; راتب الزوجة والأزمات الأسرية (1) | مجلة المجتمع

العنوان راتب الزوجة والأزمات الأسرية (1)

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 29-مايو-2010

مشاهدات 62

نشر في العدد 1904

نشر في الصفحة 54

السبت 29-مايو-2010

بعد علاقة زوجية حميمة، وحياة أسرية سعيدة، افترق الزوجان الحبيبان، وتشرد الأولاد في عمر الزهور، وتغيرت النفوس، وتأججت المشكلات، ولجأ الطرفان إما لجلسات الحكم العرفية، وإما للمحاكم القضائية، فيا للحسرة والألم!! 

تلكم القصة تتكرر في بيوتنا، وتزداد يوما بعد يوم، والسبب راتب الزوجة، والعجيب أنها أصبحت قصة مثيرة للجدل حتى لدى المثقفين ثقافة شرعية الذين يتلون آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي ﷺ، وسيرته آناء الليل وأطراف النهار، فهل للدنانير بريقها الفتان؟! وهل للدراهم سحرها الخلاب؟ وهل تنسي المادة الزوج دينه وشرع ربه؟!!

وان تعجب فعجب جشعهم!!

إني أعجب لرجل يسيطر على مال زوجته لدرجة أنه يستولي على بطاقة الصرف من حسابها البنكي، وكأنها أمة ذليلة، عليها العمل، والمال لغيرها، ولا حق لها، وينبغي لها أن تسلم كل ما تملك لزوجها!!

وأعجب لرجل يترك خزائن الله ملأى التي لا تنفد أبدًا ثم ينظر إلى ما في يد البشر، بل ينظر إلى دنانير قليلة في يد زوجته التي كدت وتعبت، وعانت طوال شهر كامل حتى يأتي هذا الحوت ليبتلع ما جمعته، دون وازع من ضمير، ولا رادع من شرع!! بل يحرم المسكينة من أن تشتري لأمها هدية، أو لأختها وذويها الاحتياجات الضرورية وهم لا يجدون حد الكفاف!!

من قال لك أيها الزوج إن من حقك أن تحجر على زوجتك في ملكيتها؟! من علمك هذا التصرف العجيب؟ من أخبرك بأنك وصي على زوجتك في مالها وأنها سفيهة يجب الحجر عليها؟ أم أنك شحيح النفس غير واثق برزق ربك، فتركت ما عند الله الغني، ونظرت إلى ما في يد عباده الفقراء؟!!

متى تخشع القلوب؟

إنه نموذج من الرجال لن يشبع أبدًا، إنهم تغافلوا ذكر ربهم وهدي حبيبهم ﷺ، ونبذوه وراء ظهورهم، وتيمموا الدينار والدرهم والجنيه، فأنساهم ذكر ربهم، بعد أن قست قلوبهم. 

أحدهم تناقشه زوجته في ذمتها المالية بعد أن سمعت أحد المحاضرين يجيب عن سؤال إحداهن عن انتهاك الذمة المالية للمرأة، فيصدع المحاضر بحكم الله، وإذا بالزوج بدلا من أن يرجع عن ضلاله وظلمه يغتصب بطاقتها، ويسحب كل رصيدها، ثم يخيرها في صلف وقسوة وجبروت بين أن ترضى بهذا الواقع الظالم وبين أن تعود إلى بلدها، ثم يتعلل بقوله: راتبي لا يكفي!! أي ظلم هذا؟! ومن حكم لك بذلك؟! ألا ترى في ذلك ظلما لزوجتك؟! ألا تشعر بحرج في اعتمادك على زوجتك وتركك باب ربك؟!

وهذا رجل آخر يستمع إلى هذا الحكم في حضور زوجته، وهو يستخدم معها نفس الأسلوب فتناقشه، فيعلق قائلًا: الكلام يدخل من أذن ويخرج من أخرى؟!!

ضحايا انتهاك الذمة المالية

  1.  يسيطر على شقة زوجة ابنه:

سافر وزوجته إلى المملكة العربية السعودية، كان الانسجام العاطفي والأسري يسود بين جميع أفراد الأسرة، اختلط ماله بمالها، كان يرسل ما يتوافر من راتبه وراتبها إلى أبيه، اشترى الوالد شقة بأحد الشواطئ، وسجلها باسم ابنه، وبعد سنوات حدث خلاف بين الزوجين، ذلك أنه أدمن لا المحادثات على الإنترنت، واتفق مع إحدى فتيات «الشات» على الزواج، ولجأت الزوجة إلى أهل الخير ليحكموا بينها وبين زوجها، فلم يكن مع الزوج آنذاك مال، فحكموا لها بالشقة التي اشتريت وكتبوا لها هذا الحق وأثبتوه، وذهبت المسكينة لتتسلم الشقة بعد معاناة، ففرشتها وما هي إلا أيام، وذهب والد زوجها، واقتحم الشقة، وغير مفاتيحها، وسلب مفروشاتها، في حين كانت الزوجة قد اتفقت مع بعض صديقاتها على أن يؤجروا الشقة صيفًا، فإذا بها تفاجأ بأن الشقة قد غيرت مفاتيحها، وجردت من مفروشاتها!! وتلك نتيجة اختلاط الأموال، وتضييع الذمة المالية للمرأة. 

