العنوان اليمن الجنوبي: من ديمقراطية الحزب إلى ديمقراطية الدولة
الكاتب محمد امين العباس
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-1990
مشاهدات 66
نشر في العدد 950
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 16-يناير-1990
في وقت سابق من نوفمبر 1989 شهدت مدينة المكلا في اليمن الجنوبي تظاهرة طلابية نظمتها طالبات المدارس الثانوية وذكرت صحيفة «صوت العمال» -شبه الرسمية- الصادرة في عدن بأن الطالبات طالبن بإلغاء الاختلاط في المدارس والسماح لهن بارتداء الحجاب. وأشارت الصحيفة إلى أن السبب وراء خروج الطالبات في التظاهرة يرجع إلى قيام بعض مديري المدراس بفرض أوامر على الطالبات تقضي بعدم ارتداء الحجاب أثناء الدوام المدرسي وذهبت الصحيفة في تحليلها لدواعي الحدث قائلة: «القضية تتجسد أساسًا في نشوء تلك الهوة القائمة (نفسيًا وذهنيًا وبيئًيا) بين مصدر إلقاء الأوامر وإنزال القرار، موقع المتلقين للأوامر والقرارات والمطالبين بتنفيذها دون تأخير ولا مناقشة وهي الحالة التي لم نزل نعيشها حتى اليوم -بهذا الشكل أو ذاك- ونجني نتائجها المريرة وانعكاساتها العسيرة وإفرازاتها الخطيرة.. الخ».
فالحدث وطريقة صياغته خبريًا والتعليق عليه في صحيفة رسمية تقريبًا بهذه الصورة المثبتة تنم عن أن اليمن الجنوبي قد دخل مرحلة إعادة البناء «البيروسترويكا» بل إن الصحيفة تستبطئ حركة التحول وتنعي على بعض الإدارات أنها مازالت تحتفل بالأسلوب التقليدي الجامد في إصدار القرارات وتلقي الأوامر -كما في (..) وهي الحالة التي لم تزل نعيشها حتى اليوم- والدعوة للنقد الذاتي وإعادة البناء في النظم القائمة في اليمن الجنوبي ليست وليدة الأحداث الأخيرة التي فجرتها الاستدارات السوفياتية نحو الذات وإنما يرجع ذلك لفترات ماضية تمثلت أحيانًا كثيرة في صور صراع قاس بين أطراف الجبهة الوطنية الحاكمة هناك.. وكانت لغة الإصلاح دائمة التردد غير أن ظروف إخراجها في شكل برامج عملية لم تجد فرصتها إلا في الآونة الأخيرة (عام 89) حيث ارتفعت مفردات التواصل القومي والدعوة للوحدة اليمينة وفتح قنوات الاتصال مع المجموعة العربية وخاصة العربية السعودية.
وفي ديسمبر من العام الماضي أنهى الدور القيادي للحزب الاشتراكي واحتكاره للسلطة بعد إعلان ممارسة التعددية الحزبية في خطوة عرفت في حينها بـ«بيروسترويكا عدن» وأضاف قرار إعلان التعددية بأن الإطار المرجعي للممارسة الحزبية يتم على أساس الدستور ومبادئ وأهداف ثورتي 26 سبتمبر «اليمن الشمالي» و14 نوفمبر «اليمن الجنوبي».. وهي إشارة واضحة لمساعي التوافق بين ثورتي اليمن «الموحد» بالرغم من اختلاف منهجيهما.
- بيروسترويكا عدن
إن النظام الحاكم في عدن –قبل تطوراته الأخيرة- ظل يتقلب في دائرة محدودة نسبيًا مما أورثه بعض الانغلاق الإقليمي وعدم الانسجام النوعي مع دول مجاورة، إلا أن الوضع العام ظل مرتعًا للنزاع والخصومة وهذا ينطبق على مجمل الوقائع التي شهدتها أروقة إصدار القرار اليمني بدءًا من قحطان الشعبي إلى سالم ربيع وعلي ناصر محمد حتى استقر نهج وسطي باختيار الرئيس حيدر أبوبكر العطاس.
وبدهي أن استقراء الأحوال السابقة يفضي مباشرة إلى نهج تغييري يعتمد على ضرورة توفير الاستقرار السياسي وتجاوز إشكاليات النزاع وهو ما تسعى إليه الدولة حاليًا. ونهج البيرويسترويكا تمليه حالة الإحساس الثابت والدائم بضرورة وحدة شطري اليمن وهي ليست وضعًا خاصًا بعدن وإنما هي حالة تشاركها فيها مدن صنعاء وربما كانت مساعي صنعاء أكثر وضوحًا بحكم الشعور التاريخي بالوحدة اليمنية.. وطبيعي أن تتحاور مناهج التأطير بين صنعاء وعدن وثورة 26 سبتمبر وثورة 14 أكتوبر والتحاور هنا تحكمه موضوعية نقاط اللقاء وحتمية التحاكم للحقائق المباشر فيها، فاليمن الواحد الموحد هو حضن العروبة والإسلام وحصنهما وكل نهج يتجاوز هذه الأسس لا يعدو أن يكون فرقًا فوقيًا لا تشده جذور المنطق والموضوعية.. ومن هنا قامت قراءة جديدة للوقائع والحاضر والمستقبل وبدأت اليمن الجنوبي تعيد بناءها وفق الحقائق المركزة في الشخصية اليمنية في احترامها لحقوق الإنسان وتوفير الحرية السياسية وممارسة ذلك في إطار التعددية الحزبية وحتى يتوافق نهج الشمال والجنوب من أجل إقامة اليمن الواحد وهي طرح يجد صداه لدى الشعب اليمني في الجنوب..
- وحدة واقتصاد
اشتهر عن الأنظمة الاشتراكية نهجها الشمولي في توجيه الاقتصاد ومركزية ذلك التوجيه الخاضعة لملكية الدولة لوسائل الإنتاج ومن ثم تهميش كل نشاط اقتصادي آخر، وهو واقع عاشته التجارب الاشتراكية عالميًا وعربيًا وبالطبع كانت له سلبياته وإيجابياته غير أن سنوات الانفتاح كانت ملازمة لكل تجربة خاضت ذلك النهج فكما في مصر السادات وفي الجزائر بن جديد فإن اليمن الجنوبي دلف إلى باب الانفتاح الاقتصادي.
فبدأ نشاط القطاع الخاص في مجالات عديدة واعترف النظام بأن القطاع العام وحده ليس وعاء مستوعبًا وكليًا للنشاط الاقتصادي، ومن هنا فتح المجال أمام القطاع الخاص ليمارس نشاطًا اقتصاديًا خارج دائرة التوجيه المركزي فنشط هذا الأخير في مجال التشييد والمقاولات والورش الفنية الحرفية والفندقة والصيد، وقد ذكر الأمين العام للحزب الاشتراكي الحاكم علي سالم البيض بأن نهج الحزب لم يكن ليقتصر على القطاع وحده إلا أن «المشكلة في الممارسات الخاطئة والمعيبة التي شابت التجربة.. ونحن الآن نصوب التجربة ونعدد وسائل الحلول لمشكلاتنا بمرونة وشجاعة» وهكذا بدأت الصياغة النظرية لمرحلة طابعها «المرونة والشجاعة» في تقويم الممارسات الماضية للنظام سعيًا لتحقيق الأفضل والتصويب يستهل تجاربه في فتح المجال أمام الانفتاح الاقتصادي والتخلي عن حاكمية القطاع العام وهي حاكمية أصابت حركة المبادرة الاقتصادية بالشلل التام أمام روتينية القطاع العام والبيروقراطية الوظيفية التي أفقدت العمالة لذة المبادأة وإمكانية إشباع الرغبة الغريزية في التملك وجني ثمار العمل في عدالة تامة.. وإن كان الاقتصاد في النظرية الماركسية يخضع الإنسان ويحكم نشاطه فإن تلك النظرية تجاوزها المنطق العلمي والتجريبي وأثبتت تجربة اليمن الجنوبي بأن الإنسان هو حاكم الحركة الاقتصادية وليس العكس.
- الدين
الماركسية أعلنت بأن الدين أفيون الشعوب وأن الكنيسة والمعبد ظلت على مدى التاريخ مصدر استغلال للجماهير وحجر عثرة أمام حياة الطبقة الكادحة.. هذا ما توصلت إليه الماركسية من خلال قراءتها لبعض الوقائع الجزئية لحركة الدين المسيحي على وجه الخصوص.. ولم يكن الدين الإسلامي مناط دراسة وافية من قبل ماركس ورفيقيه إنجلز ولينين... غير أن الاشتراكيات التي ولدت في عالمنا العربي والإسلامي تصطدم بواقع لا يتفق ومقولة الماركسية عن الدين.. فالإسلام كان دعوة تقدمية منذ أن صدح الوحي على النبي محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، وهو الذي أنصف الحياة وكان -وسيظل- رحمة وعدلًا ونهجًا قوميًا ولهذا لم تستطع «الماركسيات» العربية أن تدخل أبواب المعارك مع الجماهير من خلال التقويم الماركسي للدين وإنما استبدلت ذلك بالطرح الاقتصادي والتركيز عليه وفي مجال السلوك الديني كانت الأنشطة الماركسية تدعو إلى تهميش السلوك والدعوة الإسلامية وإن كانت لا تظهر ذلك في أدبياتها وفي مجلس التجربة، فإن النظام اليمني في سابقة ربما سلك نهجًا قريبًا من ذلك، أو هكذا ظل الآخرون يرون في ذلك النظام، إلا أن إعادة البناء والنقد الذاتي فتحت المجال للدين ليؤدي دوره الريادي في الحياة.
وبدأت القيادة ترى في السلوك السابق مجافاة حقيقية للواقع.. وقد ذكر الرئيس حيدر أبو بكر العطاس ذلك صراحة عندما قال «ما حدث في السابق أننا لم نكن نهتم بهذه المسألة –الشعائر الإسلامية- بما فيه الكفاية.. لقد أكد دستورنا أن دين الدولة هو الإسلام.. وما نسعى إليه اليوم في عملية الإصلاح الحاصلة هو أن نهتم بشؤون الدين والدنيا فنحن عرب بكل تأكيد وعند العرب مرجعية إسلامية» فالإصلاح الذي ترومه قيادة اليمن الجنوبي حاليًا يجعل من الدين «مرجعية» تنطلق من أطرها الحياة وتنتظم العلاقات، وقد ذكر الرئيس العطاس بأن ذلك يقتضي تعزيز علاقات اليمن العربية والإسلامية.. ويذكر هنا أن الموافقة على الوحدة اختطت دستورًا يتضح فيه التوجه الإسلامي من خلال عدة مواد، فالمادة الثالثة تنص على أن «الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع» وهكذا يبدو نهج الإسلام بناء ينطلق من الواقع الموضوعي والتجربة العلمية.
- المستقبل
إن منطق الأحداث التي أسفرت عن الانفجار في أوروبا الشرقية يدعو الأنظمة بداهة إلى إعادة حساباتها والدول العربية لا تصل إلى هذه الحقيقة من خلال إفرازات الأحداث الأوروبية فحسب وإنما يحدوها إلى ذلك ما تملكه من إرث حضاري عظيم يستند إلى ممارسة الواقعية في إقامة الشورى وتحقيق العدالة الاجتماعية ولقد أدركت القيادة في اليمن الجنوبي تلك الحقائق واستنبطتها ومن ثم بنت برنامجها الإصلاحي في الاقتصاد والدين والسياسة ودعت إلى ممارسة التعددية الحزبية كنهج يوفر الأجواء الصحية للعمل السياسي وتقوية أواصر الحركة الشعبية.
وإن كان البرنامج اليمني بسلوكه هذا قد تجاوز مرحلة التجمد السابقة فإن كثيرا من الدول العربية قد سبقت وأن أعادت صياغة نظمها وفقًا لواقعها المعاصر. مثال ذلك الإصلاح الجزائري الذي انتهجه الرئيس الشاذلي بن جديد خلال الأربع سنوات الأخيرة.. تأتي تجربة الأردن لتغيير واقعي لضرورة فتح قنوات المشاركة الشعبية في قضايا التنمية والإصلاح السياسي.. إن اليمن الجنوبي بسلوكه الإصلاحي هذا يفتح واقعًا جديدًا صالحًا لإقامة مجتمع تسوده العدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية مع شطره الآخر.