العنوان مقال الأسبوع.. أحداث الأفغان والزحف الأحمر على قواعد الإسلام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1978
مشاهدات 87
نشر في العدد 397
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 30-مايو-1978
بقلم: مفكر إسلامي معروف
تطورت الأحداث في عالمنا الإسلامي تطورًا سريعًا ومذهلًا بدت من خلاله حلقات الإجهاز الصهيوني الصليبي الشيوعي الحاقد على أرض الإسلام وأهله تتضح للعيان وتنكت في قلب المؤمن الغيور على إسلامه وبنى دينه نكتة سوداء من الحزن والأسى على هذا الواقع المرير الذي تعيشه الأمة وهي لاهية عابثة تواجه مكائد الأعداء بفرق الرقص والغناء وتقابل المخططات العدائية الرهيبة بالارتجال والفوضى وضياع الأهداف والغايات حتى غدت الأمة الإسلامية كما وصفها رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- توشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها- وما من قالة نحن اليوم ولكننا غثاء كغثاء السيل لا ندرك غاية للحياة ولا معنى فلقد تمكن فينا عضال حب الدنيا وكراهية الموت.
وفي دوامة هذه الأحداث السريعة المتتالية لعالمنا الإسلامي كان قرار تعطيل مجلة المجتمع، فقضت مشيئة الرحمن أن نكف- بضم النون وفتح الكاف- عن متابعة الأحداث ودراسة الأسباب والنتائج فكانت نارًا في قلوبنا إذ ليس لنا اليوم من تعبير عن مشاعرنا إلا هذا المنبر الصحافي نؤدي من خلاله أمانة التبليغ.
ثم كان أن وصلنا هذا المقال المعبر عن مصائب المسلمين وأوضاعهم المزرية التي تغلف قلب المؤمن بمزيج من الحياء والأسى فكان حق علينا أن نعرضه للقراء لأنه تعبير حقيقي عما يدور في أذهاننا سطرته بغاية ودقة يد مفكر إسلامي كبير آثر ألا يعلن للملأ اسمه.
* في يدي الساعة الجزء الأخير من النشرة- التي يصدرها- معهد شئون الأقليات المسلمة في جامعة الملك عبد العزيز بجدة وأحس في قلبي، وأنا أنظر إليها، كان هاتفًا مجهولًا يتساءل: إلى متى يستمر وجود هذه الأقليات مستمسكة بنسبها
الإسلامي؟
يتجاوب الصدى من وراء هذا الهاتف بذلك التساؤل الآخر: هذه الأعداد الهائلة التي تقدر بمئات الملايين من المسلمين، وتنتشر في مختلف البقاع من قارات الأرض حيث تشكل الكثرة الكاثرة من السكان، إلى متى ستستمر محتفظة بمقوماتها الإسلامية، قبل أن تصبح في عداد الأقليات؟
وتتداعى الصور وفيها شعوب المسلمين كانت فبانت، وشعوب تتدافع في الطريق إلى الهاوية التي تفغر فاها بانتظارها وترن في مسمعي قولة صاحب عمان لوكالة الأنباء البريطانية قبل أيام:- إذا استمر الزحف الشيوعي في طريقه المشهود فالنتيجة هي القضاء على الإسلام، واستيلاء جنود الكفر على منابع النفط.
* وما أحسب إنسانًا ذا بقية من العقل وقدرة على الإبصار بجاهل شيئًا من هذه الوقائع، أو عاجزًا عن تصور الأحداث المتوقعة من ورائها، ولكن هل ثمة من دليل على أن أحدًا من أولي الأمر- في هذه المنطقة قد راجع حسابه بإزاء هذه الدواهي التي لا تفتأ تطلق نذرها صباح مساء.
