; الرؤية السياسية للعمل الإسلامي المعاصر (2) | مجلة المجتمع

العنوان الرؤية السياسية للعمل الإسلامي المعاصر (2)

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1982

مشاهدات 78

نشر في العدد 556

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 12-يناير-1982

الرؤية السياسية للعمل الإسلامي المعاصر «2»

* لماذا صار من الضروري بلورة رؤية سياسية للعمل الإسلامي؟

* الرؤية السياسية ستوظف الطاقة الإسلامية في الزمان والمكان والمجال المناسب.

* الرؤية السياسية ستحدد أولويات ومراحل العمل الإسلامي.

* من خلال الرؤية السياسية نتحاشى المعارك الجانبية التي يفتعلها أعداء العمل الإسلامي.

خلفية المجتمعات العربية:

* في عدد «المجتمع» الصادر الثلاثاء 3 ربيع الأول 1402هـ الموافق 29 ديسمبر 1981- العدد 554، حاولت أن أبين بأن العمل الإسلامي بحاجة ماسة إلى رؤية سياسية يسترشد بها وهو يتحرك في هذا العالم المتلاطم والحافل بالرؤى والأفكار والدول والمنظمات والتيارات والجيوش المتعارضة. كذلك حاولت أن أبين بأن العمل الإسلامي يستهدف تحقيق تغيير جوهري وبنيوي في المجتمعات التي يتحرك ضمنها، ولهذا- ولكي ينجح في المهمة- لابد أن يتفهم ويهضم ويحيط بالظروف والملابسات الزمانية والمكانية التي أفرزت تلك المجتمعات. فالعمل الإسلامي لا يتحرك في فراغ، بل العكس هو الصحيح، إنه يبحث عن فراغ لكي يقيم عليه كيانه السياسي المرتجى، والمجتمعات التي يتعامل معها العمل الإسلامي زاخرة بالخير والطاقات، ولكنها في نفس الوقت ضحية لعملية تلبيس تاريخي بحيث صارت لا تعي من الإسلام إلا القشر والشكل دون المضمون أو المحتوى. علاقة هذه المجتمعات بالإسلام علاقة عاطفية روحانية طقوسية، لا علاقة منهجية حياتية عقائدية شاملة. بمعنى آخر لا تنضبط حركية هذه المجتمعات اليومية في مجال التربية والتجارة والمعيشة والتبادل والتزاوج بمعايير إسلامية، بل إن لها معاييرها الوضعية وأعرافها وتقاليدها التي كثيرًا ما تصطدم بمقررات الشريعة الإسلامية وأحكامها وقواعدها المتفق عليها. ينبغي أن نعلم أن هذه المجتمعات- وإن كانت الفطرة الإسلامية كامنة فيها- ما هي إلا مجموعة تاريخية تراكمية من البشر عاثت فيها القوى المتربصة بالإسلام فسادًا وهدمًا ونقصد بالطبع قوى الاستعمار الصليبي البريطاني والفرنسي والهولندي والبرتغالي وأخيرًا الأمريكي. وبعد أن تمكنت هذه القوى من عزل الإسلام عن قيادة الأمة، كانت قد أعدت في معاهدها ومؤسساتها ومدارسها أجيالًا عربية وإسلامية الشكل، غربية علمانية القلب والتوجه والمضمون. ومن يراجع مرحلة «الاستقلال العربي» من الاستعمار المباشر يلاحظ أن ثمة حرصًا لدى قوى الاستعمار على تسليم المنطقة وأزمة أمورها إلى تلك الشريحة المجتمعية التي رباها ورعاها ودانت له بالولاء. وانتقلت هذه المجتمعات من مرحلة الاستعمار القديم إلى مرحلة الاستعمار الجديد التي نعيش الآن فيها. يتكرس الاستعمار الجديد لقوى الكفر المتربصة بالإسلام من خلال تجزئتنا السياسية وتبعيتنا الاقتصادية والثقافية والحضارية له. ولذلك وضعوا لنا قوانين في السياسة والاقتصاد والتربية والثقافة والإعلام والصناعة والدفاع والصحة والتموين تكرس هذه التجزئة السياسية والتبعية الاقتصادية والثقافية والحضارية لقوى الكفر المتربصة بالإسلام. وإقاموا الأنظمة السياسية التي تتعهد في ضبط حركية المجتمعات العربية الإسلامية في هذا الاتجاه؛ اتجاه التجزئة والتبعية. حتى حركة التنمية والتطوير لمجتمعاتنا حرصت قوى الكفر والاستعمار أن تظل ضمن هذا الإطار؛ إطار التجزئة والتبعية للمجتمعات الاستعمارية.

* هذه إذن هي خلفية المجتمعات التي يتعامل معها العمل الإسلامي المعاصر، وتلك هي الظروف التي تفاعلت تاريخيًا- في غفلة من الأمة وعبر قرون من الزمان- لتتمخض عن مجتمعات مفككة وضعيفة وبدون مؤسسات ولا حياة سياسية رشيدة ولا حريات عامة ولا سيادة قانون ولا كرامة للإنسان ولا قيمة لحياته. مجتمعات تنخر فيها أمراض التخلف والرجعية القبلية والطائفية والمذهبية والعائلية والأمية والتبعية الثقافية والحضارية والاقتصادية والشعورية للمجتمعات الأوروبية والأميركية. مجتمعات تتهيأ فيها كل الظروف للإنسان كيما يهبط وتوضع أمامه كل العراقيل إذا أراد أن يرتفع، لأن الإنسان المرتفع لا يمكن أن يقبل التبعية الشاملة التي يقبلها الإنسان الهابط. نحن إذن إزاء وضع اجتماعي واقتصادي وسياسي بالغ التعقيد وهو ثمرة لجهود استعمارية حثيثة- مازالت مستمرة- ولمدة قرون وعلى كل الأصعدة. لذلك نقول لا يمكن معالجة الوضع بخطبة مسجدية أو مقالة صحفية أو قصيدة تبكي على أطلال هذه الأمة. لابد إذن من رؤية تحدد من أين نبدأ لكي نحقق التغيير البنيوي الجوهري في اتجاه حياة إسلامية كاملة.

من أين نبدأ؟

* الانحياد عن الإسلام اليوم ليس فقط في مجال سلوك الأفراد ولو كان كذلك لهان الأمر. لكن حيدة الأفراد وابتعادهم سلوكيًا عن الإسلام نتيجة لوضع عام ومناخ نفسي وثقافي وحركي شامل يتحرك ضمنه الفرد الأعزل بالغ الحاجة إلى الانتماء الاجتماعي. الخطر الأكبر لا يكمن في هذه القضية، بل يكمن في عزوف الأنظمة السياسية- التي تحكم هذه الأمة- عن الإسلام واستمرارها في تكريس التبعية الاقتصادية والثقافية الأوروبية الأميركية. إزاء هذا الواقع يحق لنا أن نسأل: من أين نبدأ العمل الإسلامي الشامل والصحيح؟ في تصوري- والله أعلم حيث يكون الحق- أننا اليوم بحاجة للنفاذ إلى ضمير الأمة المتمثل بمستضعفيها «تنصرون بالضعفاء» واستنهاضهم وطلب نصرتهم في عملية التغيير البنيوي والجوهري التي نصبوا إليها. ولكي تتحقق عملية الاختراق هذه إلى ضمير الأمة لابد من تحرير العمل الإسلامي من أوهام اليمين السياسي الذي يحاول ويطمع في توظيف العمل الإسلامي توظيفًا سياسيًا يمينيًا مضادًا للاتجاهات الراديكالية اليسارية دون تمكينه في النهاية من تحقيق غاياته الإسلامية البعيدة المدى. يجب أن نعلم بأن اليمين السياسي اليوم في العالم العربي والإسلامي يعيش مرحلة إحتضار تاريخية ومن الخطأ الكبير جدًا أن يتحول العمل الإسلامي إلى غرفة لإنعاشه. ويجب أن نعلم أيضًا بأن موقف اليمين السياسي اليوم من الإسلام لا يختلف عن موقف المنافقين في المدينة وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول.

ذلك الخطر الكامن كمون الذئب والثعلب، وليس عبثًا أن جعلهم الله في الدرك الأسفل من نار جهنم.

* ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(النساء: 145).

* ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ، وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(المنافقون: 1-4).

* ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(النساء 60- 65).

وبعد أن يتحقق التحرر الكامل من أوهام اليمين السياسي لابد على العمل الإسلامي أن يبدأ يخترق طريقه إلى ضمير الأمة من خلال التصدي لإشكاليتين تعاني منهما الأمة أيما معاناة:

1- الإشكالية الاجتماعية الاقتصادية المتعلقة بتوزيع الثروة في الأمة الإسلامية.

2- الإشكالية السياسية المتعلقة بشيوع الطغيان السياسي في الأمة الإسلامية.

الإشكالية الاجتماعية الاقتصادية التي تعاني منها الأمة الإسلامية:

* في سلسلة المؤتمرات التي عقدت بين الشمال والجنوب وما عرف بـ«حوار الشمال والجنوب»، كان آخرها مؤتمر كانكون الذي عقد في المكسيك وحضره عدد لا بأس به من رؤساء الدول والحكومات؛ قدم تقرير للمؤتمر عن عدد الذين يموتون سنويًا في هذا العالم من الجوع وعن الدول التي ينتمون إليها. يقول التقرير الذي ترجم إلى عدة لغات ونشرت مقتطفات منه في صحافة هذا العالم إن عدد الذين يموتون من أثر الجوع وندرة الطعام حوالي خمسين مليون نسمة سنويًا في العالم. الأدهى والأمر أن الذي يتفحص أسماء الدول التي ينتمي إليها هؤلاء الجياع الأموات يجد أن معظمها دول ذات أغلبيات إسلامية أو شعوب إسلامية إذا جاز التعبير. في مقابل هذا الصورة البائسة لبعض الشعوب الإسلامية نجد أن بعض المناطق- وبالأخص البترولية- تعاني من مشكلة الفائض المالي لدرجة أنها تستثمر معظم احتياطياتها ذات الأرقام الفلكية في المصارف الأميركية والبريطانية والفرنسية والسويسرية وفي مشاريع تعود بالنفع في الأساس على المجتمعات الأوروبية والأميركية وهي مجتمعات لا تحمل لنا إلا كل احتقار وازدراء وعداء وحقد وصليبية. وصار هذا الأمر حقيقة واقعة في حياتنا إلى درجة أننا بدأنا نألفها. بل ونبرر لها رغم أنها تصطدم اصطدامًا مباشرًا مع مقررات الشريعة الإسلامية في العدالة والقسط وحرمة ولاية الكفار على المسلمين وعلى أموالهم. وبدأت عملية توزيع الثروة في مجتمعاتنا التي توصف بـ«الإسلامية» تنهج النهج الرأسمالي الصرف الذي يتوخي في الأساس الربح بكل الأساليب. وصارت الثروة والتجارة ودورة المال فيها تتركز في شرائح اجتماعية معينة تفضل استثمار أموالها أيضًا- لا في تنمية المجتمع المسلم- بل في تنمية المجتمع الأوروبي والأميركي عبر المصارف الأوروبية والأميركية. هذا التركز للثروة في شرائح اجتماعية معينة كرس التفاوت المعيشي بين الناس في المجتمع المسلم مما أثر كثيرًا وبشكل سلبي على الوحدة السياسية للمجتمعات الإسلامية. وحيث إن الأنظمة التي تحكم المنطقة الإسلامية لا تجبي الزكاة المشروعة وتوزعها على مستحقيها «الفئات الثماني» ولا تحجر على السفيه ولا تضمن الحاجات الأساسية للإنسان المسلم وليس هناك نظام للأعطيات وليس هناك قوانين تمنع الإثراء غير المشروع خاصة أن بعض المسؤولين في العالم الإسلامي أثروا بطرق غير مشروعة عن طريق استخدامهم سلطاتهم السياسية في هذا الأمر، وحيث إن الأمر في العالم الإسلامي كذلك وهو كذلك صارت المنطقة الإسلامية منطقة ظلم وظلام وهزيمة وبعيدة كل البعد عن نصر الله. اقرأ لابن تيمية هذه الكلمات المضيئة: «إن الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة» الفتاوى، ج 28 ص 62. الذي يتفحص الفقة الإسلامي المتعلق بالحقوق العامة والأموال العامة وإشراك جميع الناس في الثروة العامة ووجوب الزكاة وتدخل الدولة الشرعية الإسلامية لحماية مصالح الجماعة الإسلامية وباب الحجر على السفيه ومسئولية السلطة الإسلامية في تحقيق الضمان الجماعي للمسلمين وتقييد التصرفات الفردية بالمصالح الجماعية ومنع تنمية الثروات من الطرق غير المشروعة، الذي يتفحص كل هذا الفقه الزاخر بالاتجاه الجماعي يعجب أين العمل الإسلامي في كل هذا الفقه؟ لماذا لا يبشر به ولا يناضل من أجله؟ في تصوري أن ما طرح في هذا الباب من أبواب الفقه الإسلامي جدير بتشكيل متكأ عقائدي للعمل الإسلامي في تصديه للإشكالية الاجتماعية الاقتصادية التي تعاني منها الأمة الإسلامية. مطلوب إذن أن يحدد العمل الإسلامي موقفه من الانحراف الحاصل في توزيع الثروة داخل المجتمعات الإسلامية، فهذه قضية تمس صميم ولب العقيدة الإسلامية التي لم تنزل من السماء إلا لتحقق القسط والعدل بين الناس: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ(الحديد: 25). وفي تصوري- والله أعلم- أن طرح قضية توزيع الثروة داخل المجتمعات الإسلامية وفق معطيات الفقه الجماعي الإسلامي سوف تفتح آفاقًا لحركة جماهيرية دافقة تنصر للعمل الإسلامي وتحشد له من الدفاعات البشرية- والمؤسسية ما لم يتصوره العاملون في حقل الدعوة.

لابد إذن أن نحول الفقه الإسلامي الاقتصادي ذا النزعة الجماعية في عملية توزيع الثروة القومية إلى ثقافة شعبية إسلامية مبسطة يتداولها الناس العاديون جدًا. ويجب تحريك الواجهات النقابية للعمل الإسلامي لكي ترفع مطالبها وشعاراتها الاقتصادية وبرامجها في تعديل الانحراف الحاصل في توزيع الثروة القومية داخل المجتمعات الإسلامية التي تشكو من كل الأدواء التي تفككها ومن أهمها الظلم والاستغلال والاحتكار والابتزاز الحاصل على صعيد توزيع الثروة القومية الإسلامية والذي يتنافي مع المقررات الشرعية الإسلامية في العدالة المطلقة بين الناس. لهذا أقول لابد أن يقف العمل الإسلامي اليوم- وإزاء هذا الواقع الاقتصادي الظالم- مع كل القوانين ومشاريع القوانين التي تؤدي إلى تفتيت الثروة الوطنية على أكبر عدد ممكن من أطراف المجتمع المسلم ومع كل القوانين ومشاريع القوانين التي تستهدف استعادة الأرقام الفلكية من الدولارات المودعة والمستثمرة في أوربا والولايات المتحدة وضخها في عملية تنموية كبيرة للشعوب الإسلامية التي يموت منها سنويًا من أثر الجوع خمسون مليون نسمة حسب ما جاء في تقرير مؤتمر كانكون المكسيك في إطار الحوار بين الشمال والجنوب، وفي نفس الوقت نكرر من على منابر المساجد قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، قال أبو سعيد: فذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل». (رواه أبو سعيد الخدري وأخرجه مسلم وأحمد وأبو داوود). أفلا نستحي من الله ورسوله؟ أفلا نستحي من أنفسنا؟

