العنوان رجل فقدناه «الدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا» رحمه الله
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1986
مشاهدات 81
نشر في العدد 779
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 12-أغسطس-1986
إنه و
احد من رواد الأدب الإسلامي المعاصر، الذين حملوا الراية بصبر وثبات، ووقفوا على ثغر من ثغور الإسلام.
لقد عمل الفقيد -رحمه الله- على إبراز الأدب الإسلامي بقوة، وثابر على المناداة به، وإبراز خصائصه، وإحياء تراثه بجِد وإخلاص وكان في دراسته وتدريسه مثلًا يحُتذى في الجد والصبر والثبات. لقد عرفته مدارس سورية، وجامعة دمشق منافحًا قويًا عن العربية -لغة القرآن- وعن الأدب الإسلامي، ثم ترجم دعوته تلك إلى عمل رائد عندما أصبح أستاذًا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فبدأ يدرس الأدب الإسلامي، ويبرز نصوصه وخصائصه، ووجه عددًا من طلابه لدراسة هذا الأدب، وجمع نصوصه من بطون الكُتب، وشتى المراجع والمصادر الأدبية والتاريخية، لا سيما وأنه كان يعلم بأن هذا الأدب لم يلق العناية التي يستحقها، والاهتمام الجدير به من طلاب الدراسات الأدبية. ولم يلتفت إليه إلا النزر اليسير من الدارسين التفاتات عابرة لا تتكافأ مع مكانته من ديوان الشِعر العربي، ولا تنهض إلى مستوى منزلته في حياة المسلمين حتى أصبح يُطلق عليه اسم الأدب اليتيم.
ثم راح يعدد الأسباب التي حالت دون إبراز هذا الأدب وهكذا كانت ثمار جهده هذا أن أخرجت كلية اللغة العربية ستة أسفار ضخمة تجمع النصوص النثرية والشِعرية وهي كما يلي:
۱- شِعر الدعوة الإسلامية في عهد النبوة والخلفاء الراشدين.
2- شِعر الدعوة الإسلامية في العصر الأموي.
3- شِعر الدعوة الإسلامية في العصر العباسي الأول.
4- شِعر الدعوة الإسلامية في العصر العباسي الثاني.
5- القصص الإسلامية في عهد النبوة والخلفاء الراشدين (1).
6- القصص الإسلامية في عهد النبوة والخلفاء الراشدين (2).
وسُميت هذه الأسفار «بموسوعة أدب الدعوة الإسلامية» وكانت أمنية الفقيد
-رحمه الله- أن تصل هذه الأسفار إلى قريب من خمسة عشر مُجلدًا.
وتُمثل هذه المجلدات الست الأرضية الصلبة التي تساعد الدارسين في معرفة الأدب الإسلامي، ودراسة خصائصه ورصد موضوعاته وأغراضه، وصوره منذ فجره الأول. وهو عمل جليل وكبير يحتاج إلى من يكمله، ويتمم خطواته تلك لتشمل جميع العصور وشتى الفنون الأدبية. وهو يعكس صورة الجهد الذي بذله الفقيد، والتصور الذي نظر من خلاله إلى الأدب الإسلامي.
وكذلك كان له الفضل في إقرار منهج الأدب الإسلامي في كلية اللغة العربية، وأصبح قسمًا خاصًا يتخرج منه كثير من الباحثين والطلبة الدارسين، وتكتب فيه كثير من البحوث والموضوعات التي تعالج قضايا كثيرة من الأدب الإسلامي.
لقد كان في عمله هذا واسع النظرة، قوي الخطوة، صادق العزمة لأنه يؤمن كما قال في کتابه «نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد» أنها مسؤولية كبرى يلقيها الإسلام على عاتق الأدباء، وإشارة ضخمة إلى مهمة الأديب الإسلامي في بناء المجتمع، فاصلات الأقلام في هذا الدين كشفرات السيوف. وكل أديب يستحق هذا اللقب بجدارة يقف على ثغر من ثغور الإسلام، فإذا عرفنا أن الإسلام والمسلمين في معركة دائمة وأن على كل مسلم نصيبه من الجهاد والبناء، أدركنا قيمة الأدب في حياة المسلمين، وأهميته في بناء المجتمع المسلم، وعلى هذا فليس الأدب نافلة في الحياة، وإنما هو عنصر من عناصرها الأصيلة الثابتة، وليس الأدباء بسُكان الأبراج العاجية، وإنما هُم حملة السلاح في المعركة. «انتهى».
وساهم أيضًا بجهد مشكور في كثير من النشاطات الأدبية ولا سيما في ندوة الأدب الإسلامي التي عُقدت في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في ١٦ رجب ١٤٠٥ هـ الموافق 16 أبریل نیسان 1985م، وكان قلبها النابض بجُهده وعمله وإخلاصه.
وكذلك شارك قبلها في ندوة الحوار حول الأدب الإسلامي ومناهجه التي عُقدت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في رجب عام ١٤٠٢، وكذلك شارك بالندوة التي عُقدت قبل ذلك في ندوة العلماء بلكنهو بالهند، برئاسة سماحة الشيخ
أبي الحسن الندوي حفظه الله.
وكذلك ساهم بجهد كبير بتأسيس رابطة الأدب الإسلامي وانتخب في المؤتمر الأول للرابطة نائبًا للرئيس، حيث كان رئيسها ولا يزال سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي.
وكذلك انتخب عضوًا في مجلس الأمناء، ورئيسًا لمكتب الرابطة في البلاد العربية. كان رحمه الله جم النشاط، صادق العزيمة، لا يعرف الكلل حتى أُصيب قبل وفاته بسنوات بالشلل النصفي، ومع ذلك ظل على طريقه وفيًا للهدف الذي يسعى إليه طالبًا مرضاة الله عز وجل.
ولم يكتف بهذا الجهد، بل كان نتاجه وقلمه صورة عما يدعو إليه، ولذا صار يُعرف بصاحب سلسلة «صور من حياة الصحابة» و«صور من حياة التابعين» هاتان السلسلتان اللتان كُتبتا بأسلوب أدبي مشرق يعطي نموذجًا للأدب الإسلامي الحديث، هذا الأدب الذي يتميز بالأصالة، والإشراق والسمو.
فكانت كتبه هذه واسعة الانتشار، كثيرة الطبعات ودخلت كمقررات مدرسية في عدد من الدول.
رحم الله الفقيد الذي كان على ثغرة من ثغور الإسلام وظل جنديًا صامدًا على هذا الثغر حتى وافته المنية يوم الجمعة 11 ذو القعدة ١٤٠٦ الموافق 18 يوليو تموز ١٩٨٦ في مدينة إستانبول بتركيا.
رحم الله الفقيد رحمة عامة وأسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون.
محمد حسن بريغش عضو رابطة الأدب الإسلامي