العنوان وهم الضمانات العربية القديم المتجدد!
الكاتب إبراهيم أبو الهيجا
تاريخ النشر السبت 08-يوليو-2006
مشاهدات 54
نشر في العدد 1709
نشر في الصفحة 29
السبت 08-يوليو-2006
في التاريخ العربي كانت القضية الفلسطينية المشكلة، والحل لدى الأنظمة العربية، فهي أرق وإشكالية مزمنة نظرًا لعجز الأنظمة عن موقف جاد ضد الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته كانت حلًا لشرعية منقوصة للمزايدة العربية بادعاء السعي والنضال لحل القضية الفلسطينية.
وبين هذا وذاك اختلط الكثير من الأوراق، فكانت القضية الفلسطينية في النظرات الفكرية وبالتحديد القومية مشكلة العرب أجمعين، كون فلسطين جزءًا لا يتجزأ من بلاد العرب المحتلة الواجب تحريرها، أو هي في الحسابات السياسية ورقة رابحة في مواجهة التهديدات وامتلاك القدرة على التفجير، ومن الزاوية الضيقة كانت الورقة الفلسطينية تستخدم لإرضاء المعسكرات الشرقية والغربية تارة بتصليب موقفها، وتارة بالضغط على أصحابها لمزيد من المرونة.
وفي قضية الجندي المختطف يبرز ما يسرب عن ضمانة عربية على الكيان الصهيونية لكي يمن على الشعب الفلسطيني بالإفراج عن أسرى فلسطينيين مستقبلًا، وهذه فعلاً من عجائب الدنيا . فالدول العربية تريد أن تعطى ضمانات على هذا الكيان، وقد خبره ولدغ من جحره في كل الاتفاقيات واللقاءات، فمن عمان إلى الدار البيضاء إلى البتراء إلى طابا وشرم الشيخ والعقبة والقاهرة، كلها محطات سجل تحت مظلتها وعود صهيونية وتنازلات فلسطينية بحجم الضغوط العربية الرسمية، وها هو واقع التسوية يغني فيه المقام عن المقال، فها هي طابا المصرية شاهدة على اتفاقية فصلت وبينت الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين لم يطلق حتى الآن سراحهم أي بعد حوالي العشر سنوات، فأين هي الضمانات العربية من الاتفاقيات الدولية؟
ولماذا كل هذه الحرقة، وهل فعلاً الخوف على قطاع غزة وأهله هو الدافع والمحرك؟
وهل البحث عن مختطفي الجندي الصهيوني في الضفة «الياهو أشيري»، قبل أيام ولاحقًا التحقيق معهم والبحث عن جثته والتعاون مع أجهزة الأمن الصهيونية يصب أيضًا باتجاه صد العدوان عن قطاع غزة والعبث بالمصالح الفلسطينية العليا ولصالح قضية الأسرى الذين كانوا حتى وقت قريب وثائقهم ومعاناتهم مقدسة؟
لا قيمة ولا وزن لأي وعود شفوية صهيونية، والضمانات العربية على الكيان الصهيوني هي كتأمين على سائق لا يعرف القيادة، والتدخل العربي لم يكن يومًا مفيدًا لذاته فلماذا سيكون مفيدًا لغيره ؟وكلنا يعرف جيدًا ويقرأ التاريخ جيدًا، فالوساطة العربية لطالما لعبت دورًا في الكثير من الأزمات العربية ولاسيما في العراق وفلسطين، وكلنا يعرف هذه الأدوار جيدًا .... ففي كل الاتفاقيات السياسية الحالية ما بين الفلسطينيين والصهاينة لعب العرب الرسميون دور الضاغط على الفلسطينيين للقبول بأرباع الحلول، وفي كل الأزمات استخدموا القضية الفلسطينية والعراقية للتأكيد على أنهم يملكون خيوط اللعبة، وأنهم الوكيل المعتمد واللاعب المهم، وكل ذلك كان يأتي بذرائع الحفاظ على القضايا العربية وحمايتها من الشرور والمتربصين بها، وكلنا يذكر قبل سنتين قضية تسليم أعضاء الجنود الستة القتلى الذين حاولوا الاعتداء على حي الزيتون الغزي مقابل ضمانات مصرية، ولكن الكيان الصهيوني لاحقًا قتل كل من شارك بتدمير الدبابة، فهل انتقموا أو على الأقل تضامنوا مع أهاليهم؟
إن السيناريو سيتكرر والنوايا الحسنة ستذهب هباءً منثورًا إن سلم الجندي دون ثمن بين وواضح وجلي يحدد بالاسم كل المعتقلين المطلوب إطلاق سراحهم وبضمانات دولية وليست عربية أو فلسطينية، وغزة لن تنجو من الدبابات الصهيونية وسيدخلونها سلم الجندي أو لم يسلم... لأن المخطط أكبر من ذات الجندي وسيجد الكيان الصهيوني آلاف الذرائع!
سيسمع المقاومون الكثير من الوعود والوعيد، ولكن الصمود مهم في هذه المعركة ومقوماتها ممكنة وليست وهمية لبعض الأسباب:
أولًا : اقتحام غزة ليس هينًا من الناحية الأمنية، وموازين الخسارة صهيونيًّا كبيرة.
ثانيًّا: لن يتوافر للمقاومة غطاء شرعي وسلطة مساندة مثل الوقت الحاضر.
ثالثًا : هناك مساندة فلسطينية هائلة ترفض تسليم الجندي دون ثمن واضح لا يحتمل التأويل.
رابعًا: إقدام الكيان الصهيوني على احتلال غزة يعني ببساطة نهاية مشروع أولمرت التجميعي في الضفة الغربية وكشف الغطاء عن حقيقية الانسحاب الذي جرى من قطاع غزة وهذا مهم سياسيًّا.
خامسًا: من الناحية الاستراتيجية فلن تتوافر ظروف دولية للمقاومة أفضل من حيث الفشل الأمريكي في العراق، والتهديد النووي الإيراني الذي يضطر الأمريكيين الضغط على الكيان الصهيوني لموازنة المطالب الأمريكية الأخرى.
وعليه فلا ضمانة للمقاومة وأهلها سوى ما يملكون من إيمان وإرادة وشعوب حية، وما دون ذلك ضياع جديد لوهم قديم متجدد!