخر يذكره حكيم العرب الأحنف بن قيس يدعو عباد
الرحمن للصبر وتحمل من أسمعهم سيئ القول من الجهال، هو تجنب ما هو أشد منه.. إذ
يقول: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، ورب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه (3).
روائع ردود عباد الرحمن
هذه الأسباب مع احتساب الأجر والمثوبة وتذكر الخسائر
الإيمانية والدعوية والصحية التي يجنونها عند الرد يجعلهم يضربون أروع الأمثلة
التي تجعلهم كأنهم ملائكة بل أفضل في ردودهم على من يسيء إليهم من الجهال، بل ترى
وتلمس جمال صفة قالوا: سلامًا، التي تعتبر من أبرز الصفات البشرية التي يمكن أن
يتصف بها الإنسان.
أمنا تعلمنا
أم المؤمنين الصديقة ابنة الصديق عائشة رضي الله عنها
كانت صائمة، فأمرت جاريتها بريرة أن تصنع لها طعامًا لتفطر به، فتشاغلت عن ذلك حتى
مضى النهار وجاء المغرب، فلم تجد أم المؤمنين طعامًا، فالتفتت إليها وقالت وهي
تكتم غيظها: لله در التقوى لم تدع لذي غيظ شفاء(4). تحملت جوعها، وتحملت ذلك الخطأ
الكبير في حقها من خادمتها، وسيطرت على انفعالاتها خوفًا من الله تعالى عند
الإساءة، علمًا بأن في ذلك الزمان لا توجد أطعمة جاهزة تسخنها ثم تأكلها، أو خبزًا
جاهزًا، بل كل شيء يحتاج إلى مجهود كبير ليكون جاهزًا للطعام.
حبر الأمة
الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم، ولقّبه بحبر
الأمة ابن عباس رضي الله عنهما، سبه رجل، فلما فرغ قال: (5) يا عكرمة (6) هل للرجل
حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى (7).
إنهم لا يعرفون الانتقام الشخصي، ولا رد الإساءة بمثلها،
بل يقابلون السيئة بالإحسان ليسلموا من شرور الجاهلين فذلك من تطبيقات قالوا:
سلاما..
شتائم وردود
زاهد الصحابة أبو ذر الغفاري شتمه رجل وبالغ بالشتم فرد
عليه أبو ذر يا هذا لا تغرق في شتمنا، ودع للصلح موضعًا، فإنا لا نكافئ من عصى
الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه (8).
وشتم رجل الإمام الشعبي فقال له: إن كنت صادقًا فغفر
الله لي، وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك (9).
وكتب رجل إلى صديق له بلغه أنه وقع فيه:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة *** لقد سرني أني خطرت ببالك
(10)
إن النفوس إذا عظمت لا يمكن أن تقبل بالنزول ثانية إلى
الحضيض، وإن أصحاب المراتب العالية من عباد الرحمن يأبون التراجع لأنهم لا يعرفون
إلا الصعود.
إمام التابعين
كلما بلغ الإنسان المراتب العالية، واشتهر بين الناس كان
قبوله للنقد أو النصح أصعب فكيف عندما يشتم؟ ولا شك أن العفو والحلم والصفح عن أذى
الجاهلين فضيلة، وصفة من صفات عباد الرحمن، ولكنها في البارزين من الناس
والمشهورين من أعظم الفضائل.
هكذا يعلمنا أحد سادة التابعين الإمام الحسن البصري رضيع
أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، عندما بالغ في شتمه رجل فرد عليه أما أنت فما
أبقيت شيئًا، وما يعلم الله أكثر (11)، ما أجمل هذا الرد الجميل الذي في كل لفظ
فيه خلق عظيم، إنهم عباد الرحمن الذين يطبقون صفة قالوا: سلامًا...
المراجع:
(1) صفوة الصفوة، لابن الجوزي 4/224.
(2) عيون الأخبار، لابن قتيبة 1/285.
(3) عيون الأخبار 1/284، 285.
(4) الحلم لابن أبي الدنيا ص9.
(5) أي ابن عباس.
(6) تلميذ ابن عباس.
(7) الحلم لابن أبي الدنيا ص 10.
(8) العقد الفريد 2/286.
(9) العقد الفريد 2/286.
(10) العقد الفريد 2/286.
(11) عيون الأخبار 1/287.
(*) رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل