; إعلان القاهرة: إرباك العمل العربي في دربان | مجلة المجتمع

العنوان إعلان القاهرة: إرباك العمل العربي في دربان

الكاتب د. أحمد الصاوي

تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2001

مشاهدات 50

نشر في العدد 1466

نشر في الصفحة 37

السبت 01-سبتمبر-2001

كلما اقترب الموعد المخصص لعقد مؤتمر المنظمات غير الحكومية والمؤتمر الرسمي لمكافحة العنصرية، تسارع إيقاع الأحداث وتلاحقت الجهود الرامية لتحقيق مستهدفات الدول والتكتلات الإقليمية والحقيقة أن مساعي الولايات المتحدة، ودول أوروبا الغربية للسيطرة على مسار المناقشات في المؤتمر هي التي حددت نقاط الخلاف الرئيسة وساحات المعارك الفكرية والسياسية التي سيشهدها. 

وتعتبر الورقة الأمريكية المقدمة للجنة التحضيرية الثانية للمؤتمر خلال انعقادها في جنيف (۲۱) من مايو (٢٠٠١م) خير دليل على الحقيقة السابقة، إذ ضمنتها واشنطن يمكن أن نسميه بالشروط الأمريكية التي يجب على المؤتمر الالتزام بها وهي:

۱ - مطالبة المؤتمر أن يركز على الأشكال والتجليات العنصرية كما أرادت الجمعية العامة للأمم المتحدة أكثر من إلقاء اللوم على مظالم الماضي أو البحث عن سبل لانتزاع التعويضات عن هذه الأعمال.

۲ - رفض محاولة بعض البلدان العربية والإسلامية) بعث مقولة: إن الصهيونية عنصرية، وهي مقولة تراها الولايات المتحدة نمطًا من اللغة ترفضه الأمم المتحدة منذ سنوات عديدة مضت، وذلك في إشارة إلى إلغاء القرار الصادر سنة ١٩٧٥م القاضي باعتبار الصهيونية حركة عنصرية، والذي ألغته الجمعية العامة بضغوط أمريكية في عام ١٩٩١م.

3- القبول بإثارة قضية تجارة العبيد من أفريقيا إلى العالم الجديد، مع رفض دفع تعويضات مالية من الدول التي شاركت في هذه التجارة، والمعني بذلك الدول الأوروبية والولايات المتحدة.

وإلى جانب هذه الشروط فقد تم التأثير على مشروع الوثيقة التي سيناقشها المؤتمر بحيث ضم إليها العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، التي تمخضت عن تطبيق سياسات العولمة باعتبارها من أشكال التمييز العنصري وعدم التسامح، وبدلًا من توجيه أصابع الاتهام نحو الدول الكبري أصبح هذا الاتهام مسلطًا على عدد كبير من دول العالم الثالث.

وليس ذلك فحسب، بل ضمنت الوثيقة قضايا تتصل بالمساواة وفقًا للمعايير الغربية في حين أنها تعتبر في أغلب دول العالم من القضايا المتصلة بالأخلاق مثل «حقوق الشواذ» في عقد الزيجات وتكوين الأسرة.

وكإجراء تحفظي فقد تم الإعداد لخطة أشغال واسعة النطاق لإرباك مساعي الدول التي أصرت في المؤتمرات القارية التمهيدية على مخالفة الشروط الأمريكية، بحيث أصبحت لكل دولة «قضية» مثارة في أروقة المؤتمر يتوجب عليها التفرغ لمناقشتها وإقرار الصيغ الملائمة لإدراجها في الوثيقة النهائية.

وكان من نصيب العرب عدد لا بأس به من القضايا التي تتهم بسببها دول عديدة بأنها تمارس التمييز العنصري وأهمها:

1- اضطهاد الأقليات.

2- الإبادة الجماعية، وسلب حق تقرير المصير (جنوب السودان) 

3- الاسترقاق وتجارة السوق في كل من السودان وموريتانيا.

4- مشاكل العمالة الأجنبية.                       

5- مقاومة المثلية الجامعية وإهدار حقوق المثليين.

وزاد الطين بلة إصرار مشروع الوثيقة على إضافة «الخوف من الإسلام» إلى قائمة مطولة. من أشكال التمييز العنصري وعدم التسامح شهدة بمعاداة السامية وإنكار وقوع مذابح الهولوكوست بحق اليهود ومعاداة الأجانب وهو الأمر الذي أصرت إيران على رفضه ليس فقط لأنه لا يوجد خوف من الإسلام والعنصرية الصهيونية في موقف واحد، ولكن أيضا لأنه لا يوجد خوف من الإسلام، وإنما هناك عداء أوروبي وغربي للإسلام والمسلمين.

وفي خلال جلسات الأعداد المتتابعة في جنيف بات واضحًا أن دول أمريكا اللاتينية تصر على تحميل الدول الكبرى واقتصادات العولمة تبعة المشكلات الاجتماعية التي توصف زورًا من قضايا التمييز العنصري، وأن الدول الأفريقية ماضية في إعداد ملفاتها عن ضحايا العبودية والرق فيما وراء الأطلنطي وتصر على موقفها بشأن التعويضات أسوة بتلك التعويضات التي دفعتها ألمانيا لليهود وضرورة تقديم اعتذار من الدول الاستعمارية للقارة الأفريقية، أما مجموعة الدول الأسيوية. فقد ارتكبت الجرم الأكبر عندما ضمنت وثيقتها القارية الدعوة إلى إعادة الاعتبار للقرار ٣٣٧٩ الذي يعتبر الصهيونية حركة عنصرية، وأصرت على عدم فرض المقاييس الأوروبية على الواقع الاجتماعي والحضاري لدول آسيا، وخاصة فيما يتصل بقضايا مثل حقوق سكان التبت وأوضاع المنبوذين في الهند.

تصعيد أمريكي:

وإزاء هذا: الوضع أخذت واشنطن تصاعد من لهجتها العدائية تجاه دول العالم الثالث.

فهددت بمقاطعة المؤتمر إذا ما أصر على تناول قضايا التعويضات عن الرق الإفريقي واعتبار الصهيونية نوعًا من العنصرية وألمحت إلى أنها.

سوف تسحب الدعم المادي الذي تقدمه للمؤتمر وقد ردت جنوب أفريقيا، الدولة المضيفة برفض هذه اللهجة التهديدية الرامية لإرغام المجتمع الدولي على القبول بإملاءات طرف بعينه مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لا تعبأ كثيرا بقضايا التمييز العنصري حتى إنها لم تحضر الدورتين السابقتين للمؤتمر العالمي لمناهضة التمييز العنصري.

وأخيرا قرر الكونجرس الأمريكي في 31 من يوليو 2001م تأييد وجهة نظر الرئيس بوش يشان مقاطعة المؤتمر إذا ما أصر على مجرد طرح موضوع الصهيونية في أوراقه. 

أما في المنطقة العربية فإن الجهود الأمريكية لمحاصرة التوجهات الرسمية وغير الرسمية بشأن إدانة الصهيونية والممارسات العنصرية - للاحتلال تجاوزت تبادل الخطابات الحافلة إلى محاولة بالتهديدات بمقاطعة المؤتمر وإفشاله إلى محاولة اصطناع مجموعات عربية من المنظمات غير الحكومة تتبني مفردات خطة الإرباك الأمريكية. وتتنازل في ذات الوقت عن طرح موضوع اعتبار الصهيونية حركة عنصرية. 

وعندما عقد مركز القاهرة لحقوق الإنسان مؤتمره الأخير بالقاهرة والذي انتهى بإصدار ما يعرف بإعلان القاهرة لمناهضة العنصرية في ٢٢ يوليو الماضي راحت بعض المنظمات غير الحكومية، وصحف أحزاب المعارضة تهاجم الإعلام ومركز القاهرة لأنه حصل على ١٢٥ ألف دولار من مؤسسة «فورد» نظير إعداد المؤتمر وتغطية نفقات سفر بعض ممثلي المنظمات غير الحكومية المصرية لحضور مؤتمر دريان.

والحقيقة أن إعلان القاهرة لم يكتف بالاستجابة للشروط الأمريكية الثلاثة وإنما تبنى أيضا قضايا الإرباك الأمريكي التي رمى بها العرب في مشروع الوثيقة الرئيسية ومن الأمثلة الدالة على ذلك:

  1. الإشارة إلى العامة كلمة ما. العالم العربي من أعمال القهر والطغيان وشن الحروب ضد بعض الأقليات، وبخاصة أعمال الإبادة الجماعية والتهجير القسري والاسترقاق.

ولم يجهد الإعلان نفسه لتسمية البلدان العربية التي تقع فيها مثل هذه الأعمال تاركا لأروقة مؤتمر دربان إلباس ثوب مثل هذه الاتهامات الجزافية لمن يشاء

  1. دعم نضال الأقليات من أجل نيل حقوقها المنصوص عليها في إعلان الأمم المتحدة الخاص بحقوق الأقليات، وكأن هذه الأقليات شعوب لها حق ق تقرير المصير والاستقلال.
  2. إقحام دول الخليج عبر ثلاث قضايا:
  3.  المطالبة بالاعتراف بمشكلة عديمي الجنسية – (البدون)، ودعوة حكومات البلدان المعنية بمنح الجنسية لهم، ومعالجة مشكلة المهجرين العراقيين بإعادتهم إلى بلدهم
  4. إلغاء نظام الكفيل

إعلان القاهرة لم يكتف بالاستجابة للشروط الأمريكية، بل تبنى سياسة إرباك المواقف العربية:

جـ- حماية المهاجرات والعاملات الأجنبيات من الاستغلال الجنسي والعبودية وضمان حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية.

وبالإضافة إلى ذلك فقد أعاد إعلان القاهرة إنتاج القائمة المخلوطة للتمييز العنصري فرح بقضية التمييز ضمن النساء، معتبرا أن المسؤولية. تقع في ذلك على التيارات المحافظة التي تتبني أكثر التفسيرات الفقهية ترمنا تجاه المرأة وتكرس نمطا من الثقافة يقوم على إقصاء النساء وحصرهن في الأدوار التقليدية.

وبالطبع لم يفت الإعلان الإشارة إلى مشكلات البربر فدعا إلى ضرورة الاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية في بلدان المغرب العربي.

موقف هزيل من الصهيونية:

وفيما يتعلق بالشرط الأمريكي الملح والواجب النفاذ حول عدم الإشارة إلى الصهيونية بوصفها حركة عنصرية، فقد اكتفى القسم الثالث من إعلان القاهرة بالحديث عن العنصرية الإسرائيلية وحقوق الشعب الفلسطيني، دون إشارة واحدة أو استخدام ولو على سبيل الخطأ للفظ الصهيونية متجاوزا أيضا الحديث عن مدى شرعية الكيان الصهيوني ولو من جهة نظر القانون الدولي.

وبعد صدور الإعلان أخلت بعض المنظمات التي دعيت الحضور المؤتمر تهاجم ما جاء فيه: لأنه لا يعبر عن حقيقة ما دار في المؤتمر من نقاشات وبحث اتحاد المحامين العرب ببيان يحتج فيه على ما جاء في البيان، وأعلنت منظمة التضامن بين الشعوب الأفروآسيوية عن عدم التزامها بإعلان القاهرة، وبات موقف الإعلان خرجا وخاصة في الغرض الرئيس الذي. يستهدفه ألا وهو ادعاء تجسيد وجهة نظر المنظمات العربية في مؤتمر دربان وزاد من حرج موقفه الحديث عن منحة مؤسسة فورد المشبوهة، وأن هذه المنحة كانت مشروطة بتبني مؤتمر القاهرة لوجهة النظر الأمريكية كاملة.

وحدث أن صرحت ماري روبنسون رئيسة المؤتمر بأنه من الملائم أن تتخلي الدولية عن مطالبتها باعتبار الصهيونية حركة عنصرية من أجل إعطاء المؤتمر العالمي فرصة أكبر للنجاح. وهذا انبرت السكرتارية التي شكلها مؤتمر القاهرة للهجوم على روينسون، طمعا في قيادة الرأي العام العربي من ناحية، وأملًا في التغطية على موقف إعلان القاهرة من عدم ذكر الصهيونية من ناحية أخرى وهو ما يشبه. مع الفوارق المادية - عمليات غسل أموال المخدرات والدعارة.

ويبدو أن السكرتارية المزعومة للمجموعة العربية قد أيقنت من تلقاء نفسها، أن بيانها. الذي هاجمت فيه ويعنف تصريحات روینسون قد عمل بالفعل إعلان القاهرة، مما أصابه من أدران الشروط الأمريكية، فراحت تعلن في بيان لاحق أنها قد صارت ممثلة المجموعة العربية كلها وأن إعلان القاهرة هو المرجعية الفكرية المنظمات العربية في دربان، وذلك كله في «خبطة واحدة».

وقررت السكرتارية أن تسنح نفسها على طريقة وعد بلفور، حق إنشاء تجمع المنظمات العربية (كوكاس عربي) أثناء الاجتماع التحضيري الثالث وأن تقوم بتسجيله رسميا وتكون مسؤولة عن تنسيق أنشطته في جنيف ودعوة المنظمات العربية الأخرى التي قد تشارك لتنسيق عملها معها.

ثم قررت السكرتارية المزعومة أن تدس أنفها في الشأن الفلسطيني مباشرة، وذلك على الرغم من أنه الطرف الأصيل في توجيه الاتهام بالعنصرية للصهيونية، فقررت أن تكون مجموعة المنظمات الفلسطينية جزءا من الكوكاس العربي ولا تشكل تجمعا آخر. 

ورغم أن هذا القرار قد صدر عمن لا يملك الحق في إصداره، فإن السكرتارية قد تراه محاولة لتم تمثيل الفلسطينيين تحت مظلة دولة إسرائيل، وهو هدف نبيل يشبه في فحواه قول الحق الذي يراد به الباطل ذلك أن المنظمات الفلسطينية التي دعيت لحضور المؤتمر قد تم انتقالها بدقة من بين الذين يوصفون بالمعتدلين، وجرى عمدًا استبعاد أغلب المنظمات غير الحكومية الفلسطينية التي تتبنى موقفا أصيلًا وحاسمًا ضد الصهيونية..

وإزاء احتجاج هذه المنظمات وهي كثيرة واستعدادها للمشاركة في المؤتمر بأوراق وملصقات تفضح العنصرية الصهيونية لم تجد السكرتارية النبيهة من سبيل لإعاقة عمل هذه المنظمات سوى استيعابها في الكوكاس العربي الذي تزمع تشكيلة وإدارته والتحدث باسمه.

ومما له مغزاه أن مركز القاهرة لحقوق الإنسان كان يحضر الاجتماعات التنسيقية للمنظمات غير الحكومية المصرية المشاركة في مؤتمر دريان، ولم يقم ممثله في اللجنة التحضيرية في جنيف بأي جهد لإدخال تم الاتفاق عليها عربيا في مشروع وثيقة المؤتمر، ورغم ذلك فقد عمد المركز إلى تجاهل أطراف الاجتماعات التنسيقية أو حتى الاعتداد بجهودها التي أدت إلى إدخال بعض فقرات جديدة على وثيقة المؤتمر، وخاصة فيما يتصل بمعاداة السامية.

الرابط المختصر :