العنوان وثائق للتاريخ: كيف يصير بعضهم دكاترة؟
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
مشاهدات 67
نشر في العدد 849
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 29-ديسمبر-1987
بمناسبة ما ذكر عن مقالات الدكتور محمد أحمد خلف الله أود أن أذكر شيئًا عن تاريخ
الدكتور محمد أحمد خلف الله حينما كان معيدًا بالجامعة..
كان الدكتور قد تقدم برسالة لنيل الدكتوراة من كلية الآداب-
جامعة القاهرة
بعنوان «القصص الفني في القرآن» تحت إشراف الأستاذ أمين الخولي.. اتهمه الناس بالكفر
والإلحاد وطالبه البعض بحرق الرسالة على مرمى ومشهد من أساتذة وطلبة كلية الآداب وطالب
آخرون بفصله من الجامعة، وطلبت جريدة «الإخوان المسلمون» في هذا الوقت باتخاذ إجراءات
حاسمة، وقالت: إذا ثبت أن ما نقل عن رسالة الفن القصصي في القرآن الكريم قد ورد فيها
كما نقل فلا يكفي أن يحرقها مؤلفها بيديه أو بيدي غيره على مرأى ومشهد من الأساتذة
والطلاب بل لابد له أن يعلن رجوعه إلى الإسلام ويجدد عقد نكاحه على زوجته إن كان متزوجًا
وأن يقوم بكل ما يقوم به من ارتكب جريمة الردة عن دين الإسلام.
كان الدكتور قد ذكر في رسالته «إن قصة موسى في سورة الكهف لم تعتمد على أصل من
واقع الحياة بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ، وإن ما تمسك به الباحثون المستشرقون
ليس سببه جهل محمد بالتاريخ بل قد يكون من عمل الفنان الذي لا يعنيه الواقع التاريخي
ولا الحرص على الصدق العقلي وإنما ينتج عمله ويبرز صوته بما يملك من الموهبة الفنية
والقدرة على الابتكار والاختراع والتغيير والتدبيل».
ويعلق الشيخ مصطفى صبري -رحمه الله- على الرسالة قائلًا:
«إن كاتب الرسالة يدير قلمه ويبني أقواله على أن القرآن من تأليف محمد صلى الله
عليه وسلم.. وإنه- أي كاتب الرسالة- وإن نحى الجهل عن الرسول فقد حلاه بالموهبة الفنية».
ذكر الدكتور في رسالته -كما يقول الشيخ مصطفى صبري- أن القرآن لا يهمه في قصصه
أن يعتمد على أصل واقع من الحياة وعلى أساس معترف به من التاريخ بعد أن كانت مبتدعة
على صيغها الفنية وابتكاراتها الخيالية طبق ما هو مهمة الرواد الفنيين».
اتهم الشيخ مصطفى صبري- الدكتور بالضلال.. ويقول في ذلك: «إنه ضلال لا يقبل التبرير
بل يقضي على الرسالة نفسها لكونه رقيا للقرآن الذي هو كلام الله في اعتقاد المسلمين
بأن وجود الشيء فيه لا يقتضي صحته ومطابقته للواقع. وهو تشكيك صريح في صدوقته الله،
يحكم العقل قبل كل شيء بأنه كفر بالله وانتقاص لمقام الألوهية فإن لم يكن كفر بالله
فهو كفر بنبوة محمد وتلميح إلى أن القرآن كلامه لا كلام الله ولا يؤيد هذا الاحتمال
الأخير اهتمام صاحب الرسالة في سعيه لترويج رأيه بنفي الجهل عن سيدنا محمد بالتاريخ
دون نفيه عن الله».
والدكتور- في رأي الشيخ مصطفى صبري- طاعن في أمانة القرآن وإذا لم يكن يعتقد
بأن سيدنا محمدًا هو فنان القرآن فإنه يعني أن فنانه هو الله، وفي هذا ينقل احتمال
الكذب السائغ في الفن القصصي إلى الله.
وهو في ذلك يكون معتنقًا إحدى العقيدتين اللتين أقلهما كفر بنبوة سيدنا محمد
وتجويز وجود الكذب في القرآن باعتبار أنه كلامه لا كلام الله، ثم تأويله بأنه كذب فني،
أو أنه كلام الدين فلا يقاس بمقياس الحقيقة التاريخية لأن الحقيقة الدينية لا يمكن
في رأيه أن توضع تحت مصباح الذهن البشري.
واتهم الأستاذ أحمد أمين، في تقريره عن الرسالة، صاحبها بأنه ذهب في رسالته إلى
أن محمد فنان هذا القرآن وصانعه، وكان الدكتور قد سلم بأنه لو قال شيئًا من هذا كان
كافرًا.
وقال الأستاذ أحمد أمين إنه قال هذا فعلًا.
وقد سمى الشهيد سيد قطب الضجة التي أثيرت حول الرسالة بأنها مهزلة غذاها صاحبها
بالوقود ويقول رحمه الله في ذلك..
«ووقف الطالب الجامعي خلف هذه المهزلة يغذيها بالوقود كلما هدأت والدنيا لا تكاد
تسعه من الفرح وأحسبه قد أعد نفسه عميدًا لكلية الآداب ثم مستشارًا فنيًّا لوزارة المعارف
أو يعد نفسه لأن يكون وزيرًا للأوقاف.. ألا يعرف مثله أن الضجة التي ثارت حول كتاب
«الأدب الجاهلي» للدكتور طه حسين بك هي التي جعلته عميدًا لكلية الآداب ومستشارًا فنيًّا
بعده؟ ألا يعتقد مثله أن الضجة التي ثارت حول كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للأستاذ عبدالرازق
بك هي التي جعلته كذلك وزيرًا للأوقاف؟ فلماذا إذن لا يرشح نفسه لأحد هذه المناصب ونحن
في مصر بالضجات الحمقاء التي يثيرها رجال الدين المحترفون حماية الدين حول هذه الموضوعات
ترفع الذكر وتنشر الصيت وتغير الأقدار».
هذا وقد احتمى الدكتور في مواجهة الانتقادات التي وجهت إليه بتوفيق الحكيم الذي
وقف إلى جانبه وعد خروجه على الإسلام أحد مشاعل الحرية الفكرية وروج للرسالة الطاعنة
في أمانة القرآن والقائلة «بأن وجود شيء فيه لا يقتضي صحته».
أما الأستاذ أمين الخولي الذي أشرف على رسالة الدكتوراه فقد كتب مقالة عن الرسالة
بعنوان «إنها لحق.. ألقوا بي في النار..» ويصف الأستاذ العماري مقالات ودروس الأستاذ
الخولي في الجامعة التي كان فيها أستاذًا للبلاغة لفترة طويلة.. بأنها «مقالات حسبها
قاضية عليه وعار على الجامعة».
وكانت قد شكلت لجنة مؤلفة بأمر وزارة الأوقاف للنظر في الرسالة وتبرئتها من تهمة
الطعن في القرآن وضمت اللجنة علي عبدالوهاب خلاف أستاذ الشريعة بكلية الحقوق.. ويقول
الشيخ مصطفى صبري عن اللجنة «إنها اهتمت بناحية براءة الرسالة من تهمة عد القرآن تأليف
سيدنا محمد لا كلام الله ولم تهتم بما فيها من القول بأن القرآن لا يعنيه أن يكون جميع
قصصه متفقة مع الحقائق والوقائع مع أن اهتمام صاحب الرسالة ينفي الجهل على سيدنا محمد
بالتاريخ عندما يرى قصص القرآن مخالفة للحقائق التاريخية ما يوهم بحق أن القرآن في
نظر صاحب الرسالة من تأليف محمد».
وكان الشهيد سيد قطب قد علق على هذه المهزلة في موقع آخر بقوله «ذكرت الوقائع
ليعلم الناس أية مهزلة تكمن وراء الموضوعات الجدية وكيف تمنح أرقى الشهادات العلمية
وتمنع في جامعتنا الوليدة وكيف يصير الكثيرون دكاترة أو ماجستيرات وكيف لا يصيرون».
دكتور أحمد إبراهيم خضر
أستاذ علم الاجتماع المشارك
بجامعة الملك عبد العزيز بجدة
ص. ب: 1540- جدة- السعودية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل