; قمة طوكيو وتكريس الهيمنة الغربية | مجلة المجتمع

العنوان قمة طوكيو وتكريس الهيمنة الغربية

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1993

مشاهدات 68

نشر في العدد 1059

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 27-يوليو-1993


باريس- محمد الغمقي

انتهاء قمة طوكيو بما يخدم المصالح الأمريكية والصهيونية

انتهت قمة طوكيو في يوم الجمعة الماضي بأعمالها لتثبيت دعائم النظام الدولي «الجديد» القائم على الزعامة الأمريكية، وعلى تكريس العناية بالهموم الاقتصادية الغربية على حساب دول ما يسمى بالعالم الثالث.

 فقد تحدث المراقبون عن قمة كلينتون، وعن بروز «نجم» الولايات المتحدة في سماء اليابان، من خلال توجيه القمة بما يخدم المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى.

إنهاء المقاطعة

وتجلت هذه الزعامة بالخصوص في البيان السياسي للقمة، والذي يحمل الطابع الأمريكي، بداية من التركيز على أهمية عملية السلام في الشرق الأوسط، والمقصود بها دفع المفاوضات الجارية في واشنطن، والتي تتولى الولايات المتحدة رعايتها في اتجاه تطبيع العلاقات العربية- الصهيونية، حيث دعا البيان السياسي- ولأول مرة بشكل واضح- إلى إنهاء المقاطعة العربية للكيان الصهيوني.

وتندرج هذه الدعوة في إطار المسار العام الذي طبع التوجه الجديد لعدة حكومات عربية في الأشهر الأخيرة؛ حيث تعددت المبادرات لكسب ود السلطات الصهيونية مقابل مصالح سياسية خاصة، مثل زيارة الوفد الليبي إلى القدس المحتلة. وجدير بالذكر أن رئيس حكومة الكيان الصهيوني زار باريس بهدف تكليف الطرف الفرنسي بمهمة الضغط من أجل رفع المقاطعة العربية خلال القمة.

في المقابل، لم يتضمن البيان السياسي دعوة الطرف الصهيوني بنفس القوة التي دعا بها إلى إنهاء المقاطعة العربية، بحيث اكتفى بدعوة هذا الطرف إلى «احترام واجباته فيما يتعلق بالأراضي المحتلة».

من جهة أخرى، تعرض البيان إلى مسألة تكديس أسلحة الدمار، وتوجيه أصابع الاتهام إلى إيران بتصدير الإرهاب، واختراق حقوق الإنسان ثم إلى العراق وليبيا، وهي الأطراف الثلاثة التي تشهد تركيزًا غربيًا سياسيًا وإعلاميًا، بل ومحاصرة اقتصادية تحت راية الولايات المتحدة، ويصب هذا الاستهداف في خانة دفع البلدان العربية والإسلامية إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، أو الخضوع إلى النفوذ الغربي عن طريق نزع مقوماتها الدفاعية، التي قد تجعل منها منافسًا لتل أبيب في منطقة الشرق الأوسط، أو قوة إقليمية تهدد المصالح الغربية، وكل المؤشرات تدل على أن معركة إثبات التفوق الأمريكي الصهيوني ستكون بمثابة المحرك للسياسة الغربية في إطار النظام الدولي «الجديد».

النفاق الغربي

ويمكن هنا فهم الموقف الذي يتبناه قادة الدول السبع في «قمة الأغنياء» تجاه القضية البوسنية؛ فالتحذير الشديد اللهجة لكل من الطرف الصربي والكرواتي لمنعهم من فرض شروط التسوية على البوسنة، واعتماد حل يرضي كل الأطراف، لم يتجاوز مستوى التهديد اللفظي، ولم يشر البيان السياسي إلى إمكانية تدخل عسكري، والأكثر من ذلك فليس هناك بوادر لرفع حظر الأسلحة لفائدة الطرف البوسني، وهو المطلب الرئيسي للعديد من الجهات الرسمية والمنظمات الحقوقية، ونفس المبرر تقدمه باستمرار الأطراف الغربية للتخوف من حرب بلقانية تأتي على الأخضر واليابس.

ويفسر البعض هذا الموقف- وهذا التحذير الشديد اللهجة- بمحاولة تحويل الرأي العام الدولي عن حقيقة الموقف الغربي تجاه قضية البوسنة، كما ورد في الوثيقة السرية المنسوبة إلى جون ميجور- رئيس الوزراء البريطاني- والتي نشرتها صحيفة «ليليان» البوسنية بتاريخ 7/6/1993، وتناولها بعض الصحف البريطانية، وثارت حولها ضجة كبرى. هذه الوثيقة تشير بوضوح إلى الدعم الغربي الحازم لإبقاء حظر بيع الأسلحة، والعمل على تقسيم جمهورية البوسنة، ومنع قيام دولة إسلامية في أوروبا.

البلدان النامية الطرف المنسي

وإلى جانب المسائل السياسية، تعرضت قمة طوكيو بإسهاب إلى القضايا التي تشغل المجتمعات الغربية، وعلى رأسها مشكلة البطالة والركود الاقتصادي، وبعد مناقشات كبيرة حول العلاقات الاقتصادية بين أطراف القمة، والتحذير من إجراءات الحماية، تم الاتفاق تجاريًا على تخفيض الجمارك، وتحرير انسياب البضائع والسلع بين الكيانات التجارية الرئيسة في العالم: الولايات المتحدة، والمجموعة الأوروبية، واليابان، وكندا.

كما لوحظ اهتمام بالغ بالجانب الروسي بالاجتماع بالرئيس يلتسين، ووعده بتقديم مساعدات تقدر بثلاثة مليارات دولار من أجل إصلاحات هيكلية اقتصادية، مما يعد انعطافًا في العلاقات الغربية- الروسية في اتجاه احتواء التحولات الجارية في الإمبراطورية السوفييتية السابقة في إطار المصالح الغربية.

لكن انغماس قادة قمة طوكيو في الهموم الاقتصادية الغربية، وفي تكريس الهيمنة الأمريكية الغربية، لم يترك مجالًا لقضايا البلدان النامية التي تبقى مهمشة في استراتيجية صانعي القرار الدولي، ما دامت مرتبطة بالأزمة العالمية، وخاضعة لنفوذ «الأغنياء».


انظر أيضا:

من أشرس الأعداء إلى أقرب الأصدقاء.. كيف تجاوزت أمريكا واليابان الخلافات؟

 

الرابط المختصر :