العنوان (المكان القصصي) القصة القرآنية: طبيعتها وصفاتها
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2007
مشاهدات 81
نشر في العدد 1779
نشر في الصفحة 44
السبت 01-ديسمبر-2007
(*) أستاذ الأدب والنقد
رؤوس الشياطين.. صورة لتقريب شجرة الزقوم إلى الأذهان
الدنيا من في المصطلح القرآني هي الحياة الأدنى أو المرحلة الأولى للحياة
وإذا كانت الفكرة في معظم قصص القرآن الكريم موظفة لإثبات طلاقة القدرة الإلهية ووحدانيتها وهيمنتها على الكون، ومن فيه، وما فيه، فإن قضية المكان والزمان في هذا القصص، تبدو ذات صبغة عامة مطلقة.
فالمكان في كثير من القصص القرآني، قد يبدو مجهولا ، أي غير محدد بمعالم يمكن تلمسها والإمساك بها، ولكنها تشير وتومئ إلى كيان عام أو فضاء عام يعد رمزًا، أو إشارة، فكثيراً ما تتكرر الدنيا والآخرة.. وهو ما يمكن أن نحدده بصفة تقريبية، فالدنيا هي واقع الحياة على الأرض التي تمتد على قارات ست أو أكثر وقد تعني صورة معنوية بمعنى العيش فيها، وقد تشير إلى دلالة رمزية وهي الحياة الأدنى أو المرحلة الأولى للحياة، بحكم أن الآخرة هي الحياة الأعلى التي تكرس الخلود لمن يعيش في الجنة أو النار، كذلك نجد الجنة والنار، مكانين غير واضحين في مجال التحديد المكاني بالمفهوم الدنيوي، ولكنهما واضحان بالمفهوم المعنوي الذي يجعلهما مكانين للثواب والعقاب ... والجنة بالطبع ترتبط بالمؤمنين والنار ترتبط بالكافرين، وسنجد مثلاً في آخر سورة الزمر، وصفاً - إلى حد ما - للمكانين الجنة والنار، بصورة توحي بما يحتويان، وإن كانت بعض الآيات في سور أخرى تفصل وتشرح هذا المحتوى. فلنأخذ أولاً الصورة العامة لكل منهما - الجنة والنار - كما وردت في سورة الزمر قال تعالى : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ(71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ(72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ(73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ(74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(75)﴾ (الزمر ) (۱).
هذا المنظر العام لجهنم «أي النار. » والجنة تفصله آيات أخرى كثيرة، ففي سورة «الصافات» مثلاً نجد تصويراً داخلياً لكل من الجنة والنار، والسورة تناقش قبل هذا التصوير ما يجري يوم القيامة للمؤمنين والمكذبين، وما يحدث بينهم من حوارات وتلاوم واعترافات.. قال تعالى: ﴿ قَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ (٢٨) قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ (٣١) فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ (٣٣)﴾ (الصافات). أما عباد الله المخلصون الذين آمنوا به، ولم يشركوا به شيئاً، فالجنة بالنسبة إليهم، يصورها القرآن بقوله تعالي: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ رِزۡقٞ مَّعۡلُومٞ (٤١) فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكۡرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ (٤٣) عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ (٤٥) بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ (٤٧) وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيۡضٞ مَّكۡنُونٞ (٤٩)﴾ (الصافات).
فالرزق المعلوم هو الطعام، ومعه كل الثمار والبقول الطيبة، وهم معززون في جنات النعيم يستأنس بعضهم ببعض وهم متكئون على سرر متقابلة ويدار عليهم بخمر من أنهار الجنة التي لا تذهب العقل ولا تسبب له سُكراً، فضلاً عن الحور العين، المستورات المحصنات، اللائي لا ينظرن إلى غير أزواجهن .
هناك - بالطبع - تفصيلات أخرى في آيات أخرى لمكونات الجنة. أما النار أو جهنم أو سقر أو الجحيم أو غير ذلك من مترادفات النار، فقد جاء وصفها الداخلي، في مقابل الجنة على النحو التالي: ﴿ أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ (٦٤) طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ (٦٨)﴾(الصافات).
والحق سبحانه يعرض منزل أهل الجنة في مقابل منزل أهل النار، ويعرض المسألة على الكافرين عن طريق التخيير: ﴿أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ (الصافات:١١)، فنزل أهل الجنة وما فيه من أطايب الطعام والحياة، لا يقارن بشجرة الزقوم التي هي طعام أهل النار، وما أدراك ما شجرة الزقوم المرة الكريهة التي تسبب الألم والحسرة، لقد جعلها الله محنة وعقابًا للمشركين، فهي تنبت في قاع الجحيم، وثمرها يشبه رؤوس الشياطين وهي «صورة متخيلة » تتسم بالوحشية والقبح، وإن أهل النار حين يجوعون لا يجدون غيرها لسد رمقهم أو ملء بطونهم، ثم يشربون شرابًا من ماء حار ساخن يقطع أمعاءهم، ومصيرهم في كل الأحوال إلى الجحيم حيث النار الموقدة التي يستحقونها !
لا شك أن الفارق بين صورة المكان في الجنة وصورته في النار كبير، وقد تعددت الصور في أكثرمن سورة، وأكثر من آية على امتداد القرآن الكريم، وذلك لارتباط الجنة بالإيمان وما يتعلق به، وارتباط الناربالكفر والشرك والظلم والطغيان.
هناك أماكن أخرى كثيرة ارتبطت بالقصص القرآني، ولا نجد من ملامحها إلا الإشارات التي تتعلق بالمضمون المباشر للفكرة القصصية أو الغاية من القصة، وخاصة فيما يتعلق بقصص الأنبياء والرسل مع أقوامهم، فهناك على سبيل المثال: البيت «الكعبة» المركب أو السفينة، اليم أو البحر، مدين، الأرض المقدسة، المسجد الأقصى، المحراب، المعبد، جذع النخلة، الكهف، الحجر، مصر، الجب، السجن، الجدار، السد، بكة ،يثرب، سبأ، المكان القصي، إرم ذات العماد، القرية التي تعمل الخبائث، البلد الأمين، طور سنين، الحجرات، الرسّ... إلخ .
الهامش
(١) وسيق أي دُفع وزمرًا : فوجًا بعد فوج، أو جماعة بعد جماعة، ومثوى: أي منزلًا ومستقرًا، وخزنتها: حفظتها، وطبتم: طهرتم من كل نجاسة، ونتبوأ : نسكن، وحافين: مستديرين، وقُضي بينهم بالحق: حكم بين الخلق بالعدل.