العنوان مداد القلم: نظام بلا مبادئ
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-1992
مشاهدات 50
نشر في العدد 1014
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 01-سبتمبر-1992
أحادية القطب وزعامة
العالم
في نوفمبر الماضي، ظهر الرئيس الأمريكي جورج بوش في لباس
استعراضي رُسِمت عليه خريطة العالم، ليعلن أنه أصبح زعيماً للعالم، ولـ النظام
العالمي الجديد الذي يقوم على أحادية القطب. ومن يومها، كلما حدثت حادثة في
ركن من أركان الدنيا، تطلّع الجميع إلى التقرير اليومي للخارجية الأمريكية،
أو إلى الرئيس بوش نفسه، أو مساعده الرئيسي جيمس بيكر، مخطط السياسة
الخارجية، ليتعرَّف على رأي أمريكا "زعيمة العالم" في هذه
الحادثة. ومن ثَمَّ، يُدرك الدائرون في الفلك الأمريكي أين ستميل الريح، حتى
يميلوا معها حيث مالت.
غير أن زعيم العالم فاجأنا خلال الأسبوعين الماضيين في أحد مؤتمراته الصحفية
الانتخابية بزوبعة صاحبها تهديد ووعيد بالويل والثبور وعظائم الأمور
إلى العصابات الصربية، التي ثَبُتَ من خلال فيلم بثته إحدى شبكات التلفزة
الأمريكية أنها تُقيم معسكرات اعتقال وإبادة تُشبه التي أقامها النازي في
الحرب العالمية الثانية.
تجاهل الإبادة وتناقض
المواقف
وتساءل بعض العقلاء عن الأقمار الصناعية التي تستطيع أن تُراقب
المختبئين في الظلام: أين كانت من اكتشاف هذه المعسكرات التي تَعُجُّ بعشرات
الآلاف من المسلمين؟ وسارع سَدَنة النظام الجديد إلى حائط المبكى المسمَّى
"مجلس الأمن"، ليَستصدروا منه قراراً هزيلاً باستخدام
القوة لإيصال المساعدات الإنسانية إلى البوسنة، وكأن القضية هي قضية
طعام وشراب، وليست قضية شعب يُباد، وأرض تُسلب، ودولة تُمحى من على الخرائط.
وتعجَّب آخرون من المنطق الأعوج للنظام العالمي الجديد، الذي اكتفى
بتهديد العصابات الصربية، وفي الوقت نفسه، كافأ العصابات الصهيونية – التي
تقوم بأعمال مشابهة – بعشرة مليارات من الدولارات لتوطين نصف مليون يهودي
في الأرض المحتلة.
مصير البوسنة ودرس
التدافع
إن التهديد والوعيد والصراخ عبر شاشات التلفزيون، ومواجهة العالم
بالمواقف المتناقضة، لا تكفي لزعامة العالم. وإلا، فما الذي بقي من البوسنة
والهرسك وشعبها المسلم بعد شهور من الحرب والإبادة تحت ظل ما يُسمَّى بـ "النظام
العالمي الجديد"؟ بل إن سدنة هذا النظام يجلسون الآن في لندن لتقنين
جرائم الصرب واعتداءاتهم، بإقرار جريمة تقسيم البوسنة والهرسك، وتشتيت المسلمين
بتوزيعهم على دول أوروبا.
إن الذين يعتقدون أن العالم يمكن أن يدور في فلك نظام أحادي القطب
واهمون؛ لأن هذا يخالف حقيقة الكون الكبرى التي أقرها خالق الكون من قديم الأزل،
وهي التدافع والصراع بين حق وباطل، أو بين باطل وباطل، حتى يصلح الكون
وتستقيم الحياة:
(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ)
(البقرة: 251)
إن الكون لا يُصلحه إلا قانون التدافع وليس الاستسلام. وإن نظاماً
يُخالف الفطرة ومُرتكزات الكون، ويقوم على أحلاف تعتمد الخداع والمصالح الخاصة
وأهواء البشر، فلا يَنصر مظلوماً ولا يُقيم عدلاً، لن يكون مصيره إلا الفناء.
(انتهى المقال)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل