; معالم على الطريق.. هل يدفع العجز إلا ساعدا بطلٍ؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. هل يدفع العجز إلا ساعدا بطلٍ؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 15-مارس-2003

مشاهدات 66

نشر في العدد 1542

نشر في الصفحة 47

السبت 15-مارس-2003

الرجولة خلق عظيم، تزداد وتقوى بالحق، وتسود وتعز بالعزائم، وتسمو وترتفع بالإيمان، وتدوم وتبقى بالعدالة والعمل الصالح، وتسعد وتؤتي أكلها بالرحمة والقدوة وطيب النفس وكبر القلب.

كما أن الرجولة تنتشر بالتوريث والتربية والتدريب، ولا تؤدي إلى الفلاح في الأمم والشعوب إلا من خلال من يقوم عوجها إذا اعوجت ويعدل مسارها إذا انحرفت.

قال الإمام الغزالي - رحمه الله: الحق لا يعرف بالرجال، ومن عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال فاعرف الحق حيث كان تعرف أهله إن كنت سالكًا طريق الحق، ثم قال رحمه الله: عادة ضعفاء العقول معرفة الحق بالرجال، والرجولة تبعات وللحق أعباء، خاصة عند فساد الزمان ووهن النفوس وضياع الآمال وأمام ذلك إحن ومحن وصبر ومصابرة وإصرار وعزيمة تلاطم الأمواج وتقرع الصخور والجبال.

 قال رجل للشافعي رضي الله عنه أيهما أفضل: الصبر أم المحنة أم التمكين فقال: التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مكن الا ترى أن الله تبارك وتعالى امتحن إبراهيم ثم مكنه، وامتحن موسى ثم مكنه، وامتحن أيوب ثم مكنه، وقال تعالى للذين آمنوا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(آل عمران: 200)، وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 2_3).

هؤلاء هم الرجال أصحاب الصدارة والجدارة والاستحقاق الذين يلوون أعناق التاريخ، ويستوقفون الزمان، ويرعبون الخطوب، وعندما سمعت قول خالد ابن الوليد الرجل من المسلمين، قال عند لقاء الروم: ما أكثر الروم وأقل المسلمين، فرد عليه خالد بل ما أقل الرومان والله لوددت أن فرسي سليم من توجيَه -يعني مرضه- وقد أضعفوا في العدد، إنما تكثر الجيوش بالنصر والعزائم:

أما غيرهم من الذين أضاعوا أممهم وأذلوا شعوبهم، وظلموا أوطانهم، وكسروا نخوة أجيالهم، فهدموا كل عامر، وبددوا كل ثمين وكانوا وبالًا ودمارًا ووباء، فهم أشد من الجراثيم وافتك من الأمراض المعدية، في حياتهم وحتى بعد مماتهم، حين يشيعون باللعنات من الجميع كما شبع الظالمون الباغون من قبلهم:

 لتبك على الفضل بن مروان نفسه               فليس له باك من الناس يعرف

 لقد صاحب الدنيا منوعًا لخيرها                 وفارقها وهو الظلوم المعنف

إلى النار فليذهب ومن كان مثله                على أي شيء فاتنا منه يؤسف

نعم إلى النار، فليذهب هو ومن كان مثله     ويذهب معه الحزن والكرب والضيق. 

ولكن ما أظن أن بغاة اليوم الذين حبسوا - الهواء - حتى الهواء - عن الناس ومنعوا عنهم الكلام وعدوا الأنفاس وراقبوا الحركات والسكنات والخطوات إلا سيذهبون إلى النار في الدنيا قبل الآخرة لما اقترفوا من جرائم تشيب لها الولدان، وتتكلم بها الركبان لتقول:

 أحقًا عباد الله أن لست جائيًا                  ولا ذاهبًا إلا على رقيب

 ولا زائرًا فردًا ولا في جماعة              من الناس إلا قيل أنت مريب

 ومن عجيب الأمر أن ترى بعد هذا التدمير، وهذا الامتهان للشعوب كثيرًا ممن ارتضوا أن يكونوا مطية لهؤلاء، وأبواقًا لأضاليلهم، فتسمع من يحدثك عن الحريات والديمقراطيات بلا حياء ولا خجل، ولا تلعثم ولا وجل، ويكلمك عن الرخاء والنماء بلا شعور ولا ضمير، وتصبر الناس على البلوى وتحتسب وتعلل النفوس لعل وعسى أن تدفع عن البلاد شرًّا، أو تزيل خطرًا، وتحمي عرضًا وتحفظ أرضًا ووطنًا فإذا بها تنام عن الأخطار، وتلهو وتسدر في غيها حتى تتلاطم الفتن وتسود الأيام وتجتمع الذئاب، وتشتعل النيران لتقضي على الأخضر واليابس، ويجار النصاح وينادي المخلصون بعدما ملوا وتعبوا ونالهم ما نالهم من الزمرة المفسدة قائلين:

إني أعيذكم بالله من فتن                          مثل الجبال تسامى ثم تندفع

إن البرية قد ملت سياستكم                     فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا 

لا تلحمن ذئاب الناس أنفسكم                 إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا 

لا تبقرن بأيديكم بطونكم                        فثم لا حسرة تغني ولا جزع

ولله در القائل إذ يقول في أمثالهم:

 أرى بين الرماد وميض نار                       فيوشك أن يكون لها ضرام

فإن لم يطفها عقلاء قوم                             يكون وقودها جثث وهام

أقول من التعجب ليت شعري                   أأيقاظ أميّة أم نيام 

فإن كانوا لجبنهم نيامًا                               فقل قوموا فقد حان القيام

ولكن لا قيام ولا حراك ولا كلام، وإنما هي خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم، يزدادون موتًا على موت مستمرئين ذلك هائمين به حبًا مولعين به عشقًا، حتى تعجب العدو قبل الصديق لهذا الجسد الذي رم، والعيش الذي ذل، والحياة التي هانت فما تشعر بشكاة أو عويل أو مصاب مهما عظم، حتى قال قائلهم:

ولو أني استزدتك فوق ما بي                       من البلوى لأعوزك المزيد

ولو عرضت على الموتى حياتي                  بعيش مثل عيشي لم يريدوا 

إذا فبيننا وبين الرجولة بون شاسع، وجهد جهيد، وعمل دؤوب، ولا يجوز لأحد هذا حاله وتلك طبيعته أن يدعيها، وإلا صارت أمورًا تضحك الثكلى وتجلب البلوى، يذكرني هذا بمثل يذكره العوام في الخسة وعدم الشهامة عن رجل ينام في بيته مع زوجته فشعرت زوجته بأن لصًا في الشارع فقالت له: إن لصًا في الشارع، فقال: لا تخافي معك رجل، فدخل الحرامي البيت فقالت له: لقد دخل البيت يا رجل، فقال: لا تخافي بجانبك رجل، فقالت: لقد دخل الغرفة، فكرر الكلمة وجاء اللص وأخذ الزوجة، فقالت له: لقد أخذني الحرامي، فقال: لا تخافي، لقد تركت في البيت رجلًا !!.

فبالله عليكم يا جماعة، دخل اليهود فلسطين واغتصبوها وتخدعنا السلطات وتحدثنا عن

الرجولة وتمنينا بإلقائهم في البحر، ثم احتلوا أراضي الدول المجاورة، ثم طردوا الفلسطينيين وتم قتلهم وتجويعهم وهدم ديارهم، ونحن نتحدث عن الرجولة، ثم جاء العدو والتهديدات الأخيرة، ولكن والحق يقال: أوقفنا التحدث عن الرجولة والكرامة والعزة ورفعنا الراية البيضاء والصفراء والحمراء، ولكننا نقول:

ولرب نازلة يضيق بها الفتى                       ذرعًا وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها                     فرجت وكنت أظنها لا تفرج

ولن يدفع العجز إلا ساعدا بطل، ولن يرد البغي إلا أسد هصور ستجده عن قريب إن شاء الله.

الرابط المختصر :