العنوان أخطر من «سايكس بيكو».. العولمة لب المشروع الإمريكي الصهيوني
الكاتب د. فتحي يكن
تاريخ النشر السبت 05-أبريل-2003
مشاهدات 63
نشر في العدد 1545
نشر في الصفحة 20
السبت 05-أبريل-2003
تتصل الحرب الدائرة بشراسة ضد العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها بأهداف ذات أبعاد استراتيجية، لا تمت بصلة إلى ما يعلنه رئيس الإدارة الأمريكية ومؤسساتها المختلفة، كنزع أسلحة الدمار الشامل وتحرير شعب العراق من قهر النظام وظلمه وطغيانه، ومحاربة الإرهاب وإشاعة أجواء الحرية والديمقراطية، وما شاكل ذلك!
إن الأهداف الاستراتيجية للحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان بالأمس القريب، والتي تخوضها اليوم ضد العراق كانت قد أفصحت عنها واشنطن - بشكل أو بآخر- ومن خلال مواقع قيادية مختلفة، بما في ذلك الرئيس بوش الذي وصف الحرب بأنها حرب صليبية، فمن الأهداف القريبة والبعيدة للحرب:
إضعاف العراق كبلد عربي مسلم، يمتلك مخزوناً وقدرات علمية من شأنها أن تشكل خطراً على المشروع الأمريكي الصهيوني في المنطقة، وعامل استنهاض للأمة.
وضع اليد على حقول النفط وباقي الثروات في المنطقة.
ترسيم خريطة جديدة لما يسمى «الشرق الأوسط» بما يحقق المصالح الأمريكية أولاً ثم مصالح حلفائها.
جعل بغداد عاصمة للمشروع الأمريكي الشرق أوسطي، من خلال تنصيب قيادة عراقية مرتهنة لواشنطن أشبه ما يكون بارتهان القيادة التي تم تنصيبها في أفغانستان.
إنشاء كانتونات طائفية ومذهبية: شيعية.. سنية.. درزية.. علوية.. مارونية تكون بمثابة فتائل تفجير دائمة، تتجاوز في خطورتها الآثار التي خلفها مؤتمر «سايكس بيكو» التآمري في مطلع القرن الماضي.
شن حرب على الإسلام من خلال سيناريوهات ذات أسلحة متعددة من ذلك :
العبث بمناهج التعليم الديني، وتقديم مفهوم جديد عن الإسلام.
شن حرب إبادة على الساحة الإسلامية وشرائحها المختلفة بذريعة محاربة الإرهاب، دون تمييز.
فرض وتكريس العولمة « الأمرو – صهيونية».
دعم المشروع الصهيوني، من خلال ترحيل الفلسطينيين، ومساندة إقامة دولة (إسرائيل) الكبرى.
هذه أبرز عناوين الحرب الأمريكية على العراق بعد الحرب على أفغانستان، والتي يمكن أن تتبعها حروب أخرى على عدد من الدول العربية وغيرها التي لا تزال خارج بيت الطاعة الأمريكي، في محاولة لتمرير مشروع العولمة « الأمريكي الصهيوني».
وفي الحقيقة لا يمكن كشف أبعاد هذه الحروب بدقة ووضوح من غير فهم للعولمة، فما هذه العولمة؟
هناك ثلاث قوى رئيسة ذات تأثير وفاعلية عالمية، بالرغم من تفاوت حجمها، وهي:
أولاً: الرأسمالية والمتمثلة بالولايات المتحدة، والتي تخطط للعصر الأمريكي والعولمة الرأسمالية.
ثانياً: الصهيونية والمتمثلة بقوى الضغط اليهودية والتي تخطط للعصر الإسرائيلي والعولمة الصهيونية.
ثالثاً: الإسلام والمتمثل بالعالم الإسلامي عموماً والساحة الإسلامية خصوصاً، والذي يخطط للعصر الإسلامي.
أولاً: العولمة الأمريكية (الرأسمالية)
وتعنى بالعمل على تعميم النمط الحضاري الأمريكي على بلدان العالم وشعوبه، بقصد الهيمنة على الاقتصاد والسياسة والثقافة والأفكار والسلوك، وتستخدم هذه (الأمركة) في عولمتها كل الشركات العملاقة متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية لصندوق النقد الدولي، ووكالات الأمم المتحدة العاملة في مجال التنمية والثقافة، ومختلف وسائل الإعلام وأجهزة المخابرات.
كان المثل الشائع قديماً «إن الإنسان ابن بيئته» أما اليوم فقد غداً الإنسان ابن البيئة العالمية، تكونه وتصنعه بصمات الأغرار والأغراب من هنا وهناك، حتى ليكاد يفقد خصائصه التراثية والوراثية.
بصمات العولمة الأمريكية باتت واسعة المساحة وعميقة الأثر وعلى كل صعيد.
