العنوان فقيه الأمة.. العلامة مصطفى الزرقا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يوليو-1999
مشاهدات 66
نشر في العدد 1359
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 20-يوليو-1999
وصلتنا مقالات في رثاء الشيخ العلامة مصطفى الزرقا من الشيخ يوسف القرضاوي، والدكتور محمد علي الهاشمي وأحمد الغيث، ومحمد بن عبد الرحمن الحبيب، وقد تشابه معظمها في سرد حياة الشيخ وآثاره العلمية، والمقال المنشور يتضمن خلاصة تلك المقالات، خاصة مقال الدكتور يوسف القرضاوي
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ (الأحزاب:38) فقد كتب علينا أن نودع أعلام الإسلام، وأن نرثي عمالقة الأمة واحدًا بعد الآخر.
ففي مدة وجيزة، رثينا علامة الجزيرة الشيخ عبد العزيز بن باز، ورثينا علامة الشام الشيخ علي الطنطاوي.
واليوم ننعي إلى الأمة فقيه العصر العلامة الشيخ مصطفى الزرقا، الذي لقي ربه مساء السبت 19 من ربيع الأول ١٤٢٠هـ الموافق 3\7\199م، في بيته بمدينة الرياض عن عمر بلغ خمسة وتسعين عامًا مباركة، قضاها في رحاب العلم الشرعي، والفقه الإسلامي، والدعوة إلى الله تعالى.
ولقد ظل الشيخ طوال عمره المديد الميمون معطاء، لم يتوقف عن العمل، ولم تخب شعلته، أو تنطفئ شمعته حتى توفاه الله، وما كان يشكو إلا من وجع المفاصل، وضعف السمع، الذي استعان عليه بسماعة يضعها في أذنيه، أما ذهنه فقد كان حاضرًا لم يغب، وأما ذاكرته فظلت قوية لم تضعف، وأما عزيمته فلم تزل صلبة لم تهن.
وقبيل وفاته بقليل، عرضت عليه فتوى فنظر فيها ونقحها وراجعها وصاغها الصياغة التي يرضى عنها، وبقي بعدها ينتظر صلاة العصر ويسأل عن دخول الوقت حتى وافاه الأجل وانتقل إلى رحمة ربه -عز وجل-.
طلبه للعلم
ولد الشيخ الزرقا في مدينة حلب الشهباء في سنة ١٣٢٢هـ- ١٩٠٤م من أسرة علمية دينية عريقة، اشتغلت بالفقه الحنفي، وبرزت فيه.
فجده العلامة الشيخ محمد الزرقا (ت ١٣٤٣هـ)، كان فقيه زمانه، وكان العلماء يأخذون عنه ويقرأون عليه حاشية ابن عابدين الشهيرة في الفقه الحنفي.
وأما والده العلامة الشيخ أحمد الزرقا (ت ١٣٥٧هـ)، الذي درس الفقه الحنفي درسًا، بل حرثه حرثًا وترك لنا فيه أثرًا ملموسًا هو «شرح قواعد المجلة»، وقد نشرها الشيخ مصطفى بتقديمه منذ سنوات، فهو غصن باسق من شجرة مباركة ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ﴾ (آل عمران:34)
وهذا النسب العريق هو الذي سماه أديب الشام الشيخ علي الطنطاوي سلسلة الذهب وهو الذي يستطيع الشيخ الزرقا أن يزهو به ويقول: أولئك آبائي فجئني بمثلهم!
هذه النشأة الطيبة المتميزة الخصبة كان لهاأثرها في تكوين الشيخ فكرًا وسلوكًا، وقد أتاه الله البصيرة النيرة والعقلية المتفتحة، والذهن اللماح والذاكرة اللاقطة والقدرة على الاستنباط والتعليل والتحليل والموازنة والنقد مع أناة عرف بها، وغاية في التدقيق وبراعة في التمحيص والتحقيق، ونفس سمحة تميل إلى التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير والتسهيل لا التعقيد، كل هذه كانت مؤهلات لنبوغ الشيخ منذ صباه.
قرأ الشيخ على علماء بلده في حلب، وأولهم والده، وتلقى العلم عنهم على الطريقة القديمة -على الحصر والبسط- تلقى عنهم التفسير والحديث والتوحيد والفقه والأصول والنحو والصرف والبلاغة والأدب، وكان من أبرزهم تأثيرًا في تكوينه العلمي والده الشيخ أحمد والعلامة المؤرخ المحدث الشيخ محمد راغب الطباخ (ت١٣٧٠هـ)، والعلامة المفسر المتكلم النظار الشيخ محمد الحنفي (ت ١٣٤٢هـ)، وكان من الذين تعلموا في الأزهر، وقرأ على الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي مصر: التوحيد والأصول، كما قرأ على الإمام محمد عبده: رسالة التوحيد وكثيرًا من التفسير.
ثم أضاف إلى الدراسة التقليدية: الدراسة النظامية في المدرسة الخسروية الشرعية في حلب، كما درس اللغة الفرنسية في مدارس «الفرير» ليتخذ منها سلاحًا لمعرفة ثقافة العصر.
وقد وطن نفسه -بعد ذلك- على دراسة المقررات المطلوبة لامتحان شهادة البكالوريا هو وصديقه ورفيقه محمد معروف الدواليبي، ودخل البكالوريا شعبة العلوم والآداب، وحصل على الترتيب الأول فيها، كما قدم في دمشق للبكالوريا شعبة الفلسفة وكان أول الناجحين فيها كذلك، فجمع بذلك بين الدراسة الشرعية والدراسة العصرية.
والتحق بعد ذلك بالجامعة السورية -جامعة دمشق بعد ذلك- في كليتين معًا: الحقوق والآداب، فكان يحضر الأولى في أول النهار والثانية في المساء، حتى تخرج فيهما بتفوق ملحوظ، فقد حصل على الترتيب الأول كذلك وبهذا اجتمعت له الثقافات الثلاث: الشرعية والقانونية والأدبية.
أعماله الوظيفية
تولى الشيخ التدريس في المدرسة الخسروية التي تخرج فيها، كان يدرس فيها الفقه والأصول والأدب، كما شغل مكان والده في المدارس النظامية، وفي درس الجامع الأموي بحلب.
واشتغل نحو عشر سنوات بالمحاماة بعد تخرجه في الحقوق أمام المحاكم الوطنية والمحاكم المختلطة «بالفرنسية»، وأكسبه ذلك خبرة بالحياة، ومشكلات الناس.
وفي سنة ١٩٤٤م عين مدرسًا للحقوق المدنية والشريعة في كلية الحقوق بدمشق، وظل أستاذًا بها إلى أن بلغ سن التقاعد ١٩٦٦م، وهو رئيس لقسم الشريعة.
وحين أنشئت كلية الشريعة سنة ١٩٥٤م. وكان عميدها الفقيه الداعية الكبير الدكتور مصطفى السباعي كلف بإلقاء عدد من المحاضرات فيها، كما ولي رئاسة لجنة «موسوعة الفقه الإسلامي» التي عزمت الكلية على تبني مشروعها.
وفي سنة ١٩٦٦م اختارته وزارة الأوقافوالشؤون الكويتية الإسلامية في الكويت، ليكون أول خبير لإنشاء الموسوعة الفقهية، وقد بقي خمس سنوات وضع فيها اللمسات الأولى لعمل الموسوعة، وكان التخطيط الأولي: أن تجمع فقه المذاهب الثمانية، ثم رأت الوزارة بعد ذلك الاقتصار على المذاهب الأربعة.
وفي سنة ۱۹۷۱م، دعته الجامعة الأردنية ليدرس في كلية الشريعة: المدخل الفقهي العام وغيره من المواد وظل يدرس بها ثمانية عشر عامًا.
لقد تخرجت أجيال على يديه خلال ثلاثة أرباع قرن من الزمان، نهلت من معينه، وتعلمت من نهجه، وسارت في خطه، الذي ينقاد للنقل، ولا يعطل العقل، ويعمل النص ولا يغفل الواقع ويستفيد من التراث ولا يهمل الحاضر، ويوازن بين النص الجزئي والمقصد الكلي.
يقول الشيخ يوسف القرضاوي: «عرفت العلامة الشيخ مصطفى الزرقا أول ما عرفته في صورة له في مجلة «الشهاب» المصرية التي أصدرها في أواخر حياته الإمام حسن البنا -يرحمه الله- لينشئ بها ثقافة إسلامية معمقة تخلف بها مجلة «المنار» التي كان يصدرها العلامة محمد رشيد رضا يرحمه الله.
وكانت المجلة تصدر في آخر كل عدد صفحة أو أكثر سمتها: سجل التعارف الإسلامي، تشتمل على صور لشخصيات إسلامية عدة من بلاد شتى ونبذة مركزة عن كل منها، وكان من صور هذا السجل في العدد الأول صورة للأستاذ الزرقا وهو شاب وسيم وقور يرتدي عمامة بيضاء، وكتبت المجلة عنه: «الأستاذ الشيخ مصطفى الزرقاء: من كرام أبناء سورية، ولد سنة ۱۳۲۳هـ، وطلب العلم في حلب، وتخرج في كليتهاالشرعية، وحصل على الإجازة من كلية الحقوق بالجامعة السورية وهو الآن أستاذ الشريعة الإسلامية فيها، وهو باحث قانوني ممتاز، وقد صاغ الفقه الإسلامي بأسلوب عصري، ورتب نظرية الالتزامات في القانون الوضعي في مؤلفه «الحقوق المدنية» وله كذلك كتاب «أحكام الأوقاف» ويدرس الآن في قسم الدكتوراه بجامعة فؤاد الأول، وقد حصل على دبلوم الشريعة الإسلامية بامتياز.
وفي هذا العدد من مجلة «الشهاب» كان للأستاذ الزرقا مقال بعنوان: العقل العلمي والعقل العامي، كما كتب مقالًا في عدد آخر من أعداد المجلة الخمسة عن العصبية المذهبية.
وقد وجدت فيما كتبه الشيخ الزرقا حينئذ -وأنا طالب في المرحلة الثانوية- أفكارًا علمية وروحًا تجديدية مع بلاغة وبيان مشرق.
وبعد ذلك قرأت للشيخ الزرقا بعض مقالات في مجلة «المسلمون» التي كان يصدرها الأستاذ سعيد رمضان، مثل مقاله «العبادة: جوهرها وآفاقها».
كما قرأت للفقيه الضليع الشهيد عبد القادر عودة صاحب كتاب «التشريع الجنائيالإسلامي» تعريفًا بكتاب الشيخ الزرقا «الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد» أثنى فيه ثناء عاطرًا على الكتاب مما شوقني إليه، وشدني للاطلاع عليه.
وأذكر أن أول لقاء لي مع الشيخ الزرقا كان في مصر في عهد الوحدة مع سورية، عرفني به الدكتور محمد البهي، وكنت أعمل معه في ذلك الوقت وكان الشيخ الزرقا يشارك مع رفقائه الثلاثة في وضع مناهج كلية الشريعة وكلية أصول الدين في الأزهر، وأعني بهم شيخ الدعاة الدكتور مصطفى السباعي، والمفكر المربي الأستاذ محمد المبارك، والمفكر السياسي الدكتور الدواليبي.
وكان كتابي «الحلال والحرام في الإسلام» قد ظهر في طبعته الأولى سنة ١٩٥٩م، وكنت أرسلت إليه نسخة هدية مني، فقرأه، وسر به، وأثنى عليه، وقال كلمته الشهيرة: إن اقتناء هذا الكتاب واجب على كل أسرة مسلمة.
ومن ذلك الوقت -من أربعين سنة- والمودة بيني وبين شيخنا موصولة، وكلما ظهر لي شيء من الإنتاج العلمي، هش له، ورحب به، وحث طلابه على قراءته، مثل «فقه الزكاة» وغيره من الكتب، ولقد التقينا بعد ذلك في مناسبات مختلفة، وفي بلاد شتي، وكلما لقيته ازددت منه قربًا، وازددت له حبًا، وهو يبادلني الشعور نفسه.
وقد كان من أدبه وفضله يبعث إلي ببعض الأسئلة في بعض القضايا المهمة التي عرضت عليه، وأجاب فيها، ليعرف رأيي فيها، وهل أقره على إجابته أم لا؟ فهو يطمئن إلى رأيي ويثق به، وهذا تواضع كبير من مثله، وأنا لا أعدو أن أكون من تلاميذه.
آثاره العلمية
خلف الأستاذ الزرقا ذكرًا حسنًا، يملأ الآفاق، وخلف تلاميذ في بلدان شتى يشيدون بذكره، ويدعون له، وخلف أصدقاء كلهم يكن له أصدق الود، وأعمق الحب.
وخلف قبل ذلك كله: آثارًا علمية أصيلة ثمينة، لا تقدر بكنوز الأرض جملة من الكتب النافعة لا يقدرها قدرها إلا العلماء الراسخون كلها تنبئ عن فقه مكين، وعلم رصين ودين متين وأدب مبين.
من هذه الكتب:
- الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، وهي سلسلة ذهبية حقًا صدر منها: المدخل الفقهي العام، وهو دراسة فقهية لا نظير لها فيما صنف السابقون أو ألف اللاحقون.
- المدخل للنظرية العامة للالتزامات في الفقه الإسلامي، وهو الذي رشح به لجائزة الملك فيصل العالمية، وحصل عليها في عام 1404هـ.
- أحكام الأوقاف.
- العقود المسماة في الفقه الإسلامي: عقد البيع
- عقد الاستصناع وأثره في نشاط البنوكالإسلامية.
- الفعل الضار والضمان فيه.
- صياغة شرعية لنظرية التعسف في استعمال الحق.
- عظمة محمد مجمع العظمات البشرية.
- نظام التأمين.
- الاستصلاح والمصلحة المرسلة في الفقه الإسلامي.
-في الحديث النبوي.
- الفقه الإسلامي ومدارسه «بتكليف من اليونسكو».
- العقل والفهم في السنة النبوية.
- فتاوى مصطفى الزرقا
تلك هي الثروة النفيسة من الكتب النافعة الماتعة التي جمعت بين أصالة القديم، ونصاعة الجديد، والتي شرقت وغربت، واستفاد منها القاصي والداني في العالم الإسلامي على امتداده.
كتب القاضي الفقيه الشهيد عبد القادر عودة عن كتابه «الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد» كان هذا العنوان أمنية فأصبح حقيقة كان أمنية تهوي إليها النفوس وتهفو إليها القلوب فأصبح حقيقة ماثلة بين دفتي كتاب يستطيع كل قارئ أن ينالها وأن يستمتع بجمالها.
وقبل هذا الكتاب كان عشاق الفقه الإسلامي يحاولون أن ينالوه فلا يستطيع أن يناله منهم إلا البعض وقليل ما هم، لأن الفقه اعتصم من طالبيه في المتون، وتحصن في الشروح واستعصى على طلابه في اللغة المغلقة والأسلوب العقيم».
ثم يقول: «ويلوح لي أن المؤلف قد عانى من مرارة الاطلاع على كتب الفقه ما عاني، فأخذ على نفسه أن يوطئ الفقه لطلابه، ثم رأى الفقه الإسلامي في ترتيبه وتبويبه، وربط فروعه بأصوله متأخرًا قرونًا عن الفقه الحديث، فأخذ على نفسه أن ينقل الفقه الإسلامي عبر هذه القرون الطويلة نقلة واحدة ليلحقه بالفقه الحديث، فوفقه الله إلى ما أراد، فوطأ الفقه الإسلامي لكل طالب، ونقله بخطوة واحدة جبارة من العصر العباسي إلى عصرنا الحديث».
فتاوى الزرقا ومزاياها وقد تجلى فقه الزرقا التطبيقي في ثلاث مجالات التأليف والإفتاء والتقني فأما التأليف فقد تحدثنا عنه، وأما الفتاوى فقد جمعت في مجلد، وظهر فيه كيف يرتبط الفقه بحياة الفرد المسلم، والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم.
هذه الفتاوى الزرقاوية، إنما هي في حقيقتها بحوث ودراسات فقهية أصيلة وعميقة، تقصر أو تطول، ليست مجرد قول المفتي: يجوز أو لا يجوز أو يجوز على مذهب فلان، ولا يجوز على مذهب آخر، بل هو يغوص في المسألة، ويحلل عناصرها، ويعرضها على نصوص الشريعة الثابتة وقواعدها الضابطة، ومقاصدها الكلية، ويقلب النظر فيها بأناة وروية -كالعهد به دائمًا- حتى ينتهي إلى ما يراه من حكم شرعي لها، مدخلًا في اعتباره تغير الزمان والمكان والإنسان،لا يدعي أن رأيه الذي كونه في المسألة هو حكم الله، ولا أنه الصواب الذي لا يحتمل الخطأ، بل كما قال الأولون: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
قد يختلف بعض العلماء مع الشيخ فيما انتهى إليه من نتائج وأحكام، ولكن لا يمكن لأحدهم أن يشكك في أصالة ملكته الفقهية وقدرته على التأصيل والتفريع، وبراعته في المناقشة والاستدلال، فهو لا شك فقيه الأمة في هذه المرحلة، فقيه في فهم النصوص، فقيه في فهم المقاصد، فقيه في فهم الواقع.
يقول الشيخ القرضاوي: والحقيقة أني رأيته نسيج وحده في فقه الواقع -ولا سيما في المعاملات- وله بصيرة نيرة في التمييز بين المتشابهات، وإدراك الفوارق الدقيقة بين الأشياء التي غفل عنها الكثير من العلماء.
أذكر هنا مثالين من فتاواه للتوضيح أحدهما: تفريقه بين القرض الفردي والقرض الجماعي، فالقرض الفردي الشخصي، لم يجز أن يزاد عليه ولو فلسًا واحدًا.
أما القرض الجماعي، فينظر إلى المقصد الكبير، وهو إدامة وجود رأسمال يستفيد منه أكبر قدر ممكن من المنتفعين، وهنا لابد من الحفاظ على رأس المال، وذلك بإيجاد جهاز إداري يقوم بمتابعة استرداد المبلغ ولابد من الإنفاق على هذا الجهاز الإداري، ولما كان أحق الناس بدفع قيمة المصروفات هذه للحفاظ على رأس المال هم المنتفعين من الصندوق، فلا بأس من اقتطاع نسبة معينة فوق المال المقترض لتغطية نفقات هذا الجهاز، شريطة أن تغطي هذه النسبة كلفة تشغيل الجهاز فعليًا بشريًا وماديًا من أجور ونفقات ولا يجوز أن تصبح فائدة باسم جديد «الفتاوى ص ٦٨٠».
ومثل ذلك: رأيه في التفريق في الهدايا التي يدفعها التجار لعملائهم عن طريق القرعة بين الهدايا البسيطة التي هي من عادة التجار وعرفهم لمن يشتري كمية كبيرة من بضائعهم.... وبين الهدايا الخارجة عن ذلك العرف ذات القيمة الكبيرة مثل السيارة ونحوها، فالأولى جائزة والثانية محرمة شرعًا.
ولقد رأيت بعض الناس -سامحهم الله- يتهمون الشيخ بالتساهل في الدين ونسي هؤلاء أن هذا الذي يسمونه «التساهل» هو «التيسير» الذي أمرنا به نبينا صلي الله عليه وسلم فقال فيما رواه عنه أنس رضي الله عنه: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» متفق عليه، وقد قال لأبي موسى ومعاذ -رضي الله عنهما- حين أرسلهما إلى اليمن: «يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا» متفق عليه.
وكأن شيخنا -رحمه الله- قد جعل نصب عينيه تلك الكلمة المضيئة التي قالها الإمام سفيان بن سعيد الثوري -الذي انعقدت له الإمامة في الفقه والحديث والورع - رضي الله عنه- ونقلها عنه الأئمة مثل أبي نعيم في «الحلية» وابن عبد البر في «العلم» والنووي في مقدمات «المجموع»: «إنما الفقه الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد».
ومن الناس في عصرنا من يحسب التشدد في الفتوى والمعسر في الفقه: أورع وأتقى عند الله من الميسر على عباد الله وكأنهم -للأسف- يتوهمون أن التيسير على الخلق ناشئ من قلة الدين، وضعف اليقين، مع أن الميسر إنما أطاع الأمر النبوي بالتيسير لا التعسير والمشدد أقرب إلى الدخول في قوله -صلي الله عليه وسلم-: «هلك المتنطعون». قالها ثلاثًا، رواه مسلم عن ابن مسعود.
ولقد نبهت في بعض ما كتبته أني وجدت فقهاء الصحابة -رضي الله عنهم- أكثر الناس تيسيرًا على المسلمين، وتلاميذهم من التابعين لهم بإحسان قريبون منهم، وأتباع التابعين قريبون من التابعين وإن لم يبلغوا مبلغهم في التيسير وكلما نزلنا في القرون وجدنا التشدد أكثر ولمسنا غلبة الأخذ بالأحوط على الأخذ بالأيسر وخصوصًا مع رسوخ التقليد، وقلة الاجتهاد والتجديد.
فإذا كان الشيخ ينهج منهج التيسير فهو يعود إلى الأصل ويحيي منهج الأئمة المتقدمين وسلف الأمة من الصحابة والتابعين».
والشيخ الزرقا وإن كان حنفيًا أبًا عن جد، لا يتعصب لمذهبه، بل كثيرًا ما يخرج عنه إذا رأى غيره أرجح من ناحية الدليل، لمراعاته للنص أو لتحقيقه مقاصد الشرع، ومصالح العباد.
وهو يرى أن الشريعة لا يمثلها مذهب واحد، وإنما يمثلها مجموع المذاهب والمدارس الفقهية على اختلاف مشاريها، وتعدد مسالكها، كما يتجلى ذلك بوضوح في عدد من الفتاوى، وهو يرى أن العصبية المذهبية سجن ضيق في جنة الشريعة الفيحاء!
وللشيخ الزرقا آراء فقهية سبق بها عصره عرضها على المجامع الفقهية، ولم تأخذ بها، مثل رأيه في اعتبار الحساب الفلكي في إثبات الأهلة والشهور، وخصوصًا هلال رمضان، وهلال شوال، وهلال ذي الحجة.
ولقد سمعت رئيس المجمع الفقهي التابع المنظمة المؤتمر الإسلامي يقول له في عمان، وقد رفض المجمع رأيه: هذه المرة الثانية التي يرفض فيها رأي الشيخ الزرقا بإجماع الأعضاء، وقبل ذلك رفضه مجمع رابطة العالم الإسلامي، فأنت يا شيخ وحيد المجمعين!
وهذه والله مأثرة للشيخ، تكتب له في سجل مفاخره، فليس الفقيه هو الذي يساير الناس ويردد ما قاله من سبقوه، فما بهذا يحيا الفقه، وتزدهر أحكام الشريعة، بل الفقيه الحق هو الذي يبدع ويجتهد، وإن لنفرد وحده بالرأي، وقد كان للإمام أحمد أراء انفرد بها عن الأئمة المتبوعين نظمت في كتب وشرحت وعرفت به مفردات المذهب، ولكل إمام مسائل انفرد بها عن غيره.
على أن رأي الشيخ في الأخذ بالحساب قد وافق فيه رأي المحدث الفقيه العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر -يرحمه الله- الذي رجح ذلك في رسالته «أوائل الشهور العربية» كما نقلنا عنه ذلك في كتابنا كيف نتعامل مع السنة النبوية.
إسهامات الشيخ في تقنين الفقه
ومما كان للشيخ الزرقا فيه جهد مذكور ومشكور، وضع القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي.
فقد كان عضوًا في اللجنة التي وضعت القانون السوري للأحوال الشخصية، والذي لايزال يعمل به إلى اليوم وهو يشتمل على اجتهادات مهمة، وخطوات إصلاحية.
كما كان رئيس اللجنة التي كلفت -أيام الوحدة مع مصر- وكان من أعضائها الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر بعد ذلك ووكيل مجلس الدولة في مصر، وكانت مهمتها وضع قانون موحد لفقه الأسرة.
وقد أنجزت هذه اللجنة بالفعل قانونًا متطورًا يتضمن كثيرًا من الاجتهادات التي تعالج مشكلات الناس التي تعج بها المحاكم الشرعية وقد استقت أحكامها من المذاهب المتبوعة ومن فقه الصحابة والتابعين والاتباع ممن ليس لهم مذهب مدون، ويعتبر هذا القانون من أمثل القوانين التي وضعت في فقه الأسرة، إن لم يكن أمثلها، وإن كان مما يؤسف له أنه لم يوضع موضع التنفيذ، لانهيار الوحدة، وقيام الانفصال وقد وفق الشيخ في طباعته ونشره أخيرًا، ليمكن الانتفاع به لمن يريد الإصلاح والترشيد والتجديد.
وكان للشيخ إسهام آخر في اللجنة التي اختارتها الدائرة القانونية في جامعة الدول العربية، لوضع مشروع قانون مدني موحد للدول العربية مستمد من الشريعة الإسلامية، وكان ذلك في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات وكان الشيخ عضوًا مهمًا فيها ومتحمسًا لها.
لغة الشيخ
من مميزات الشيخ الزرقا أنه جمع بين العلم والأدب، فقد كان تكوينه الأدبي منذ نشأته تكوينًا عميقًا، فقد قرأ الكتب الأدبية الأصيلة مع والده من الأغاني للأصفهاني إلى العقد الفريد لابن عبد ربه، إلى الحيوان والبيان والتبيين للجاحظ إلى دواوين أبي تمام والبحتري والمتنبي والمعري وغيرهم، وحفظ الكثير الكثير من الشعر الجاهلي والإسلامي.
ولهذا رأينا الشيخ قد «أدب الفقه» أعني أنه أعطاه لغة الأدب، وعذوبة البيان، فخلت كتبه عن «الوعورة» التي يشعر بها من يخوض لجة الفقه وعن «الجفاف» الذي يحس به من يجتاز قفار مراجعه، ولا سيما كتب المتأخرين ومتونهم، التي بالغت في الإيجاز، إلى حد الألغاز.
رحم الله شيخنا مصطفى الزرقاء وتقبله في الصالحين من عباده، وجزاه عن دينه وأمته خير ما يجزي الفقهاء الراسخين والعلماء الربانيين الذين يعلمون فيعملون، ويعملون فيخلصون، ويخلصون فيقبلون، وعوض الله أمتنا فيه وفي أمثاله خيرًا. وإنا لله وإنا إليه راجعون.