العنوان في درب المراثي الحارة.. وقفة حائرة بين شموخ الدعوة ورثاء فقيدها الشيخ محفوظ نحناح والشيخ مساعد العبد الجادر
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2003
مشاهدات 96
نشر في العدد 1557
نشر في الصفحة 30
السبت 28-يونيو-2003
بالأمس القريب نعينا جبالًا رواسي في مسيرة الدعوة والفكر والفقه الإسلامي فهذا الشيخ العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- وقبله سماحة الوالد العلامة عبد العزيز بن باز وعلى دربهما الشيخ الألباني وقبلهم إمام الفكر والدعوة سماحة الشيخ الغزالي والشيخ مناع القطان والشيخ سيد سابق والشيخ أبو غدة.
فابكي يا عين وأحزن يا قلب.
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، وكأنما قدرنا أن تحضرنا الألفية الثالثة دون أقطاب الدعوة وجهابذة الفكر وسدنة علم الكتاب والسنة.
وها نحن ذا نودع علمين بارزين خافقين في مسيرة الدعوة:
أولهما: الأستاذ الداعية الشيخ محفوظ نحناح، الإسلامي النشط في الجزائر ورئيس حركة مجتمع السلم «حمس».
وثانيهما: سماحة الشيخ الداعية مساعد العبد الجادر ركن من أركان الدعوة الإسلامية وعلم بارز في مسيرتها في دولة الكويت.
وما يسعني في هذا المقام إلا أن أفوه بما أمر الله «إنا لله وإنا إليه راجعون»
فالقلب يحزن والعين تدمع واللسان يكف فلا نقول إلا ما يرضي ربنا فإنا لله وإنا إليه راجعون مثنى وثلاث ورباع وعشار ومئين وألوف.
- ويا لله ثم بالله.
أيام تمر ودهر يكر وزمان يقضى وساعات تمضي ولله ما قال أبو العتاهية: الناس في غفلاتهم.
ورحى المنية تطحن
ولله ما قاله الآخر:
إنا لنفرح بالأيام نقطعها
وكل يوم مضى يدني من الأجل
ويسعني المقام أن أجهش بالبكاء وأن أزفر شاهقًا نافثًا مصدورًا على فقد هذين العلمين البارزين رحمهما الله.
لمحة عن الفقيدين الكريمين
لیست هذه لمحة نظرية تصيدتها عن مكتوبات الفقيدين أو أدبياتهما وإنما هي لمحة حية عشتها وتفاعلت معها في معرفتي بالفقيدين الجليلين.
لقد عرفتهما معًا منذ فترة طويلة ووجدت عندهما الأمن والسكينة كما كانا رحمهما الله عنوانين للجد والعطاء والإخلاص والصدق إبان الشدائد وأحيانًا الرخاء.
كان رحمهما الله على شرج واحد من الديانة والفضل وكأنما شاءت الأقدار أن تساوي بينهما في عطاء الحياة وفي ساعة الممات ومن ثم توجب أن أكتب عنهما معًا يجمعهما ضمير الإثنين كما جمعهما في الدنيا العمل الصالح والبذل المتواصل والفناء في ذات الله لا على مذهب مبتدعي المتصوفة، وأهل الوجد، والحدس، والفيض.
حاشاهما وإنما فناء في البذل والعطاء لدعوة الله سبحانه رحمهما الله.
حيث سارا خير سيرة في الناس... إن تحدثا فبمعاني القرآن وروح الإيمان وبدقائق فقه النفوس وبرائق حكم الرقائق.
وإن استشهدا في مقال أو مقام أو حال فإنما بالقرآن وكتب التفاسير المعتمدة المأثورة ويكتب العلماء الأثبات.
جمعا -رحمهما الله- بين الأصالة والمعاصرة فجمعا بذلك بين الشرع والواقع فما كانا منعزلين عن واقعيهما وما كانا مستغرقين فيه دون النصوص وإنما توسطا وكانا وسطًا بين طرفين.
ولله هما ثم لله هما
دؤوب هو في عمل الخير -أبو سالم عبد الجادر ونحلة هو في العمل والتنظيم سماحة الشيخ محفوظ نحناح.
ما عرفا استقرارًا ولا قرارًا إلا في الدعوة إلى الله، فكأنما هما يرددان قول الإمام أحمد «نستريح عندما نضع رحالنا في الجنة»
- والله لقد جمع بيني وبينهما خطوط كثيرة حيث أقول والله حسيبي إني ما رأيت رأيًا إلا ووجدت عندهما موافقة وما من فكرة سمعتها منهما إلا وجدت فيها صدى من يقين.
فسبحان الله سبحان من جمع بين القلوب وسبحان من زاوج بين العقول، صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف»
قيادتهما الأسرة الناجحة
يرحم الله هذين العلمين القائدين للعمل الإسلامي، كلاهما يمثل قيادة أسرة وزعامة ناجحة وكلاهما كان بحق قائدًا متصل القيادة، إن في بيته أو مسجده أو ديوانه أو في حركته التي ينتمي إليها، وما أقل القيادات الأسرة والناجحة.
وقد عرفتهما -رحمهما الله- جامعين الصفات الأوائل بما لا يتحقق لكثيرين، فالشيخ مساعد هو أول من عرفت ممن يمثل بحال الإمام البنا في السمت الصالح والعيش مع هموم الدنيا وكان -رحمه الله- حذرًا وهو يسمع للإمام البنا قوله: «وأما من يقضي وقته عابثًا ماجنًا فأني له أن يكون في صفوف المجاهدين»؟
وكلاهما -رحمهما الله- ممن يصدق فيهما قول سلفهما الأغر الإمام سيد قطب -رحمه الله-: «من عاش لغيره عاش متعبًا، ولكن عاش كبيرًا ومات كبيرًا.
وكأنما تمثلا قول الشاعر:
سبيل العز أن تبني وتعلي
فلا تقنع بأن سواك يبني
فمن يغرس لكي يجني سواه
يعش ويموت من يغرس ليجني
تعبا وما كلًا في سبيل الله
لقد تعبا -رحمهما الله- وسارا على الصعاب في سبيل دعوة الله، وهكذا شأن الرجال بحق: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (الأحزاب: 23).
نعم والله لقد تعبا وسارا حيث يتعسر المسير وهما في ذلك واعيان لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» «رواه مسلم».
وقال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ (الانشقاق: 6)
وهكذا كدحًا كدحًا وراحًا وغدوا حتى وافيا ربهما.
وصدق القائل:
نروح ونغدو لحاجاتنا
وحاجة من عاش لا تنقضي
ولله هما في تعبهما وكدحهما في سبيل الله، حيث عرفتهما حتى ألم بهما المرض فأقعدهما يعالجان مراراته وما كانا يتحدثان إلا بهموم الدعوة وهما على فراش الموت.
يا انسان في حالهما هذا بزيارة إخوانهما لهما وإن كانا لا يملكان من التعبير عن المشاعر الدموع الهاملة على خديهما الناصعين الوضيئين من خشية الله وحسبك الدموع دليل الحب والود.
إذا اشتبكت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكي
كانا الأولين في بلديهما.
كانا -رحمهما الله- من السابقين الأولين بالدعوة إلى الله في بلديهما.
فهذا الشيخ مساعد -رحمه الله- علم من أعلام الدعوة في الكويت ومؤسس أكبر من مؤسسيها وقطب من أقطابها.
وهذاكم سماحة الشيخ محفوظ نحناح من أقطاب الدعوة وفحول الحركة الإسلامية في الجزائر يزأر زئير الأسد ويهدر هدير الأمواج.
وكلاهما -رحمهما الله- لا يعرف في الحق مجاملة، فالحق رائدهما في نطقهما.. وقد تحملا في ذلك ما تحملا.
معالم في حياة الرجلين
كانا -رحمهما الله- في بلديهما كفرسي رهان سابقين في كل حلبات الدعوة إلى الله وإني لأذكر كل واحد منهما بخصيصة طيبة تعد من جملة مناقبهما:
1- الشيخ مساعد:
لم يكن هو الأغنى من أبناء الدعوة الإسلامية، ولكنه فيما أعرف كان أول من أوقف عقارًا يدر من الربع الكثير والكثير على تربية الشباب المسلم على نور الكتاب وهدي السنة، وعليه فإننا نصدح ونقول «مساعد عبد الجادر -رحمه الله- من أوائل من أوقف الوقف وحبس العين ودر الربع على تربية شباب الدعوة والحركة الإسلامية فنسأل الله العظيم له القبول والفضل»
2- الشيخ محفوظ نحناح:
أما سماحة الشيخ محفوظ نحناح فهو ذلكم القائد الذي تخلى عنه بعض إخوانه في الخارج «خارج الجزائر» عدا بعض إخوانه في داخل الجزائر من منتسبي الدعوة وذلك عندما رشح نفسه لرئاسة الجزائر وما كان ترشيحه لنفسه عن نفسه، وإنما كان برغبة ملحة من إخوانه فوافق استجابة لضغوط إخوانه في الداخل ومع أنه وقع بين مطرقة تهجم بعض إخوانه بالخارج وسندان همز ولمز بعض أخوانه في داخل الجزائر، ما كان إلا صبورًا بسامًا محتملًا للجفاء يبتسم ويقول: «إخواني إخواني غفر الله لهم».
وبهذا جمع قلوب إخوانه عليه وكان بحق شخصية أسرة بمعنى الكلمة حتى إني لأستشعر صعوبة أن تجد الجزائر قطبًا دعويًا مثله غير أن الأمل بالله شديد في أن تحمل تلك المؤسسة التي أنشأها في الجزائر تبعة توليد قيادات فذة مثله تتحمل تهجم المتشددين من أصحاب الفكر التكفيري، خوارج العصر الذين راموا النيل منه مرارًا وتكرارًا، وقد تعرض لمحاولة اغتيال منهم سلمه الله منها فلم تنله بسوء، وإن نالت مباشرة نائبه «أبو سليماني» عندما ذبحوه وهو يقرأ القرآن بعد صلاة الفجر ذبح الشاه بالسكين.
وكان هذا بالنسبة للشيخ هو المصاب الجلل والفجيعة الفاجعة، ولقد رأيته كلما ذكر الصورة لأخيه أبي سليماني أجهش بالبكاء وماد متصدعًا من هول المشهد.
غير أنه -رحمه الله- غدا وظل وأمسى وصار ولا يزال حتى قبيل وفاته صامدًا وفيًا يسير بخطى وسطى فاختط طريقًا للوسطية ثابت الخطو فأثر بهذا، وبفضل من الله في عشرات الأعضاء من مجلس النواب الذين خرجوا من حركته وعشرات الوزراء الذين خرجوا من حركته كذلك.
ولله دره يوم صمد ولم يجامل ويوم أن وحد الجهود في حركته: «مجتمع السلم، تلك الحركة العلمية التربوية والعملية السياسية حيث غدت حزبًا سياسيًا مشهورًا يشار إليه بالبنان.
يعمل في الجهر عيانًا بيانًا بلا سر ولا ريبة وهو ما لم أجد له مثيلًا في تاريخ الجزائر.
وأخيرًا
فإنني أختم مرثاتي هذه لهما بالدعاء إذ لا يسعني المقام أن أسترسل لسرد فضائلهما ومناقبهما -رحمهما الله- تعالى وحسبنا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أنتم شهداء الله في أرضه»
فالله سبحانه أسأل أن يرحمهما بوافر رحمته وأن يتقبلهما عنده في مستقر فضله وأن يقبل سبحانه شهادتنا فيهما بالصلاح والاستقامة والفضل، وأن يعفو عنهما وأن يطهرهما من خطاياهما، بالماء والبرد والثلج وأن يبدلهما دارًا خير ما من دارهما وأهلًا خيرًا من أهلهما إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يلحقنا بهما برفقة الرسول الأكرم وصحبه الكرام.
آمين آمين.