; مقتل «شكري بلعيد».. ماذا يحدث في تونس؟! | مجلة المجتمع

العنوان مقتل «شكري بلعيد».. ماذا يحدث في تونس؟!

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2013

مشاهدات 93

نشر في العدد 2040

نشر في الصفحة 14

السبت 16-فبراير-2013

  • خبر وفاة «بلعيد» نشر على موقع «ويكيبيديا» قبل وفاته بربع ساعة
  • حركة «النهضة»: الاغتيال يتجاوز شخص «شكري بلعيد» إلى الثورة والسلم الأهلي والتعايش بين التونسيين
  • «الاتحاد العام التونسي» للشغل استغل الأوضاع ونفذ إضرابًا عامًا كلف تونس أكثر من 100 مليون يورو 

لا تزال قضية اغتيال رئيس «تيار الوطنيين الديمقراطيين» «شكري بلعيد» صباح الأربعاء ٦ فبراير تلقي بظلالها على الوضع العام في تونس، وسط صراع يأخذ في ظاهره طابعًا سياسيًا، بينما في عمقه صراع أيديولوجي، ليس بين تيارات وطنية فحسب، بل له ذيول إمبريالية تغذيها أحلام فرنسا في العودة السياسة الهيمنة على الوضع التونسي من جديد.

وقد عبر أستاذ القانون الدستوري، قيس سعيد، عن الوضع السائد في تونس بقوله: المشكلة في وجود قوى لا تؤمن بالديمقراطية، وترفض وجود «حزب حركة النهضة» لمرجعيته الدينية، وهي ترى أنها تخوض معركة وجود معه، وهو أمر خطير، وقد استخدم «بن علي» هذه القوى لكنه انقلب عليها سنة ١٩٩٥م بعد أن قام بتصفية الخصم القوي (النهضة)، لكنهم لم يستوعبوا الدروس.. هذه القوى تملك نفوذًا في الإعلام والإدارة والدولة، والعديد من الأحزاب يستنجد بالسفارات الأجنبية.

كيف؟ ولماذا قتل «بلعيد»؟

من المريب أن شقًا من المعارضة يرفض التحقيقات الجارية، ويرفض استماع النيابة العامة لسائق «بلعيد»، ويشكك في شهادة الصحفية نادية داود التي واكبت عملية قتل «بلعيد» داخل السيارة التي دأب سائقها وهو يساري على مرافقة «بلعيد»، وحرصهم الشديد على أن تبقى أصابع الاتهام موجهة إلى «حركة النهضة» دون دليل، وهو ما عبر عنه القيادي في «الجبهة الشعبية» اليسارية عبد الناصر العيوني، بقوله: لن نقبل أي نتائج تحقيق؛ لأننا لا نثق في الداخلية ولا في القضاء التونسي؛ وهو ما يؤكد وجود سيناريو ل «شيطنة» «النهضة» تشترك فيه مجموعة من أحزاب المعارضة الفرانكفونية، ومن بينها تيار اليسار الموالي لفرنسا، بل فرنسا ذاتها التي أعلن وزير داخليتها أن فرنسا ستدعم الديمقراطيين (٦٠ عامًا تدعم الدكتاتورية في تونس) ضد الإسلاميين والظلاميين؛ لأن الفاشية تتصاعد في تونس.

مقتل «بلعيد» رافقه الكثير من الغموض وقالت شاهدة العيان إن شخصًا تحدث مع السائق قبل نزول بلعيد من منزله بعدها قدم شخصان على دراجة نارية زرقاء نزل منها أحدهما وتوجه لسيارة «بلعيد» وأطلق طلقة واحدة لكسر البلور، أعقبها بزخات رصاص في حدود ۳ رصاصات، ثم عاد للدراجة النارية حيث كان زميله في انتظاره.. ومما قالته: السائق لم يحرك ساكنًا، تبد عليه علامات الذعر أو الجزع.

الصحفي اليساري جلال بريك، قدم شهادة أخرى، وهي أن القيادي في نداء تونس محسن مرزوق أخبره بأن هناك مسلسل اغتيالات قد بدأ، وفي الصباح قتل «شكري بلعيد».. والآن يوجد السائق رهن الاعتقال، وتمت دعوة محسن مرزوق القيادي في «نداء تونس» للتحقيق؛ لأن رقم هاتفه كان آخر رقم مسجل في جوال السائق، الذي كذب في شهادته حسب شاهدة العيان حول الشخص الذي قابله قبل نزول «بلعيد» من منزله، حيث أنكر ذلك ثم عاد وقال: لا أدري، ثم أنكر اتصال محسن مرزوق به رغم وجود رقمه على الهاتف!

من الغموض حول وفاة «بلعيد» هو نشر خبر الوفاة على موقع «ويكيبيديا» قبل وفاته بربع ساعة! ونزول فريق تلفزيوني فرنسي ضخم إلى تونس فجر اليوم الذي قتل فيه «بلعيد»، وإذاعة خبر وفاته على محطة «فرنسا ٢٤» بعد ٤ دقائق فقط من حدوث العملية وهناك احتمالات مقتل «بلعيد» في مكان آخر، وتم نقله إلى منزله لتمرير سيناريو الاغتيال أمام منزله في حي النصر بالمنزه، وهو مكان سكن جزء كبير من الأرستقراطية التونسية وليس العمال والفلاحين. 

دعوة «السبسي»

لذلك يطالب عدد كبير من الشعب التونسي بإعادة تشريح جثة «بلعيد» لمعرفة توقيت وفاته، والاستمرار في تتبع خيوط عملية الاغتيال، لا سيما وأن توقيت العملية وافق تاريخ حظر حزب المخلوع «التجمع الدستوري الديمقراطي»، وجلسة المجلس الوطني التأسيسي المخصصة للنظر في قانون تحصين الثورة.. وكان رئيس حزب «نداء تونس» الباجي قايد السبسي، قد أكد في مداخلة تلفزيونية أن وزراء «النهضة» سيغادرون الحكم قبل تمرير قانون تحصين الثورة، ومن المفارقات ألا يطالب أي من عناصر المعارضة اليسارية والفرانكفونية بمعرفة هوية القاتل، بعد أن جعلوا «النهضة» هدفًا ومشجبًا لتعليق العملية عليه، وراحوا يطالبون بكل قوة بإسقاط النظام، كما وعد «السبسي».

وهكذا يكون مقتل «بلعيد» بهدف إزاحة وزراء «النهضة»، ولا سيما وزراء السيادة، وخاصة الداخلية والخارجية والعدل، وهو ما تردد على ألسنة المعارضة التي تنعت في تونس بأحزاب «صفر فاصل»، وقد رفضت أحزاب الائتلاف الحاكم هذه الدعوات. 

ردود الأفعال

قتل «بلعيد» يوم ٦ فبراير، وشيعت جنازته يوم الجمعة ٨ فبراير، وكان عدد المشيعين من مختلف الأحزاب في حدود ٤٠ ألف مشارك وفق تقديرات وزارة الداخلية الضليعة في هذا الشأن، لكن بعض وسائل الإعلام المنخرطة في الثورة المضادة تحدثت عن عدد مليون وأربعمائة ألف مشارك، وهو ما تكذبه صور الأقمار الاصطناعية.. وردد المشيعون والمتظاهرون شعارات معادية للحكومة ول «حزب حركة النهضة» التي تأهب مناضلوها لأي استفزازات أو محاولات اعتداء، بعدما تمكن بعض الخصوم من إحراق عدد من مقرات الحزب في غياب مناضليه، وفي الوقت الذي يطلب فيه اليساريون والفرانكفونيون من فرنسا التدخل في تونس، ينسب هؤلاء السمسرة والعمالة لحزب «حركة النهضة»!

فبعد دعوة «الباجي قايد السبسي» لفرنسا للتدخل في تونس، وتصريحات وزير الداخلية آنفة الذكر طلبت ممثلة «الجبهة الشيوعية» في فرنسا مواهب مصباح، من باريس التدخل في بلادها كما تدخلت في مالي، ولم تر زوجة «شكري بلعيد» أي غضاضة في تصريحات الوزير الفرنسي، واستكثرت على وزير الخارجية رفيق عبد السلام، ورئيس الوزراء حمادي الجبالي دعوة السفير الفرنسي وإبلاغه احتجاج تونس المستقلة. 

وكانت قيادات «حزب حركة النهضة» وفي مقدمتهم الشيخ راشد الغنوشي، قد استنكرت مقتل «شكري بلعيد»، واعتبرته يستهدف تونس وثورتها والديمقراطية الناشئة فيها، وأن الاغتيال يتجاوز شخص شكري بلعيد إلى الثورة والسلم الأهلي والتعايش بين التونسيين.

لكن الأطراف التي مدت يدها للفلول لم تقبل هذا العرض، ومنها «الاتحاد العام التونسي للشغل»، الذي استغل الأوضاع لتنفيذ إضراب عام كلف تونس أكثر من ٢٠٠ مليون دينار (۱۰۰ مليون يورو)، كان بالإمكان التبرع بها لفقراء تونس، أو توفير وسائل إنتاج لعدد منهم.

حكومة جديدة

لقد كان مقتل «بلعيد» مفاجئًا للجميع وأحدث صدمة في كل الأوساط، وكان من نتائج الصدمة إعلان رئيس الوزراء عن تشكيل حكومة تكنوقراط، دون الرجوع إلى أحزاب الائتلاف الحاكم بما في ذلك حزبه (النهضة)، وقد أعلنت «النهضة» رفضها الحكومة تكنوقراط وأن موقف الجبالي كان تقدير موقف لا يلزم «النهضة»، وقال عبد الحميد الجلاصي لـ «المجتمع»: الترويكة لا تزال قائمة، والمشاورات لا تزال جارية، وإن شاء الله نتوصل إلى حل، وتابع: مجلس شورى الحزب يرى أن الحكومة لا تزال قائمة، وأن أي تغيير في تركيبتها أو طبيعتها لا بد أن يكون بموافقة «حزب حركة النهضة»، وفي إطار التشاور مع أحزاب الائتلاف الحاكم، أو ما يعرف باسم «الترويكة»، وموافقة المجلس الوطني التأسيسي على ذلك. 

وقال المنسق العام للدستور حبيب خضر: تشكيلة حكومة الكفاءات التي تحدث عنها رئيس الوزراء حمادي الجبالي يجب أن تمر عبر آليتين حسب القانون المنظم للسلطات العمومية، وهي أن يتقدم حمادي الجبالي باستقالة حكومته، ويتم تكليفه مجددًا من قبل رئيس الجمهورية لتشكيل حكومة تعرض تركيبتها على المجلس الوطني التأسيسي للمصادقة عليها، أو يتقدم كل وزير على حدة بتقديم استقالته ليحافظ حمادي الجبالي على منصبه كرئيس للحكومة، ويتعين عليه وقتها تعيين الوزراء الجدد ليتعامل المجلس الوطني التأسيسي مع الأمر على أساس ملء شغور.. لكن لا أحد يعرف ماذا سيحدث.

الرابط المختصر :