الأزياء التي تتنافس في صناعتها مئات مؤسسات التصميم، إضافة إلى الصرعة العالمية المسماة «جينز».
الأطعمة والأشربة التي لم تترك مدينة من العالم.
العطور ومستحضرات التجميل وأدوات تغييرخلق الله.
السجائر.
الحلاقة وقصات وموديلات الشعر التي عصفت بالأجيال في كل أنحاء الأرض.
صناعة الأفلام السينمائية الجنسية و الإجرامية والأسطورية والخرافية وغيرها.
سياسات التنصير على مثل ما يجري فيالكثير من الدول الإفريقية والآسيوية تحت ضغط الفاقة والعوز.
الغناء والطرب والموسيقى والرقص مما أدى إلى نشأة أجيال أصبح مايكل جاكسون ومادو وجورج مايكل مثلها العليا.
العولمة الرياضية وتفاقم بدعة المونديال، وضياع شخصية الأجيال في حملة المراهنات على هذا الفريق الرياضي أو ذاك.
تحريك الفتن والحروب الأهلية والتطهير العرق والتحولات الديموجرافية (البوسنة والهرسككوسوفا).
افتعال الأزمات الاقتصادية والسياسية والمالية والتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان النامية، إضافة إلى اصطناع المشكلات الأمنية، وتبني سياسة الاغتيالات والانقلابات (إندونيسيا ماليزيا، لبنان..)
تفتيت البنى السياسية والاجتماعية على قاعدة فرق تسُد.
ثانياً: العولمة الصهيونية وتهدف إلى تمكين اليهود من الإمساك بمقدرات العالم وبخاصة الثقافية منها والاقتصادية عبر التدخل الهائل في حركة البورصة العالمية، وامتلاك أضخم الشركات العالمية.
إن عدداً من بروتوكولات حكماء صهيون ينص بصراحة على (صهينة) العملة العالمية.
يقول البروتوكول الخامس عشر: يجب أن يكون الدولار في المائة سنة القادمة عملة العالم، ولا يخفى على أحد أن الدولار صناعة يهودية ظاهرها أمريكي ولقد تحقق ذلك، ومن خلاله تحكم اليهودبمقدرات العالم.
والبروتوكول العشرون يقول: «إن استيلاءنا على ثروات العالم عن طريق الأسهم والسندات سيضطر الحكومات إلى طلب العون المالي مناء».
أما الصهينة الاجتماعية والثقافية فيشير إليها البروتوكول العاشر: «سنوصل العالم بدهائنا وألاعيبنا إلى أقصى درجات التمزق والانحلال حتى يعطونا حاكماً عالمياً واحداً يستطيع أن يوحدناويمحق كل الحدود والقوميات والأديان».
نماذج من العولمة الصهيونية
إن بصمات العولمة الصهيونية شديدة التخريب عميقة الإفساد في معظم المجتمعات البشرية..
فهي من وراء الترويج للأفكار والفلسفات الإلحادية والعلمانية.
ووراء تأسيس ورعاية نوادي عبادة الشيطان في العالم.
وراء الانهيارات الاقتصادية والإفقار المخطط والمنظم للشعوب.
ومن وراء مافيا الجنس والرقيق الأبيض وتجارة الأطفال والمخدرات.
وهي المصنعة الأولى لأفلام الدعارة ومجلاتها وأدواتها ومراكزها .
وهي المحركة الأساسية للفتن الداخلية والحروب الأهلية والصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية والإثنية.
والآن.. ما النتيجة؟
النتيجة أن يتطبع العالم بكل تفاصيل حياته بالحضارة الغربية تبعاً لمنطق ابن خلدون الذي يقول: «المغلوب يقلد دائماً الغالب»، «والضعيف يقلد القوي» والنتيجة أن تشمل العولمة: الرياضة (المونديال). والرأسمالية كنظام اقتصادي، والبنوك والتعامل الربوي، والديمقراطية كنظام سياسي، والعلمانية كمنهج اعتقادي، والعنصرية كسياسة اجتماعية والزواج المدني والزواج المثلي، والشذوذ، وتجارة وتعاطي المخدرات ، والانحراف الجنسي ونتائجه المرضية، والانحراف الأخلاقي والجريمة، وعبادة الشيطان وعولمة الأغذية الغربية، والفن الغربي، الموسيقى والأغاني والمرح، والإعلام، والعطور، والعملة، والصناعة، وتفكك الأسرة، وجسد المرأة، والعقاقير: فياجرا والمهدئات والمقويات، والسياحة والفنادق، والثقافة والمناهج التعليمية، والمعلوماتية و العادات والتقاليد.
ثالثاً: الإسلام.. والموقف المطلوب من الأمة
أمام العولمة الزاحفة من كل حدب وصوب، وأمام انقسام الدول والجماهير بين من يعتبر العولمة قدراً لا مفر منه، ومن يبحث عن دور له ضمن هذه العولمة. ومع الفروقات الهائلة على المستوى التقني والصناعي والاقتصادي بين الدول الكبرى والدول النامية، ومع القوة العسكرية الطاغية للدول الكبرى. يصبح كل الكلام عن العولمة الإيجابية هراء، وتتجلى الحقيقة بأنها عولمة قسرية يفرض القوي بها إرادته على الضعيف بأسلوب جديد وبإطار قانوني عالمي يصعب الفكاك منه.
إن التعاطي والتفاعل مع هذه العولمة لا يمكن أن يجدي نفعاً إلا من خلال الوحدة، وامتلاك القوة بأي شكل من أشكالها، وتنمية هذه القوة وتسخيرها لنهضة الأمة وتمكينها في الأرض.
قوة المسلمين كامنة فيهم وبين أيديهم قوة العقيدة، قوة الموقع الاستراتيجي، قرة الاقتصاد، قوة الثروة.. والمطلوب هو قوة الإرادة وقوة المقدرة، وهذه تحتاج لمزيد من الوعي والجهاد والتضحية، والإحساس العميق بالارتباط المباشر والانتماء الأصيل لهذا الدين جملة وتفصيلاً، وحمله كرسالة عالمية تؤدي دورها في إطار عالم المعرفة وثورة الاتصالات المتوافرة والمتاحة.
إن حمل الإسلام كرسالة عالمية هو الدور الحقيقي المطلوب من المسلمين أن يقوموا به، فمادام العصر عصر العولمة، فإن الإسلام من خلال مبادئه وتطبيقاته، هو المؤهل بجدارة لقيادة هذا العصر.
ولكن يحتاج لقياديين ومخلصين ومعاهدين ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالصَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلا ٢٣﴾ (الأحزاب: 23)
مخاوف أنقرة
ماذا بعد القضاء على صدام حسينأو اعتقاله وإقصاء حزب البعث عن السلطة؟ حسناً ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ من الذي سيحكم العراق وكيف؟ هناك فوارق جدية بل هوة واسعة بين ما تصرح به واشنطن وبين آمال العراقيين وتوقعات الجيران ومن بينهم أنقرة.
واشنطن تجزم بأن الإدارة العراقية المركزية الجديدة ستتشكل خلال فترة قصيرة، وأن هذه الإدارة ستضع الأمور بسرعة في مجاريها الطبيعية بمساعدة الولايات المتحدة والأمم المتحدة، وسيترسخ النظام الديمقراطي في العراق بمرور الزمن. أما أنقرة فلها شكوك عميقة بهذا الصدد. أولاً لأن فصائل المعارضة العراقية الموجودة على المسرح السياسي ممزقة وغير مؤهلة، وليس هناك من يعتمد عليها بشكلجدي، وزعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي لا يملك سمعة طيبة في العراق، أي أنأنقرة مقتنعة بأن تأسيس سلطة مركزية قوية في العراق بعد صدام لن يكون سهلاً.
وبعبارة أخرى فإن أنقرة تخشى وقوع العراق في براثن فوضى داخلية واسعة، وتقوم باستعداداتها في ضوء ذلك، وقد عبر عن ذلك رئيس الوزراء التركي السابق عبد الله جول بقوله: إن من الممكن وقوع حرب أهلية في العراق تستمر عشرة أعوام، وعندما يكون العراق محور القضية فإن موقف تركبا يصبح خاصاً جداً، حتى لو لم تشارك في الحرب.
وها قد وقعت الحرب دون دور لتركيا فيها، لكنها ترى نفسها ملزمة بحماية التركمان القاطنين في شمال العراق من الفصائل الكردية، ولا يتحقق ذلك إلا بمضاعفة تركيا ثقلها العسكري. كذلك فإن وقوع كركوك والموصل ومنابع النفط فيهما بيد الفصائل الكردية في خضم الفوضى السائدة أمر لا تتقبله أنقرة ببساطة، لأنها واثقة من أن استيلاء الأكراد على مصادر النفط سيسفر عن خطوات جدية على طريق إعلان دولة كردية مستقلة، تنعكس في المستقبل على الأكراد القاطنين في المناطق التركية المتاخمة للشمال العراقي، وينفس المنطق فإن غياب السلطة المركزية- والأدهى من ذلك تبعثر كيان الجيش العراقي- سيؤدي الى ظهور أمراء حرب كما حدث في أفغانستان، ويسفر عن تدفق موجات هجرة ونزوح جماعي وتهريب للبشر إلى تركيا بشكل مستمر، هذه فقط بعض السيناريوهات التي تخشى أنقرة رقوعها بسبب الحرب، وقد نقلها المسؤولون الأتراك مراراً إلى واشنطن ولندن، ولكنهم لم يتسلموا أي رد شاف يشير إلى أنها أخذت بنظر الاعتبار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل