العنوان مقدونيا.. والبركان القادم في أوروبا الشرقية
الكاتب عمر ديوب
تاريخ النشر الثلاثاء 15-سبتمبر-1992
مشاهدات 61
نشر في العدد 1016
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 15-سبتمبر-1992
الخطر الداهم في البلقان
ودور المجتمع الدولي
في غمرة الأحداث المأساوية الجارية حاليًا في البوسنة والهرسك، حيث يُحصد
الآلاف المؤلفة من المسلمين الأبرياء، لا ضير من التذكير - أو بالأحرى التنبيه -
بـالخطر الداهم في بلاد البلقان، ذلك البركان الذي لم تخبُ قط حممه في يوم
من الأيام. إن بلاد البلقان تشهد بين الفينة والأخرى حالات اضطرابات لم يجد العالم
بلسمًا لها إلى الوقت الراهن، وكانت آخرها تلك السلسلة التي بدأت منذ الصيف
المنصرم، عندما انطلقت شرارات الفتن في سلوفينيا، وأعقبها تأجج نيران
الاضطرابات في كرواتيا، وها نحن اليوم نشهد ما آلت إليه الأمور في البوسنة
والهرسك.
إن من واجب المجتمع الدولي أن يقوم بإجراءات احترازية للحيلولة دون الانفجار
القادم لبركان ما كان يعرف بيوغسلافيا سابقًا، والتي تعج بالمناطق المتوترة. إن مقدونيا
هي واحدة من هذه البقع المتوترة، إن لم نقل أكثرها خطورة لتأثرها الكبير بنفوذ
الدول المجاورة لها. (تفكك يوغسلافيا)
السلطة المقدونية
وإذا رجعنا إلى تاريخ مقدونيا، فسرعان ما نفهم ببساطة سبب تسميتها بالسلطة
أو الكوكتيل.. فقد تعاقب عليها الاستعمار اليوناني والبلغاري والصربي قبل
أن تخضع لحكم الأتراك العثمانيين طوال 50 سنة.
ومع انهيار الدولة العثمانية تحولت
مقدونيا إلى بؤرة للنزاعات القومية الإقليمية، والتي أدت إلى نشوب عدة حروب في
بلاد البلقان، وارتكاب أعمال إرهابية ضارية، وتجزئة وتقسيم المنطقة إلى ثلاثة
أجزاء.
وقد شكل الجزء الأكبر من هذا التقسيم في عهد الماريشال تيتو - والذي أطلق
عليه بجمهورية مقدونيا اليوغسلافية - عبارة عن «كوكتيل» عرقي مشكل من
الجماعات السلافية والأقلية الألبانية الكبيرة، وإن العلاقات بين هاتين الجماعتين
لا تخلو من المشاكل التي قد تتفاقم، وتحول مقدونيا إلى لقمة سائغة في فم الطامعين
مرة ثانية.
تحديات الاستقلال والرفض
اليوناني
إن التاريخ غني عن إعادة نفسه حتى ولو كان الأمر يخص بلاد البلقان، وإن أفضل
طريق لتفادي وقوع صراعات من أجل السلطة داخل مقدونيا يكمن في نيل البلد ما يصبو
إليه، ألا وهو أن يصبح دولة مستقلة. ولكي تصل مقدونيا إلى ذلك فإنها بحاجة إلى
مساعدات جمة، ذلك أن الوضع الاقتصادي المتدهور والنزاعات العرقية، وتأثير الدول
المجاورة التي لا تنظر إليها بعين العطف والحنان، كلها عوامل جعلت البلد في وضع
حرج، وزادت على ذلك افتقارها إلى الاعتراف الدولي.
هناك مشكلة تكمن في الرفض اليوناني لتسمية البلد بـ «مقدونيا»،
وعلاوة على ذلك فإن اليونانيين يؤمنون بقوة - ولكن بخطأ - بأن لهم وصاية
تاريخية على مقدونيا ترجع إلى عهد الملك الإسكندر الأكبر وما قبله، ويساورهم القلق
أيضًا إزاء احتمال نيل مقدونيا استقلالها بحجة أنها في هذه الحال سوف تنظر إلى
الإقليم اليوناني الذي يحمل نفس الاسم «مقدونيا» بعين التحرر والوحدة.. بيد
أن معظم السكان في مقدونيا لا تكمن قيمتهم إلا في كونهم مقدونيين.
أما بالنسبة لشركاء اليونان في المجموعة الأوروبية؛ فإنهم ينشقون إلى فئتين،
حيث إن الفئة الأولى تؤمن بحق كل دولة في اختيار أي اسم يعجبها، أما الفئة الثانية
فهي تؤمن بضرورة تضامن دول المجموعة من أجل مساندة أي عضو يشعر بأن «مصالحه
الوطنية الحيوية» تتعرض للخطر، وإن دول المجموعة قد أيدت بالفعل هذا التوجه في شهر
يونيو الماضي، عندما أعلنت بأن على مقدونيا أن تختار اسمًا يقبله اليونان، «على أن
يقابل مساندة دول المجموعة لليونان كشف هذه الأخيرة عن كفها في بعض المسائل
الأوروبية، وخاصة تلك التي تهم تركيا».
مطامع الجارات كعوامل
تهديد
إن البوسنة تكفي عبرة لكل من يعتقد بسذاجة بأن الاعتراف الدولي كاف لضمان
السلام في بلاد البلقان؛ حيث الوضع خطير. فبالنسبة لمقدونيا فإن اليونان لا تشكل
العنصر الوحيد من الجارات التي تضايقها، وربما تكون مصدرًا أقل للقلاقل. فهناك
بلغاريا التي تعترف بالدولة المقدونية، غير أنها لا تعترف بوجود شيء يسمى بـ الشعب
المقدوني، فضلًا عن أنها لم تتخلّ قط عن حلمها في إقامة بلغاريا العظمى،
كما أن ألبانيا لا تكتفي بالمطالبة بحقوق الأقلية الألبانية في مقدونيا، بل تسعى
إلى تحويلها إلى «شعب»، وعلى الرغم من أن الأقلية الصربية ضئيلة في مقدونيا، فإن
بإمكان صربيا أن تستخدم هذه الأقلية كأداة لعقد الصفقات من أجل الحصول على حلفاء
محليين.. وذلك في الوقت الذي يطالب فيه المتطرفون الصربيون القوميون بإلحاح أن
تتقاسم صربيا وبلغاريا المنطقة.
الحل: التدخل الدولي
لضمان الاستقلال
ينبغي أن نقول لكل الطامعين في مقدونيا - وبحزم - أن يبعدوا أيديهم عن هذا
البلد، وتحت التهديد بـالنبذ الدولي، ويمكن دعم هذا التحذير عن طريق مساندة
هذه الدولة، وإذا لزم الأمر ينبغي نشر قوات حفظ سلام على الحدود مع البلدان
المجاورة، فحتى إن وجود عدد قليل من الجنود مؤشر كاف، كما أن على الدول الغربية أن
تقدم مساعدات اقتصادية مشروطة بـالمعاملة الطيبة مع الأقلية الألبانية
وغيرها من الأقليات داخل مقدونيا.
وإنه في حالة توفر المساعدات المطلوبة بإمكان مقدونيا أن تتحول إلى نموذج
لنجاح العمل الدولي، مع أن ذلك يبدو صعب المنال، غير أن ذلك سوف يوفر لمقدونيا
استقلالها مع تفادي عمليات «التطهير العرقي» المتوقع حدوثها فيها، فهل
سينتقل الخطر بعد ذلك من البوسنة والهرسك إلى مقدونيا؟