لقد قضت حكمة الله أن تتنزل رسالته الخاتمة على خاتم رسله في البقعة التي احتلت مركز الكرة الأرضية ثم تنتشر انتشار النور فتمدد في كل اتجاه من حولها، وبذلك كانت- أم القرى- مع- طيبة- المباركة موضع القلب من جسم العالم الإسلامي به تتفاعل، ومنه تستمد، وعلى نشاطه وحيويته وسلامته تتركز مسيرته قوة وضعفًا، ومدًا وجزرًا وقد أدرك ذلك أعداء الحق، فجعلوا في تصميمهم تعطيل هذا المحرك الروحي بكل ما أوتوا من قوة وحيلة، وهكذا اندفع سيل الكفر في دفق لم يتوقف منذ أبرهة حتى بريجنيف وكارتر وبيجين، ولكل جانب من هذا السيل طريقة لمعالجة ما يستهدفه من تدمير الحواجز التي تحول دون غايته الجهنمية.
* لقد جربت الصليبية طريق القوة فتولی أحد طواغيتها البرنس أرياط تنفيذ مخططها بتسيير جيش ضخم من الكرك باتجاه المدينة لاحتلالها، ولكن رد الله كيده إلى نحره بجيش صلاح الدين، الذي أدركه على مشارف تيماء فأفسد خطته ودمر قوته.
* واحتجبت الأسرار إلى حين، حتى أسفرت أخيرًا على يد روزفلت الذي بلغت به الصفاقة إلى حد أن يساوم الملك عبد العزيز بن سعود عقيب الحرب العالمية الثانية- على عودة اليهود إلى مواطن أسلافهم في تيماء وخيبر والمدينة مقابل بعض الملايين، بعد أن طهرها الله من أرجاسهم على يد ثاني الراشدين، فكان الرد السعودي يومئذ كافيًا لصرف أميركة، وريثة الصليبية وحليفة اليهودية، عن المساومة إلى المواجهة، فلم تلبث أن زرعت (إسرائيل) في أرض الإسراء، ثم راحت تمدها بكل ما يمكنها من الطغيان والعدوان، حتى جعلت منها معسكر الغرب لغزو قلب العالم الإسلامي.
* وفي أعقاب الكارثة التي مرغ بها الثوريون وجوه المسلمين في مستشفيات الهزيمة عام ١٩٦٧ أطلقت اليهودية الحاقدة عند حائط المبكى في القدس الجريح- شعار أنها المشحونة بضروب الشتائم الموجهة لرسول الإسلام وبرجوم الهتافات الصارخة بالثأر لقريظة والنضير وقينقاع.
* وسرعان ما تكتشف الستور فانتشرت بطاقات الأعياد تحمل من الأرض المحتلة خريطة (إسرائيل) المنشودة، وفيها مخطط المدينة المنورة على أنها بعض ممتلكاتها.
* ويأبى الوحش الشيوعي أن يحرم حظه من الفريسة، فإذا هو يسابق أمريكا على الاعتراف بدولة اللقطاء في الساعة الأولى من عمرها المشئوم ثم يمضي في المنافسة على التمكين لها في قلوب الذين زعموا خصومتها من قادة المواجهة، وحتى في صفوف مقاتليها من أصحاب الدرة المغتصبة أنفسهم، حتى إذا قيدهم بعجلته عن طريق التلويح بالتسليح، ثم عن طريق التهديد بقطعه، وهم أحوج ما يكونون إليه، مد سلطانه على أوطانهم، فاتخذ منها مرتكزًا لغاراته على إخوانهم من شعوب الإسلام، فمن مطارات القاهرة وعدن انطلقت قلاعة الطائرة تحمل إلى الهند العتاد الذي مزق شمل باكستان، وفتح في حصونها الثغرات إلى ألوان الشقاق والهوان.
* وها هو ذا الآن، وقد اطمأن إلى انصياع عملائه لأقصى أهوائه، يعمد إلى تطويق الإسلام في عقر داره فيحيطه بمستخدميه من أبناء المسلمين الذين باعوا أنفسهم وأوطانهم للشيطان، فمن الجنوب عصابة الماركسيين تسوق المضللين من شباب عدن وحضرموت إلى قتال أبناء العمومة في الأرض الصومالية المسلمة، تحت قيادة السفاح الصليبي منجستو، والقاتل الدولي كاسترو، وبتوجيه المركز العالمي للإلحاد في الكرملين.
ويستكمل الطوق الجنوبي الشرقي امتداده ليشمل، مع الجنوب اليمني، إمبراطورية هيلاسلاسي وجمهورية سياد بري، الذي على الرغم من كل الضربات الشيوعية على رأسه، لم يزل صنيعتها الوفي وعلى أتم الاستعداد لاستئناف المسيرة لتحقيق مخططها الجهنمي في عملية استئصال الإسلام.
وقبل أن يسترد المسلمون أنفاسهم من أهوال الضربة الشيوعية الأميركية في الأوغادين، يستيقظون اليوم على دوي القذائف وأزيز الطوائر الروسية تزلزل أرجاء الأفغان وتجعل من شوارع عاصمتها كابول مقبرة لآلاف الضحايا، ممن يرفضون تسلط عملاء الإلحاد على بلادهم التي ما برحت تفدي إسلامها بسيول الدماء على مر التاريخ.
ولن يكون سقوط الأفغان بين فكي الشيوعية هذه المرة حدثًا محليًا، يهدد بفصلها عن جسم الإسلام، كما حدث في البانية والقرم والأندلس من قبل، وعشرات المواطن قديمًا وحديثًا، بل إنه فوق ذلك نذير بكارثة جارفة تهدد باجتياح البقية الباقية من حصون الإسلام وثرواته، التي تتحلب لها شفاة الطواغيت من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب إنها الحلقة الأولى في سلسلة الزلازل التي لا تنتهي بغیر القضاء على الإسلام، وفقدان ثرواته البترولية كلها، إذا لم يتداركنا الله بواحدة من خوارقه التي تقلب ميزان القوى وتحول مسيرة التاريخ من حيث لا نحتسب.
* إن أرض الأفغان تكاد تكون امتدادًا طبيعيًا لما يجاورها من أقطار المسلمين في الاتحاد السوفيتي، وعلى هذا فليس ثمة إلا انتظار الفرصة المناسبة ليعلن عملاء بريجنيف في كابول اندماجهم في- الوطن الأم- روسية التي اتسع جوفها لعشرات البقاع والشعوب الإسلامية منذ قيام الثورة الباشفية، وهذا ما يستدعي التفكير السريع في مصیر إيران وباكستان بوجه خاص.
* أما إيران فهي تخوض بحرانًا هائلًا من الصراع بين النفوذين العالميين، إن التنظيم اليساري الثوري فيها لا يقل عن مستوى أشباهه في إيطالية.
▪ أحداث الأفغان.. والزحف الأحمر على قواعد الإسلام..
وألمانية الغربية واليابان، وكل عدة السلطات الرسمية لمواجهة هذه الثورة الرهيبة، هو المزيد من الاعتماد على أميركة، والاستغراق في دعم صنيعتها (إسرائيل)، ولو على حساب المصلحة الإسلامية.
ومن هنا تأتي كل تحركاتها في منطقة الخليج وفق الإيحاء الأميركي حتى احتلال الجزر الثلاث، وحتى مشاركتها في الدفاع عن ظفار بوجه الثورة الماركسية، لم يخرج عن نطاق هذا الإيحاء، وقد رأينا الناطق الإيراني يعلن- عقيب زيارة سياد بري طهران- أن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تحركت القوى الكوبية والروسية باتجاه الصومال ولكنها لم تلبث أن تحركت وراحت تكتسح الأرض الإسلامية بما فيها وما عليها دون أن تحرك إيران ساکنًا، أو تقدم للصومال أي مساعدة ولو بالكلام، وطبيعي أن موقفها هذا لم يكن سوى انعكاس عميق لموقف أميركة بإزاء المشكلة، وهو الموقف الذي برز واضحًا في تأييد أميركا الزحف الشيوعي من أجل تدمير كل طاقة تحاول تحرير الصومال المسلم من براثن الصليبية الباغية، ولم تكتف بالإعلان عن ذلك بالقول، بل أرسلت مبعوثها الخاص لاسترضاء منجستو، وتزويده بما يعوض ذلك الزحف من آليات ومساعدات، فضلًا عن مشاركتها الفعلية في قتال الصومال عن طريق صنيعتها (إسرائيل) التي لم تخف تبجحها بمعاونة منجستو بالسلاح والخبراء.
* والحق أن إيران لم تفعل يومئذ أكثر مما فعلت الحكومات العربية في مأساة الصومال الذي هو عضو في جامعتها الدولية، إذ اتخذ بعضها من قضيته فرصة للمساومة والتهديد، فمصر مثلًا صرحت بأنها سترسل قوات لمساعدة الصومال، وقوات أخرى لمساعدة مالوم الصليبي على قتال مسلمي تشاد، وطبعًا لم ترد مصر بذلك وهذا سوى الكيد للقذافي، الذي اتخذ الموقف المضاد في كلا الإقليمين، فأعان ثوار تشاد لتحقيق ما يريده من كسب في أراضيها، وأيد الزحف الشيوعي على مسلمي الصومال نزولًا على إرادة الحليف الأحمر في موسكو، کشأن حكام عدن الماركسيين الذين شاركوا الكوبيين قتال المسلمين في البر والجو تنفيذًا لأوامر الرفاق التي لا ترد.
ثم كان كل حظ الصومال المظلوم من عطف بعض الإخوة في جامعة الدول العربية طائفة من التصريحات المبحوحة، وحفنات محدودة من المال الذي لم يستطع أن ينقذ قرية واحدة من دبابات منجستو التي أتت على كل شيء في عملية الإبادة المرسومة.
* ومن خلال هذا المنظور يتضح لكل ذي وعى أن الوثبة الشيوعية التالية ستكون على حساب إيران- بعد أفغانستان- ويومئذ يستكمل المخطط الروسي عناصر الحصار المقرر، إذ يصبح كل شيء على أهبة العمل لإطباق الفكين الرهيبين على قلب العالم الإسلامي، لأن طبيعة العلاقة بين الاتحاد السوفيتي والعراق وسورية كفيلة بتأمين جناحها الغربي من أي ارتباك، ثم إن من التقديرات البديهية ألا نتوقع من أميركة أي اعتراض ذي بال على هذه الوقائع وكل ما يمكن تصوره هو بعض الهامس يرسله طواغيت أميركة للتحذير من عواقب اللعبة، ولتطمئن الذين يحسنون الظن بها من العرب إلى أنها لا تزال تدخر فيضًا من الكلام الفارغ.
* بعد هذا التقييم الذي تقدمه الأحداث لمختلف التوقعات المتعلقة بإيران وما وراء إيران، نستطيع القول بأن دور الشيوعية الروسية بالنسبة إلى باكستان في هذه المرحلة هو مواجهتها بالانقلاب الأفغاني قبل أن تتمكن من السير بعيدًا في تطبيق التشريع الإسلامي، الذي كان متوقعًا أن تمتد تجربته العملية إلى مناطق عدة من العالم الإسلامي، وفي طليعتها جارتها- الأفغان- التي لم تتخل قط عن التزام هذا التشريع منذ أطل عليها فجر الإسلام.
ويبقى على- المسلمين أن يراقبوا إلى أي مدى سيؤثر تشويه الأفغان في تصميم حكام باكستان على خطتهم، التي أخذوا بها أنفسهم، وأعلنوا بشرياتها للشعوب الإسلامية، التي تتلهف لرؤية باكستان، وقد عادت إلى الروضة التي وجدت من أجلها.
* ونعود لنذكر القارئ بالواقع الذي لا يحسن أن يجهله معني بشؤون السياسة الدولية، وهو أن أميركية في موقفها الغائر من الزحف الأحمر على معاقل الإسلام، وفي هذه البقعة الغنية بالمقدسات والثروات، لا تناقض نفسها ولا مصالحها البتة، فهي بصفتها وريثة الحقد الصليبي لا تجد أخطر من الإسلام على أهدافها في السيطرة العالمية، لأنه النظام الوحيد الذي يملك المقومات الصالحة لأبطال التخطيط الاحتكاري الذي تمارسه اليهودية العالمية من خلال التسلط الأميركي.
