; النظام العالمي الجديد خدعة كبرى | مجلة المجتمع

العنوان النظام العالمي الجديد خدعة كبرى

الكاتب مصطفي العدوي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993

مشاهدات 79

نشر في العدد 1041

نشر في الصفحة 64

الثلاثاء 09-مارس-1993

النظام العالمي الجديد الذي نصب نفسه قيّمًا على شعوب العالم الثالث القاصرة، مُعلنًا أنه سوف ينتصر للضعيف من القوي، وأن أذنه صاغية لشكايات المستضعفين في الأرض، وأنه لا مكان بعد اليوم لقوى الشر والبغي والعدوان، فجنوده على أهبة الاستعداد لنجدة المظلومين. هذا النظام لا يقيم للعرب والمسلمين وزنًا، وكما قال الشاعر العربي القديم:

ويُقضَى الأمرُ حين تغيب تيم           ولا يستأذنون وهم شهود

وإن بدا في بعض الأحيان أن له بعض المواقف يدل ظاهرها على مصداقية ما يرفعه من شعارات، إلا أن هناك أدلة كثيرة تثبت أن هذا النظام والقائمين عليه يعملون لتحقيق مصالح شعوبهم، وهي لا تلتقي أبدًا ونصرة العرب والمسلمين. ذلك أن كل المشاكل التي تئن من وطأتها الشعوب العربية والإسلامية هي من صنع سياسات الدول القائمة على ما يسمى بالنظام العالمي الجديد، وهي سياسات ثابتة لم تتغير ولن تتغير منذ الحروب الصليبية وحتى الآن.

أين النظام العالمي الجديد؟

  • فأين النظام العالمي الجديد من المذابح الوحشية التي يرتكبها الصرب ضد مسلمي البوسنة والهرسك؟ اغتصاب للنساء والفتيات من مختلف الأعمار، وتقتيل للرجال بأساليب وحشية، واعتقال، وتشريد، وتمثيل بالجثث مما يعجز القلم عن تصويره! كل هذا والنظام العالمي الجديد أصم أعمى!
  • أين هذا النظام من مأساة المسلمين في بورما.. في الفلبين.. في الهند.. في أرتيريا.. في فلسطين؟

وما عُرض على الأمم المتحدة من هذه القضايا ليس أحسن حالًا مما لم يُعرض منها، فلقد غصت وشرقت مكاتب هيئة الأمم بملفات القرارات الصادرة بشأن قضية فلسطين، وقد يصدر قرار عادل ذرًّا للرماد في العيون، لكن من المستحيل أن يأخذ طريقه إلى التنفيذ بفضل الدول القائمة على النظام العالمي الجديد ومساندتها لليهود.

الخدعة الكبرى والحل الإسلامي

إذن نستطيع أن نقول بملء أفواهنا أن هذا النظام خدعة وفرية ووهم، ولا نقول: فقد مصداقيته، فهو لم يصدق قط. ونقول أيضًا إن مصالحه التقت مع الغرب لإبادة مسلمي البوسنة والهرسك، ومع اليهود من قبل للقضاء على شعب فلسطين، وتثبيت وتدعيم الكيان اليهودي ودعم دولته الباطلة.

كل هذا والعرب والمسلمون لا وزن لهم ولا قيمة على مسرح الأحداث السياسية في عالم اليوم، وإن كان لهم ثمة وجود فهم قابعون في زاوية مظلمة لا يحس بهم أحد، وهم كقول القائل: أضيع من الأيتام على مائدة اللئام.

والقافلة البشرية تسير وهم في ذيلها، وإن كانت الأمم من حولنا قد استجمعت كل أسباب التقدم والنهوض بأخذها بأسبابه، وأقامت أنظمتها على قواعد العدل الاجتماعي والشورى، بينما العرب والمسلمون صرعى الخلافات وضحايا الاستبداد وفقدان العدل الاجتماعي.

وهي أسباب رئيسية لسقوط أي أمة، فكما أن للنهوض والتقدم عناصر إذا أخذت بها الأمم نهضت وتقدمت ونالت حظها من الرقي والقوة والازدهار، كذلك للتأخر أسباب وعناصر، وقد استكمل العرب واستجمعوا كل عناصر التخلف والانحطاط بعد أن تخلوا عن رسالة الإسلام مصدر عزتهم وقوتهم وهم لا يشعرون.

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيْهِ             مَا لِجُرْحٍ بِمَيْتٍ إِيلَامُ

ورغم الهوان الذي يعيشه العرب والمسلمون، لا نفتأ نسمع أناشيد التغني بأمجاد الأمة العربية وموقعها الجغرافي الفريد، وما تحويه أرضها من خامات ومعادن، وما يجري فيها من أنهار على ضفافها نمت أطيب الزروع وأشهى الثمار. وينظم الشعراء درر القصائد يقلدون بها جيد الزعماء على ما قدموه لأمتهم وما وهبوه لها من أسباب العزة والكرامة والمجد. ويا ويل أمة تبني أمجادها بقصائد الشعر والتزلف للكبار ووصفهم بما ليس فيهم، في وقت تبني الشعوب نفسها ببناء قوتها السياسية على قواعد الديمقراطية والعدل الاجتماعي، وتبني قوتها العسكرية بالعمل الشاق والجهد المضني.

الدعوة للوحدة الإسلامية

إن حقائق التاريخ تؤكد أنه لا عزة للعرب والمسلمين إلا في ظلال الإسلام، وأنه لابد من بناء نهضتنا على دعائمه، وذلك يستلزم أن يكون للعرب والمسلمين كيان سياسي واحد يرسم سياستهم الخارجية والداخلية على قواعد الإسلام الحنيف التي تجعل الولاء كله لله، ولا مجال حينئذ لزعامات وأمجاد شخصية. إنما الكل لله حكامًا ومحكومين، يعملون لرفع راية الإسلام وإعزاز أمته. وأرض المسلمين كلها واحدة فلا مجال لمشاكل حدودية أو نزاعات إقليمية أو عرقية.

هذا هو طريق المجد والعزة ولا طريق غيره، وستظل الأمة الإسلامية مهيضة الجناح مستباحة الحمى لا وزن لها في دنيا الناس حتى تفقه كتاب ربها وتعمل بأحكامه. يومها فقط تدرك قول الله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (البقرة: ١٠٩). (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة: ١٢٠).

نحن أمة مستهدفة من قبل أعداء الحق؛ والعداء لن ينقطع حتى تقوم الساعة. وطالما كانت الأمة تحمل سلاحها وتأخذ حذرها تظل مرهوبة الجانب، فإذا ما غفلت وألقت سلاحها انقض عليها عدوها المتربص بها فاستباح حماها. وهكذا كانت تتعاقب الأحداث وتتوالى على الأمة الإسلامية طوال تاريخها على هذا النحو؛ مد وجزر، انتصار وانكسار. ولن يصنع مستقبل الأمة الإسلامية إلا سواعد أبنائها على دعائم من قوة العقيدة الإسلامية وقوة السلاح. وعلى العرب والمسلمين أن يدركوا هذه الحقيقة وهي أن كل قوى الباطل تتربص بهم الدوائر، وألا ينخدعوا بالمسميات والشعارات البراقة، وأن يدركوا الحقائق في ضوء تعاليم دينهم حتى يستطيعوا الحكم الصحيح على الأحداث بدلًا مما هم فيه من تخبط واضطراب. وحينئذ سيدرك المخدوعون من أبناء هذه الأمة أن ما يسمى بالنظام العالمي الجديد فرية وخديعة، وأن الغرب يعتبر الإسلام عدوه الأول، ومن هذا المنطلق يتعامل معنا ومع قضايانا.

واقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :