العنوان صحة الأسرة (1545)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2003
مشاهدات 61
نشر في العدد 1545
نشر في الصفحة 62
السبت 05-أبريل-2003
أمة الوجبات السريعة
هل حدث أن ابتعت وجبة من مطعم ماكدونالدز، أو تناولت علبة البطاطس المقلية من المطعم الذي يبيع الوجبات السريعة، هذا الكتاب يمكن أن يجعلك تفكر مرتين قبل تكرار هذه المشتريات التي تبدو في الظاهر عادية وغير مؤذية.
يأتي هذا العرض الذي يفضح فيه أريك شلوسر صناعة الوجبات السريعة في الوقت المناسب، ويقدم معلومات تصدم القارئ وتشعره بالغثيان.
فإذا كنت ممن يؤمنون بالقول المأثور" قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت". وإذا رغبت في معرفة الجهة التي تسهم بتمويلها عندما تبتاع لك أو لأطفالك الوجبة السريعة أو الكيفية التي يهدد بها ذلك صحتك، فإنك في حاجة إلى قراءة عرض هذا الكتاب.
يستكشف هذا الكتاب الحضارة الحديثة والمضامين الإشكالية للعولمة، ويقدم معالجة مزدوجة لظاهرة الطعام السريع معالجة علمية فكرية من جهة عملياتية وفحصية من جهة أخرى.
مئات الملايين من الناس يشترون الوجبات السريعة كل يوم ،دون أن يفكروا في المصدر الذي تأتي منه، ولا في الكيفية التي تصنع بها، ولا النتائج التي تتركها على مجتمعهم.
ويقول إنه انكب على كتابة بحثه هذا، انطلاقاً من إيمانه بأن على الناس أن يعرفوا الأمور التي تختفي وراء الواجهات البراقة لهذه الصناعة التي تقدر بعشرات المليارات سنوياً. وعلى الرغم من أن الكتاب يتناول بشكل رئيس ما يجري في أمريكا، فإنه يشمل أيضاً المجتمعات الحديثة والجانب المظلم من الرأسمالية والعولمة ويستحق أن يحظى بجمهور من القراء من أكثر من بلد. لقد تغلغلت الثقافة الأمريكية في كل أنحاء العالم. ونظام الوجبات السريعة جزء من تلك الثقافة، فهناك أكثر من ٣٠ ألف مطعم ماكدونالدز عبر العالم. كما أن الوجبات السريعة بخلاف السلع الأخرى كالموسيقى أو الأفلام أو الملابس تدخل الجسم وتصبح جزءاً من المستهلك ومع ذلك فإنه لا توجد صناعة أخرى تفتح أمامك نافذة بهذا الحجم ترى من خلالها طبيعة الاستهلاك الجماعي.
إن الاستعراض والفحص الذي يقوم به المؤلف لجميع جوانب عملية الإنتاج القائمة وراء وجبة الهامبرجر والبطاطا المقلية التي تتناولها، لا يخلو من الدقة وهو مليء بالتحذير. فمن مزارع تربية الماشية إلى تغليف اللحوم، إلى ظروف العمل إلى التسويق والجريمة والتسمم الغذائي. يتابع المؤلف تدعيم نظريته القائلة إن الوجبات السريعة أثبتت مكانتها كقوة انقلابية في الحياة الأمريكية، فخلال فترة قصيرة نسبياً من الزمن ساعدت صناعة الوجبات السريعة على تغيير نوعية الطعام الأمريكي، كما غيرت معه المشهد، والاقتصاد، وقوة العمل والثقافة الشعبية.. ما فعلته الوجبات السريعة بأمريكا أخذ بالتأثير في مناطق أخرى من العالم.
الطريقة الأمريكية
يبحث المؤلف في الجزء الأول عن أصول الوجبات السريعة وتاريخها ومؤسسيها. ويحدثنا عن الإخوة ماكدونالدز الذين ابتدؤوا مشروعهم في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي في مدينة سان برناردينو بولاية كاليفورنيا، عندما قدموا نظاماً من نوع «اخدم نفسك بنفسك»، وهو واحد من الابتكارات العديدة التي عملت على تقليص الكلفة وتحسم عمليات الإنتاج التي تستخدمها صناعة الوجبات السريعة. ويضم عدداً من سلاسل المطاعم الشهيرة مثل تاكوبيل، وكي إف سي، ولنكن دونتس ويرج كنج، وبيتزا هت. وتسود هذه الحالات جميعاً مفارقة تقوم على كون جميع مؤسسي هذه المطاعم تقريبا رجالاً عصاميين بدأوا مشوارهم كمتمردين على المؤسسات التقليدية، وتحدوا العرف المعتاد حتىباتت مؤسساتهم اليوم رمزاً متميزاً للنمطية.
يقدم المؤلف الدليل على صحة العبارة التي تقول «من الأسمال إلى الثروة» والتي ترتبط في أذهاننا جميعاً بأمريكا، وهي إمكانية توسيع المشاريع عن طريق العمل الشاق والروح التجارية، لكن السماح لتلك المشاريع بأن تزدهر دون قيود يتسبب في نواقص ما تلبث أن تطفو على السطح. ويبحث المؤلف في الممارسات التي تخص العمل في ماكدونالز وغيره من المطاعم، ويلقي نظرة على استراتيجيات التسويق غير المنضبطة التي تستهدف الأطفال والمدارس، ويكشف المغالطات في نظام منح الامتياز الذي تعتمد عليه معظم سلاسل مطاعم الوجبات السريعة. كما يستطع العلاقة المشبوهة بين صناعة الوجبات السريعة وصناعة التسلية، وعلاقات الترويجالمتبادلة بين ماكدونالدز وديزني وهوليود على سبيل المثال، إذ يجري تقديم الطعام كنوع من التسلية والترفيه من أجل كسب ولاء المستهلك وجعله يعتمد على ذلك النوع من الطعام ومن بين الجوانب الصادمة التي يكشفها الكتاب، استغلال الشباب کمستهلكين وكأيد عاملة رخيصة وقابلة للاستبدال.
لحم وبطاطا:
يكشف المؤلف عن حقائق صادمة تتعلق بالممارسات الخطرة والفاسدة في صناعة المجازر والماشية، يبعث البعض منها على الغثيان، ويتعلق بحالات الإصابة بجرثومة إكولا: التي تنتشر فجأة والتي لم تحصل على التوثي المناسب وتعود إلى الكونات المشبوهة من اللحم الذي يصنع منه الهامبرجر.
كما يكشف المؤلف ما يتمتع به لوبي الوجبات السريعة وشركات تصنيع الزراعة الكبرى من نفوذ هائل، غالباً ما يستخدم في الحيلولة دون إصدار التشريعات وأنظمة الإنتاج المطلوبة. وقد كانت صناعات تغليف اللحوم والوجبات السريعة على الدوام من أكبر مصادر الدعم المالي الذي يتلقا الحزب الجمهوري الحاكم الآن في واشنطن.
الوجبات السريعة من منظور صحي
يشرح المؤلف في هذا الجزء الأخطار الصحي الناتجة عن تناول الوجبات السريعة من خلال الدراسات العلمية الموثقة والمؤتمرات الدولية، كم يقدم بعض النصائح الغذائية :
الأخطار الصحية للمقرمشات: واكتشف العلماء أن التفاعل الكيميائي الناتج عن إعداد البطاطس المقلية والعديد من الأطعمة المقلية أن النشوية يمكن أن يسبب وجود مستويات عالية من مادة الاكريل البلاستيكية التي تزيد من احتمالات الإصابة بالسرطان وتستخدم مادة الأكريلاميد في إنتاج الصنوعات البلاستيكية والصبغات، وتنقية مياه الشرب ورغم أن أبحاث سابقة عثرت على اثار لتلك المادة مياه الشرب، غير أنه لم يكن توقعاً أن توجد مستويات عالية مركزة منها في الأغذية الأساسية. وتشير أصابع الاتهام إلى أن وراء الإصابة بالسرطان أيضاً تفاعلات الأسبرايجين وهو حمض أميني طبيعي يتحول عند تعرضه للحرارة وتفاعله مع سكريات مثل الجلوكوز إلى موادسرطنة.
وكانت هيئة الأغذية والأدوية الأمريكية قد أجرت دراسة على أخطار مادة الأكريل، للعمل على تقليل مستوياتها في المواد الغذائية وفقاً لخطة قرر أن يبحثها مسؤولو الهيئة مع جماعات مستهلكي ومصنعي الأغذية الأمريكيين. وأكد مسؤولو الهيئة إجراء تجارب استكشافية على العديد من الأغذية الأمريكية، وتبين أنها تحتوي على نسبة عالية من المواد المسببة للسرطان. وكشفت الحكومة الكندية الأخطار المتعلقة بوجود مادة الأكريلاميد في بعض النتجات النشوية والمقلية. وأمرت مصنعي الأغذية بالبحث عن طرق لتقليل تركزات تلك المواد خطيرة. وأكد علماء إحدى شركات الأغذية الكندية علاقة الاسبرايجين باحتمال الإصابة بالسرطان في أول مبادرة تظهر منذ أعلن عدد من العلماء سويديين احتمال وجود مستويات عالية من مواد مسرطنة في البطاطس المقلية وفي أنواع من الحبوب الأغذية التي تحتوي على نسب عالية من الكربوهيدرات المعدة في درجات حرارة عالية. أما الأغذية التي يتم طهيها في مياه مغلية وتحت درجات حرارة منخفضة فقد تبين أنها آمنة وصحية. وقد أكدت نتائج الأبحاث السويدية بأبحاث مماثلة جرتها حكومات الترويج وبريطانيا وسويسرا.
كما حذرت التقارير من زيادة مادة الأكريلاميد مسرطنة والموجودة في البطاطس والمواد الغذائية محتوية على نسبة عالية من النشويات المعاملة حرارياً، وأظهرت نتائج التجارب المعملية أن بعض أنواع الشيبس وبعض «المقرمشات» تحتوي على حسب أعلى من الأكريلاميد مقارنة بالبطاطس المقلية سبب تعرضها لدرجة حرارة أعلى، أما البطاطس سلوقة والطازجة فلم يعثر بها على هذه المادة ضارة.
والسؤال: هل تستمتع وتلذذ بالتهام البطاطا المقلية ورقائق الشيبسي؟ يبدو أنك لن ترغب بتناول «الأطعمة بعد الآن، بعد أن تعرف أنها تحتوي على مستويات عالية من مادة مسببة للسرطان، فقد كشف الباحثون في جامعة استكهولم، أن مادة كريلاميد المسرطنة تتشكل عند خبز أو قلي أطعمة الغنية بالكربوهيدرات مثل البطاطا، والأرز، رقائق، والحبوب، محذرين من أن هذه الأطعمة قد تحمل خطراً كبيراً خصوصاً على من يعتمدون عليها في غذائهم. وقد أوضح الباحثون في الأمر الذي نظمته إدارة الأغذية الوطنية السويدية، كيساً عادياً من رقائق البطاطا الشيبسي قديحتوي على كمية من هذه المادة أكثر بحوالي ٥٠٠ مرة من الحد الأقصى المسموح به في مياه الشرب الذي حددته منظمة الصحة العالمية. وقد صنفت وكالة حماية البيئة الأمريكية مادة الأكريلاميد، وهي مادة صلبةبلورية عديمة اللون، كمادة مسرطنة بشرية ذات خطر متوسط وأوضح العلماء أن هذهالمادة تشجع حدوث طفرات جينية، وقد لوحظ في الاختبارات التي أجريت على الحيوانات أنها تسبب أوراماً حميدة وخبيثة المعدة، وتتلف الجهازفيالعصبي المركزي والطرفي.
ومن المعروف أن الكثير من الأمراض باتت تهدد الصغير والكبير كالسكري والبدانة وأمراض المفاصل وأمراض القلب والأوعية الدموية والأورام وغيرها، ويعتبر نمط التغذية مسؤولاً عنها .. إضافةإلى عوامل بيئية وغير ذلك.
أخطار الوجبات الدسمة السريعة
وقد اكتشف باحثون أستراليون أن وجبة دسمة واحدة كاطعمة الوجبات السريعة يمكن أن تسبب تلفاً مدمراً للأوعية الدموية في الجسم وتزيد من خطر الإصابة بالنوبات القلبية المفاجئة خلافاً لما كانمعروفاً من أن هذه النوبات تأتي بعد تناول عدة وجبات نسمة. وطالب الباحثون في دراسة جديدة بضرورة الابتعاد عن تناول المأكولات الدهنية والوجبات الدسمة خاصة بالنسبة للمصابين بمرض الشريان التاجي أو ارتفاع دهون الدم، وأشاروا إلى ان جدران الشرايين تصبح أكثر تصلباً عند التقدم في السن، ويكون هذا التصلب أكبر عند المرضىالمصابين بداء الشريان التاجي.