وليس النظام الشيوعي بنظر السياسة الأميركية على اختلاف مجالاته التطبيقية سوى عبث أشقياء يحاولون تدمير المجتمع البشري بإلغاء خصائصه الفطرية، وإطلاق غرائزه الوحشية، وهو من أجل ذلك صائر لا محالة إلى تدمير نفسه بنفسه، فضلًا عن ثقة أميركة بأنها تملك القدرة الكافية على تحطيمه حين تقرر ذلك، سواء عن طريق الحرب العلمية، أو عن طريق حرمانه من الإمدادات الغذائية، ومن هنا كان تخاذل أميركة عن الوفاء بالتزاماتها لباكستان أثناء تصادمها مع الهند، الذي أدى إلى تحويل شطرها الشرقي إلى دولة بنغلادش، وإحالتها بالتالي ساحة للصراع اللاهب بين مختلف الجماعات.
* ومن هنا جاء جمودها بإزاء الزحف الصليبي الشيوعي على الصومال، فأمسكت عنه كل مدد موعود حتى انتهى إلى المصير المقصود.
ولا مسوغ لهذا وذاك سوى الكيد للإسلام الذي تعتبره الصليبية المتهودة عدوها الأول ولعل كثيرين قرؤوا ذات يوم ما كتبته جريدة- النيويورك تايمز- بالمنشيت البارز العريض تحذر الدولتين الجبارتين بمثل هذا التعبير المثير.
▪ الخطر الإسلامي يستأنف الزحف وأنتم مشغولون بالحرب الباردة..
* ونتساءل: هل يعقل أن يصل الخطر على الإسلام إلى هذا الحد من الهول، وكان الأمر لا يعني المسلمين ولا يعني عرب الجزيرة- الذين هم هدف الضربة الأولى- بشيء؟، كل ما في حياة هؤلاء الناس يؤكد أنهم أبعد البشر عن إدراك هذا الواقع، فهم لا يبرحون في أبراجهم الخيالية، مشغولين بالمتاع الزائل عن الخطر المائل، أشبه بالشاة المكبة على علفها والجزار يشحذ لها السكين.
ولعل المفكر في حال القوم لا يتهم بالغلو حين يقرر أنهم يتجاوزون نطاق الغفلة إلى مجال التعاون مع عدوهم على تحقيق مخططاته وهم لا يعلمون ولا يشعرون أنها والله لكلمة حق، تلك التي أعلنها صاحب عمان حول الزحف الأحمر على هذه المنطقة، ما كان ينبغي أن تؤخر إلى اليوم، وما ينبغي أن ينفرد بها قابوس وحده من بين حكامها، وإنما دفعه إليها معايشته لطلائع الكارثة التي لم يباشر جحيمها بعد أولئك الساكتون الحائرون.
* لقد وصلت المؤامرة إلى قمة الوضوح، ولم يبق من عذر لمرتاب بأن الإسلام هو الهدف الأول، وأقل ما يوجبه الوعي والحزم في مثل هذا الموقف هو أن تقوم خطة المجابهة على أساس الإسلام نفسه، لأن كل إهمال لجانبه في هذه المعركة إضعاف لطاقة الدفاع، وإعطاء العدو فرصة للنيل من إمكانياته الفعالة.
ولسنا بصدد التفصيل للجزئيات في ما يجب عمله للاستفادة من قدرة الإسلام في هذه المعركة الحاسمة ولكن لا مندوحة من التذكير أن في مقدمة ذلك تزويد الجيل المسلم بالأمر الدقيق لحقائق دينه، وإغلاق المنافذ بوجه السموم الوافدة عليه من مصانع الكفر، التي توشك أن تقضي على البقية الباقية من مقوماته الدفاعية.
إن المنطلق الأساسي لهذا التوجيه الجديد يجب أن يستمد من قوله- تعالى- ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: 60) فلا مكان إذن للميوعة ولا مجال للضرب وراء الفنون الهابطة، ولا منفذ لمفسد هدام إلى وسائل الإعلام.
وفي هذا الجو ستتحول المدارس التي هي اليوم، إلا ما رحم الله، من مجرد أندية لتقطيع الوقت، ومعابر للحصول على الوظائف والمراتب إلى مخابر لتدريب المواهب، ومعسكرات لتنظيم الطاقات، وحقولًا لبذور القوة واستنبات الرجولة، وتغذيتها بالقيم العليا.
ولن يكون ذلك ممكنًا إلا في ظل نظام إسلامي يحكم فيه شرع الله وحده فلا ينازعه على المجتمع منازع من دستور دخيل، أو قانون مستورد قد فعل لغير المؤمنين ولكن هذا يقتضي أولًا وأخيرًا تحرر المسئولين من قادة المسلمين من كل ارتباط بأعداء دينهم، سواء من الشرق أو الغرب، وبخاصة في نطاق الضرورات الأساسية، التي لا استقلال لأمة إلا بعد تحريرها من الحاجة فيها إلى سواها.
إن حاجتنا إلى السلاح هي التي مكنت للشرق والغرب من رقابنـا وثرواتنا وسياساتنا، ولو توافر لقادتنا من وضوح الرؤية ما يكفي لاستشفاف النتائج البعيدة لم يدعوا أمر التسليح لمزاج تجار يساومونهم به على قضايا المصير، حتى يبلغوا بهم حد التراجع عن كل مقرراتهم التي التزموا بها لشعوبهم على مشهد ومسمع من الدنيا، فكان حصاد ذلك ما يعانونه من ضياع لا يعرفون منه مخرجًا، وما كان لذلك الضياع من مكان لو تذكروا أنهم يملكون القوة التي تمكنهم من استخدام أرقى المواهب البشرية لإقامة المصانع التي تغنيهم عن التسكع على أبواب الأقوياء من الذين يتربصون بهم الدوائر، فلا يبيعونهم القذيفة إلا بعد تجريدهم من الكرامة.
* على أن المشكلة لم تعد موقوفة على موضوع السلاح، بل هي بالدرجة الأولى مشكلة التخلف العام الذي يجعل اقتصاد المسلمين مقيدًا بعجلة أعدائهم حتى في اللقمة اليومية، بحيث لو أغلقت بوجوههم سبل الاستيراد من أسواقهم لوجدوا أنفسهم فجأة في مخالب المجاعة والحرمان.
ومع ذلك فهم لا ينفكون يتنقلون من مؤتمر إلى مؤتمر، ومن ندوة دولية إلى أخرى، دونما محصول سوى أكداس المقررات التي لا تعدو نطاق الأمنيات بل الإلهيات.
ويحدث هذا كله في حين يمضي مليونا اليهود بـ"إسرائيل" في طريق البناء الصامت، حتى لتستحيل بقعتهم الفقيرة المحدودة مركزًا للتصدير العالمي، يبدأ بالحمضيات ولا يقف عند حدود الطائرات والدبابات.
▪ وأخيرًا
هل كتب على المفكر المسلم أن يستهلك عمره في تعداد الرزايا النازلة بأمته، دون أن يجد من يصغي إليه سوى المساكين الذين لا يملكون لأنفسهم ولا لأمتهم ضرًا ولا نفعًا.
ولكن لا بأس.. فإنها الأمانة نؤدي حقها لله، ومن أجلها نهيب بالغافلين التائهين صائحين: أيها الناس، أيها القادة، أيها العلماء، لقد بلغ السيل الزبى، وأحاط الكفر بقواعد الإسلام فتحركوا للدفاع عن أنفسكم علـى الأقل، وتداركوا بقية الطاقة في شعوبكم قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف: 103- 104).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل