; ماذا أعد العرب للجولة الخامسة التي يعد لها العدو؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا أعد العرب للجولة الخامسة التي يعد لها العدو؟

الكاتب الدكتور عبد الرحمن عميرة

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1976

مشاهدات 74

نشر في العدد 302

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 01-يونيو-1976

جاء في التقدير الاستراتيجي لعام ١٩٧٥م الذي أصدره في لندن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أن إسرائيل تتوازن في تفوقها النوعي من السلاح على جيرانها من الدول العربية، رغم ادعاءاتها غير ذلك.

وذكر تقرير المعهد أن إسرائيل ستملك قريبًا نحو مائة صاروخ أمريكي أرض أرض، كما أنه سيكون في حوزتها قبل نهاية هذا العقد مائتا صاروخ آخر ستعمل على تجهيزها برءوس غير نووية، كما أن إسرائيل ستحصل على خمس وعشرين مقاتلة متطورة من طراز ف ١٥ «إيجل»، وعدد من القنابل الموجهة بأشعة الليزر، وأسلحة إلكترونية بصرية... إلخ. ويعلق المحرر السياسي لجريدة «التايمز» البريطانية بقوله: إن هذا يؤكد استمرار إسرائيل في سياسة الإعداد للحرب.

إذن فهي تعد العدة لجولة خامسة مع العرب.

ومن قبل أن ينشر هذا التقرير لمعهد الدراسات الاستراتيجية أكد كثير من المخلصين للأمة العربية، ومن أبنائها أيضًا، أن إسرائيل تعد العدة لحرب شاملة… فماذا أعددنا لهذه المعركة؟!

المعركة التي ستكون من أقوى المعارك ضراوة وقسوة بين الطرفين؛ لأنهما يعلمان أنها المعركة الفاصلة. أعتقد أن جهودًا مكثفة من الحكومات وقادة الجيوش العربية بذلت للحصول على الأسلحة المتطورة، ولا أكون مغاليًا إذا قلت: إننا حصلنا في الفترة الأخيرة على أسلحة ومعدات من دول صديقة لا تقل عن الأسلحة التي يملكها العدو، إن لم تكن تتفوق عليها. 

والأمثلة التي يجب أن نلقيها على أنفسنا في تلك الآونة الحرجة من تاريخنا: هل كان من أسباب انهزام العرب في معاركهم السابقة مع إسرائيل قلة السلاح والعتاد؟

الحقيقة التي تؤكدها التقارير المنصفة أن الأسلحة التي كانت بأيدي العرب لا تقل عن الأسلحة التي كانت في حوزة إسرائيل.

أكانت هزائمنا إذن بسبب قلة الأعداد البشرية التي دخلنا بها معركتنا؟

لا يستطيع أحد أن ينكر أن القوة البشرية التي حشدها العرب كانت تفوق القوة البشرية التي دخلت بها إسرائيل المعركة.

إذن لماذا تعددت هزائمنا في أكثر من معركة؟

يقول المنصفون من أبناء هذا الوطن: تعددت هزائمنا لأن الجيوش العربية كان ينقصها سلاح جوهري لم تعمل حسابه إلا في معركتها الأخيرة معركة رمضان(1).

وكانت إسرائيل تملك هذا السلاح وأحسنت استعماله، فكان عاملًا من عوامل نصرها وتفوقها.. هذا السلاح هو سلاح العقيدة… إيمانها بالدفاع عن أرض الميعاد وبزعمها وتعميق الإيمان في نفوس جنودها بسلامة الهدف من وراء هذه الحروب، وتعميق الاعتقاد بأن القتل فوق ترابها طريق الخلود والأبدية... ولا أدل على هذا من الحوار الذي دار بين جندي إسرائيلي ومندوب الإذاعة المصرية، قال مندوب الإذاعة المصرية لأحد الجنود الإسرائيليين الذين وقعوا في الأسر أثناء حرب الاستنزاف التي شنتها القوات المصرية عام ١٩٦٩م: «أنت شاب يهودي في العشرين من عمرك، وقد قدمت إلى إسرائيل بعد حرب الأيام الستة من «كاليفورنيا» حيث كنت تقيم مع أهلك في نعيم، فما الذي دفعك من حياتك الوادعة، وظلك الظليل، لتجيء إلينا فتتطوع في جيش الدفاع الإسرائيلي في هذا الحريق الذي يكتم الأنفاس ويجثم على الصدور، لا تدري متى يأتيك أجلك؟ فيجيب الشاب اليهودي الأمريكي القادم الذي انتزع نفسه من لذائذ كاليفورنيا المتاحة ليضعها في البلاء المحدق على ضفة القناة:

لقد حفزني ديني، ودفعني إيماني للمجيء إلى الأرض المقدسة، لأحقق رسالة أنبياء إسرائيل والسعادة التي أحسستها في الدفاع عن معتقداتي الدينية، لا تعدلها سعادة الدنيا بما رحبت...». هذه هي الروح التي تحارب بها إسرائيل والتي يدخل بها جنودهم المعركة.

فالجنود الإسرائيليون يعتبرون أنفسهم في حرب مقدسة للدفاع عن العقيدة والأرض الموعودة. ويحاول الحاخامات الذين ينتشرون في الجيش الإسرائيلي تعميق هذا المعنى في نفوس الجنود… تقول أحد التقارير التي قدمت لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: «في الجيش الإسرائيلي حاخامات على رأسهم حاخام الجيش الأكبر، وهم يتمتعون بسلطة لا مثيل لها ولا نظير في الجيوش الأخرى. وفي جيش إسرائيل تجرى مسابقات سنوية في التوراة يكرم المتفوقون فيها أعظم التكريم، وينالون أكبر الجوائز، كما أن الجيش ضباطًا وضباط صف ومراتب أخرى يقيمون الشعائر الدينية عند حائط المبكى، وأفراد قوات المظلات الإسرائيلية تؤدي يمين الولاء أمام هذا الحائط... يحملون المدفع بيد والتوراة في اليد الأخرى.

وحين هرب الصهاينة ستة زوارق حربية من ميناء «شربوزغ» يوم ٢٦ ديسمبر ۱۹۷۰م ووصلت سالمة إلى ميناء «حيفا» قال ديان:

«إن الزوارق الستة أبحرت دون أسلحة ودون حراسة، واستطاعت التزود بالوقود في البحر؛ ذلك لأنها لم تكن مزودة بأربعة محركات فحسب، بل وأيضًا بنعمة إلهية وبروح علوية».

وهو ما أشار إليه الكتاب المقدس: «كانت الفوضى تعم الأرض وروح الله تشمل الماء».

أين هذا مما كان يفعله بعض القادة العرب من إجبار الضباط الذين كانوا تحت قيادته، من تناول كمية كبيرة من الخمر حتى تكون لديهم الشجاعة لمطاردة العدو؟!

ولقد تحقق ما أراده القائد من عملية المطاردة سوى تعديل طفيف جدًّا من أنهم طاروا أمام العدو لا خلفه… وأعتقد أن هذا النوع من القادة لم يصبح له مكان في جيوشنا العربية...

تقول ابنة موشيه ديان في كتابها «جندي من إسرائيل» الذي صدر بعد حرب عام ١٩٦٧م: «تقضي الطقوس الدينية المتبعة في الجيش الإسرائيلي أن تقدم للجنود في يومهم المقدس «يوم السبت» أطعمة معلبة، وقد خولفت هذه القاعدة يوم السبت ٢- ٦- ١٩٦٧ قبل الحرب بيومين، فقدم للجنود طعام مطهو، ولكن الجنود رفضوا تناوله حرصًا على أوامر دينهم، الأمر الذي اضطرت معه قيادة الجيش أن تصدر فتوى من الحاخام الأكبر بجواز أكل الطعام المطبوخ يوم السبت حين يكون الجيش في حالة استنفار».

فمتى يكن الإيمان لجنودنا سلوكًا ومنهجًا وقوة ضاربة تدك حصون الأعداء إن فشلت أسلحة الحروب في اقتحامها؟

ومتى يهتم قوادنا بهذا السلاح ويكونون بذلك قدوة لجنودهم؟

يقول القائد «مونتجمري» ردًّا على سؤال: هل من علاقة للدين بالقيادة؟

فقال: إن القائد لا بد من أن يكون متمسكًا بمثل عليا وبالفضائل الدينية.

ويقول أيضًا: إنني أعتقد أن الاستقامة من القضايا الكبرى ومن الفضائل الدينية أمر ضروري لنجاح القائد. ويتساءل: إنني لا أدري كيف يستطيع امرؤ أن يكون قائدًا إن لم تكن حياته الشخصية فوق الشبهات؟ فإذا لم يكن كذلك فقد احترامه بين من يقودهم، وإذا ما حدث ذلك فستفقد قيادته تأثيرها...

وقال منتجمري ذلك واعتقده فكانت له الغلبة.

وتجاهل قادتنا هذه الحقيقة فكان نصيبهم الهزيمة… 

ويفاجئنا الإلحاد السافر المتنمر المأجور الذي يتلقى تعاليمه من أسياده خارج البلاد… بقوله بعد معركة ١٩٦٧م: إن الجندي العربي قد هزم لأنه لم يكن اشتراكيًّا بالقدر الكافي؛ أي بقيت في نفسه بعض الرواسب الدينية.

وقالوا: إن الضباط المصريين هزموا لأنهم لا يمثلون طبقة «البروليتاريا» بل يمثلون «البورجوازية» الصغيرة.

ماذا يريد منا الإلحاد المتنمر؟ أيريدنا أن نتخلص نهائيًّا من كل القيم والمبادئ وأن نقطع كل ما بيننا وبين الدين من صلة؟

أعتقد أننا لم نكن شيئًا قبل أن نتعرف على هذا الدين.. وتلك حقيقة التاريخ لا ينكرها إلا مكابر.

وعندما استقرت مبادئ الدين الإسلامي في قلوب أبناء العرب وتشربته أرواحهم، انداحوا به في أربعة أركان الدنيا، وطويت الأرض من تحت أقدامهم.

ولم يمض على خروجهم وقت طويل حتى كان صوتهم بكلمة التوحيد يدوي في ربوع الأندلس، وامتد إلى مشارف أوربا.

وواصل زحفه على أرض الصين حتى ألقى رحله آخر حدود الهند. 

وواصل زحفه إلى القيروان واستقر في «بانزرت» آخر مشارف تونس، وتمخر قطع الأسطول الإسلامي مياه البحر الأحمر والمتوسط لتنشر اسم الله الأعظم في صقلية وقبرص، وتتوقف على مشارف كورسيكا موطن نابليون في فرنسا.

وتحول البحر المتوسط إلى قاعدة إسلامية...

ومن هذه القاعدة وثب أبناء الإسلام إلى روسيا ليحولوا الكثير من ولاياتها

ومقاطعاتها إلى مراكز إشعاع لنشر الإسلام في الأصقاع البعيدة…

ولقد سجل التاريخ ما قامت به بخاری، والقوقاز، وطشقند من مد إسلامي في مختلف المعارف البشرية، ومن إثراء للحركة العلمية الإسلامية.

لقد شملت الفتوحات الإسلامية ثلاث قارات: أوربا، وآسيا، وإفريقيا، وأزالت ما بينها من حدود وسدود...

وسار المسلم بلا جواز أو هوية سوى جواز الإسلام وهوية التوحيد، من فارس حتى مراكش إلى آسيا الصغرى.

قال البارون كارادفوا في كتابه مفكرو الإسلام، عند ترجمة محمد الفاتح: «إن هذا الفتح لم يقيض لمحمد الفاتح اتفاقًا، ولا تيسر لمجرد ضعف دولة بيزنطية، بل كان هذا السلطان يمتلئ قلبه بالإيمان ويعتمد على ربه، ويستخدم كل ما كان في عصره من قوة العلم، فقد كانت المدافع حينئذ حديثة العهد بالإيجاد، فأعمل في تركيب أضخم المدافع التي يمكن تركيبها يومئذ، وانتدب مهندسًا مجريًّا ركب مدفعًا كان وزن الكرة التي يرمي بها ۳۰۰ كلج، وكان مدى مرماه أكثر من ميل. وقيل: إنه كان يلزم لهذا المدفع ۷۰۰ رجل ليتمكنوا من سحبه، ولما زحف محمد الفاتح لفتح القسطنطينية كان تحت قيادته ثلاثمائة ألف مقاتل، ومعه مدفعية هائلة، وكان أسطوله المحاصر للبلدة في البحر ۱۲۰ سفينة حربية، وهو الذي استخار ربه وسحب جانبًا من الأسطول من البر إلى الخليج، وأزلق على الأخشاب المطلية بالشحم ۷۰ سفينة أنزلها في البحر من جهة الجبل.

وفتحت القسطنطينية... فتحت بالإيمان الذي كان يملأ قلوب الرجال والقادة، ويقول معتمد القيصر بطرس الأكبر مصورًا قوة المسلمين من ذلك الوقت: «إن السلطان العثماني يعتبر البحر الأسود كداره الخاصة، فلا يباح دخوله لأجنبي»، لقد انهزمنا في معركة ١٩٦٧م عندما عرف عدونا الطريق إلى العمل بعقيدته على ما فيها من تبديل وتحريف، فأعطته هذه العقيدة قوة ضاربة، دمرت قوة من يتشدقون بالإلحاد والتبعية.

تقول جولدا مائير: لا ننكر أننا نعتز بصداقة أمريكا ووقوفها معنا؛ لكن أمريكا وكل دولة أخرى إنما توجهها مصالحها. أما أساس قوتنا الوحيدة فهو ارتباط كل يهودي منا برباط العقيدة».

وتصور حالنا إذا استقر الإيمان في القلوب عندها لن تكون هناك نكسة نضحك بها على أنفسنا ويضحك علينا العالم.

ولن تكون هزيمة، ولن يكون فرار وتسليم الأسلحة للأعداء... وإنما فقط ستكون إحدى الحسنيين؛ إما النصر وإما الشهادة.

يا أتباع محمد، سيروا على هذا الطريق... طريق الإيمان، فليس والله لكم من طريق غيره، وإلا ستتفرق بكم السبل.

عمقوا الإيمان في قلوب الجنود يحولهم الله إلى قلاع صلبة تدمر الباغي وجيشه، وتدك الطغيان وأهله.

ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله…

دكتور عبد الرحمن عميرة

أستاذ التربية بجامعة الإمام

محمد بن سعود الإسلامية

1- أما الجنود الطيبون وصغار الضباط فقد اندفعوا -بفطرتهم- يقاتلون العدو، لكن القيادة السياسية لم تكن في المستوى العقائدي المطلوب. «المجتمع».

الرابط المختصر :