وشدد الباحثون على أهمية التركيز على استهلاك الخضراوات والفواكه وتقليل استهلاك الدهون المشبعة وممارسة التمرينات الرياضية للمحافظة على صحة القلب وشبابه وحيوينه ويشير الدكتور بول نيسيل - معهد باكر للبحوث الطبية في ميلبورن بأستراليا . إلى الآثار طويلة المدى للأغنية الدسمة معروفة، ولكن العلماء أرادوا الكشف عن الزيادة الفورية في خطر الإصابة بالنوبات القلبية الناتج عن تناول وجبة واحدة غنية بالدهون غير الصحية لقد أجريت تجربة بإعطاء ۲۰ متطوعاً وجبات تحتوي على ٥٠ جراماً من الدهون مؤلفة من شطيرة واحدة من لحم الهامبرجر بالجبنة، وكوب من الحليب كامل الدسم. وكوب من الأيس كريم وعلى الجانب الآخر أعطيت مجموعة أخرى من ٢٠ شخصاً، أطعمة صحية تشمل الخبز والحبوب والحليب قليل الدسم ونحوي سنة جرامات فقط من الدهون وأظهرت النتائج أن تأثير الدهون على الجسم يكون سريعاً خلال ثلاث ساعات فقط من تناولها، إذ انخفضت مرونة الأوعية الدموية عند الذين تناولوا وجبات دسمة بحوالي ٢٥%، في حين لم يلاحظ مثل هذا التأثير عند المجموعة الثانية.
وتؤذي البصر أيضاً: وقد سجل الباحثون أيضاً أن أطعمة الوجبات السريعة تزيد خطر الإصابة بالنوبات القلبية فوراً، وخاصة عند الأشخاص الأكثر استعداداً للإصابة. كما أظهرت دراسات طبية جديدة أن الأطعمة السريعة ليست مسؤولة فقط عن زيادة الوزن والسمنة بل قد تؤذي البصر أيضاً، إذ إن الإفراط في استهلاك الأطعمة الدسمة والغنية بالدهون يزيد خطر الإصابة بتلف الماكيولا العينية المرتبطة بالتقدم في السن. ويعتبر مرض تلف الماكيرلا السبب الرئيس للعمى وضعف البصر في الولايات المتحدة لمن تجاوزوا سن الخامسة والخمسين.
وأوضح الباحثون في مؤسسة ولاية مساتشوستس للعين والأنين، أن هذا المرض يؤثر على الرؤية المركزية لحوالي 10 ملايين أمريكي ومن المتوقع أن يزداد هذا العدد مع وصول الأشخاص إلى منتصف الخمسينيات من عمرهم، وقد توصل الباحثون إلى أن أنواعاً معينة من الدهون وخاصة تلك المستخدمة في الأطعمة السريعة تزيد خطر الإصابة بتلف الماكيولا.
وأشار العديد من الدراسات الطبية إلى أن الدهون أحادية الإشباع ومتعددة الإشباع وحمض لينولييك المستخدمة في تصنيع الأطعمة السريعة. إضافة إلى الأطعمة المصنعة كالزبدة والشوكولاته والفطائر المحلاة والكيك والبسكويت وزبدة الفول السوداني وبطاطا الشيبس والبطاطا المقلية والمكسرات تضع الأفراد في خطر أعلى للإصابة بأمراض العين وعلى حين يحذر الباحثون من الأطعمة السريعة وآثارها السلبية على البصر، فإنهم يشجعون على تناول السمك لما يتمتع به من فوائد صحبة ووقائية، فقد وجد الخبراء أن الأغذية الغنية بالأحماض الدهنية من نوع أوميجا مثل سمك التونة والسلمون إلى جانب الخضراوات الورقية الداكنة تقلل خطر أمراض العيون.
خاتمة
ينجح الكتاب في تذكيرنا بأن وراء أي بضاعة استهلاكية تواجهنا عدة عمليات لابد من معرفتها . وأن شراء تلك البضاعة يعني اختياراً من جانبنا ومصادقة على تلك العملية، فإذا كان المطلوب التخفيف من التأثيرات الضارة للإنتاج الجماعي، فإن الدرس الذي نستخلصه هو أن علينا أن نكون أكثر حذراً إزاء السلع التي نصرف عليها نقودنا.
للأسف انقلب الغذاء من دواء إلى داء، ولهذا فإن خبراء التغذية والصحة العامة يؤكدون ضرورة العودة للطبيعة وتجنب الأطعمة المصنعة والوجبات التي تقدمها مطاعم الوجبات السريعة التي تضر بالجسم والتي يؤكد العديد من الدراسات أخطارها.
تأليف: أريك شلوسر
أ. د. وجدي عبد الفتاح سواحل
الناشر: دار نشر بینجون البريطانية ٢٠٠٢م