الإشكالية السياسية التي تعاني منها الأمة الإسلامية:

* الذي يزور مكاتب منظمة العفو الدولية المعروفة بـamnesty ويتحدث إلى المسؤولين فيها «وهي منظمة تعني بمتابعة قضية حقوق الإنسان وأوضاع المعتقلين السياسيين في كل أنحاء العالم» يلاحظ أن تقاريرها المتعلقة بالأقطار الإسلامية حافلة بالمعلومات المأساوية. فلقد تحولت كثيرًا من الأقطار الإسلامية إلى سجون ومؤسسات للحزن الدامي. فلا شورى في الحكم ولا حرية في التعبير ولا حتى حرية في التفكير واستلاب مستمر ودائم لإنسانية الإنسان. كل القوانين في كل المجالات تحمي السلطة التنفيذية وتتوسع في منحها المزيد من السلطات الاستثنائية وذلك لتكريس سيطرتها اليومية على المسلمين في شتى أنحاء العالم. الحياة السياسية الصحيحة الرشيدة ممنوعة على الشعوب الإسلامية، فالسياسة الوحيدة المسموح بها هي السياسة الرسمية. القضاء -كمؤسسة حقوقية لعبت في دولة الراشدين أدوارًا مضيئة- صار امتدادًا للسلطة التنفيذية وذراع رعب تحت إمرتها. السجون بعد أن كانت المأوى للصوص والسفلة وقطاع الطرق والقتلة والقوادين؛ أخرجوا منها كل هؤلاء وأدخلوا فيها الشرفاء والدعاة والمناضلين في سبيل حياة كريمة والمنافحين عن حق الأمة في الاختيار السياسي والذين جهروا بأكثر من كلمة حق في وجه أكثر من إمام جائر. صار المسلمون يتمتعون بحقوق سياسية داخل أقطار الكفر والإلحاد والمادية بينما لا حق لهم في ذلك داخل أقطارهم.

* المتأمل في الفقة السياسي الشرعي يلاحظ أن الإسلام أراد فعلًا أن يبني أمة حرة كريمة تتمتع بكافة حقوقها السياسية، لا أمة خانعة ذليلة تساس كما الخراف، لا تنطق ولا ترى ولا تسمع ولا تنتمي ولا تبالي. المتأمل في فقه السياسة الشرعية ومن خلال ما طرحه فقهاؤنا أمثال ابن حزم وابن تيمية والفراء وابن القيم وعبد القاهر البغدادي والباقلاني وأبو يوسف وأبوحنيفة ومالك وأحمد وغيرهم وغيرهم يلحظ أن تصورهم لهدف وغاية الدولة الإسلامية هو إقامة العدل في حياة البشر والقضاء على الظلم والجور وإفناؤه استنادًا إلى قوله الله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ(الحديد: 25). ولقد تحدثوا مطولًا عن حقوق المسلم وغير المسلم وعن حرمة الحياة الخاصة للإنسان ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا(الحجرات: 12). وحق الاعتراض على الظلم ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ(النساء: 148). وحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يتضمن حق حرية النقد والرأي ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(المائدة: 78-79). وحق الناس- جميع الناس باختلاف أديانهم وأجناسهم وألوانهم- في أن تعاملهم الدولة معاملة متساوية ليس فيها تفضيل أو امتياز أو تفريق: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(القصص: 4). لقد تحدثوا عن كل ذلك واستنبطوا فقها سياسيًا متقدمًا لا نجد إلا نقيضه هذه الأيام في أقطار العالم الإسلامي. العدل الذي أمر به القرآن صار ظلمًا، وحرمة الحياة الخاصة للمسلم صارت مشاعًا للدولة. وحق الاعتراض على الظلم صار حقًا تمجيده والتسبيح له، والمساواة صارت تمايزًا مقننًا.

في تصوري أن العمل الإسلامي ينبغي أن يتخذ موقفًا حازمًا وحاسمًا إزاء هذه الإشكالية المصيرية وألا يقف على هامشها.

ولذا فعليه أن يقف مع تقليص صلاحيات السلطات التنفيذية ومع توسيع هوامش الحريات السياسية وحمايتها دستوريًا وقانونيًا وإداريًا ومع استقلال القضاء وخاصة الإداري وتعميق وتكريس سيادة الأمة وحقها في تقرير المصير وتأكيد حق الأمة في هذا المجال. هذا الموقف سيخدم العمل الإسلامي في اتجاهين: اتجاه عقائدي حيث إن هذا الموقف هو خير دليل على الشخصية السياسية الحرة للعمل الإسلامي؛ واتجاه سياسي حيث إن الحياة الدستورية والبرلمانية وتوسيع هوامش الحريات السياسية وتقليص صلاحيات السلط التنفيذية هو خير حماية للعمل الإسلامي من انتهاكات ومذابح ومشانق العهود السياسية المتقلبة في العالم الغربي والإسلامي.

* إذن ينبغي على العمل الإسلامي- وهذا مجرد رأي والله أعلم حيث يكون الصواب- أن يقف في جانب سواد الأمة وينحاز لعموم الشعوب الإسلامية وهو يعالج إشكالية توزيع الثروة وإشكالية الطغيان السياسي في العالم الغربي والإسلامي.

الفوائد العملية المرجوة من هذا الطرح:

1- هذا الطرح يبين للناس أن الإسلام قادر على أن ينتشلهم من الإشكاليات الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية التي يكتوون بها يوميًا. وأن الإسلام ليس مجموعة من الطقوس والشعائر العبادية فقط ولكنه أيضًا- وفي الأساس- منهج حياة شاملة وكاملة ومثمرة وقادرة على الاستمرار، بل صدارة النشاط والفعالية الحضارية والفكرية في هذا العالم.

2- هذا الطرح فيه إثراء وتجديد لحركة الاجتهاد في العمل الإسلامي إذ إنه يضع الفقه الإسلامي في كافة أبوابه إزاء مشكلات العصر، وليس في نطاق الفرد والأحوال الشخصية فقط، بل في نطاق المجتمعات والنظم السياسية والاقتصادية.

3- يساعد هذا الطرح العمل الإسلامي في بلورة برامج تحركه على صعيد نظرية العمل السياسي وما يرتبط بها من أهداف استراتيجية ومرحلية أو ما يرتبط بتفاصيل برنامج التحول إلى الإسلام العقائدي الذي يتبناه العمل الإسلامي.

4- يساعد هذا الطرح العمل الإسلامي في تدريب فعالياته وعناصره على العمل السياسي والذي يمثل وسيلة من ضمن الوسائل التي بالإمكان- عن طريقها- تحقيق التغيير البنيوي والجوهري في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

5- يساعد هذا الطرح العمل الإسلامي على تحاشي وتفادي المعارك الجانبية والجدل العقيم حول بعض الأحكام الشرعية وبعض القضايا النظرية الخلافية التي يفتعلها- أحيانًا- أعداء العمل الإسلامي لتشتيت الطاقة الإسلامية وبعثرتها.

6- يساعد هذا الطرح الجذري للقضية الاجتماعية والسياسية على تحسين علاقات العمل الإسلامي مع التيارات الشعبية الأخرى وهي علاقات لا شك ستكون ذات قيمة عندما ينضج العمل السياسي والإسلامي.

* هذه بعض الآراء المختصرة حول الرؤية السياسية للعمل الإسلامي أرجو أني قد وفقت في طرحها وأسأل الله مولاي أن يعفو عن الزلل وأن يفيد بها العاملين المؤمنين الطيبين الحاملين للدعوة. ورب أغفر وأرحم وأنت خير الراحمين.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