                        

  1.  زوجان منسجمان:

في إحدى الدورات التربوية قال لي - يرحمه الله: أعلم أن للزوجة ذمتها المالية التي يجب احترامها والحفاظ عليها، لكن زوجتي تصر إصرارًا على أن تمنحني كل ما تملك، حتى بطاقتها البنكية، وترفض أن يكون هناك حاجز بين مالها ومالي، فسألت الرجل: وماذا تصنع بما يتوافر معك من مالك ومال زوجتك؟

قال - وكان وافدًا على دولة الكويت يعمل بها: أرسله لوالدي ليشتري به أرضًا أو يستثمره، ومرت الأيام والسنون، وإذا بخبر وفاة هذا الرجل يصلني، وبعد فترة حداد الزوجة، وجدتها تتصل بي وتخبرني بأن زوجها - يرحمه الله - لم ينجب منها إلا بنات، وأن أهله سيرثون فيه؛ لأنه لم ينجب بنين، ولا حرج في ميراثهم من ماله، أما مالها فكيف يرثه من لم يستحقه؟! ثم أنهت فيا حديثها بقولها حتى أنا لا أستطيع الآن أن أحدد كم دفعت من مالي الخاص لزوجي - يرحمه الله - وذلك لاختلاط مالي بماله ليتني نفذت شرع ربي، إنني أحتاج إلى مالي لتربية بناتي، فمن لنا الآن إلا الله؟!! 

  1. الزوجة تدفع والحمو يمتلك!!

إنه نموذج سلبي آخر غالبًا ما ينتشر في الأسر التي لا يضع أفرادها حدودًا وضوابط  تحفظ خصوصيات الابن المتزوج وأسرته الصغيرة، ويساء فهم قول النبي ﷺ: «أنت ومالك لأبيك»، فكثير من الأزواج والآباء يرددون هذا القول لحبيبنا ﷺ وهم لا يفقهون المعنى، ويعتزون بأنهم يسيرون على هدي رسول الله ﷺ.

 

وهذا رجل كان جارًا لي في وقت ما وكان يعمل في بلد غير بلده، ويرسل ماله ومال زوجته لأبيه كي يستثمره، فكان أبوه يشتري به أرضا ويكتبها باسمه - أي باسم الوالد - فلما ناقشته زوجته رماها بوابل من الشتائم واللوم، واتهمها بأنها تسعى إلى قطيعة الرحم وعقوق الوالدين، والعجيب أنه كان ملتزما بعباداته وذلك يعكس سوء فهمه لدينه وتشريعاته ومعاملاته، ورغم ذلك لا يتقي الله في مال زوجته. 

ولعله من المفيد - إذن - أن أورد الحكم الشرعي في راتب الزوجة.

 الحكم الفقهي في راتب الزوجة

يقول د. محمد المسير الأستاذ بجامعة الأزهر - يرحمه الله: «إن للزوجة أن تتصرف في مالها دون إذن زوجها، وراتب الزوجة جزء من مالها الذي تملكه، فلها أن تتصرف فيه بما شاءت ما دام هذا التصرف داخل دائرة الحلال؛ لأن ذمة المرأة المالية مستقلة عن ذمة الرجل، سواء أكان أبًا أم أخًا أم زوجًا، فالشريعة الإسلامية أعطت المرأة أهلية كاملة في التملك والتصرف.

الزوجة - إذن - لها ذمتها المالية المستقلة، وراتبها جزء من مالها، فلا يجوز للزوج أن يأخذ منه شيئًا إلا برضاها، وعن طيب نفس منها، وأخذ الرجل مال زوجته أو جزءًا منه كرهًا يعد غصبًا والغصب حرام.

لقد منح الله الشرع الحنيف للمرأة ذمتها المالية، وهذا العطاء دليل على تكريم الإسلام للمرأة، وهو من مفاخر شريعة الإسلام.

وفي دراسة للدكتور عبد العزيز محمد الدبيش بجامعة الملك سعود بعنوان: « أثر راتب الزوجة الموظفة في الحياة الزوجية: دراسة فقهية».. أوضح أن المرأة سواء أكانت متزوجة أم غير متزوجة لها حق الملك والتصرف فيما تملك، إذا كانت بالغة رشيدة، كما أكدت هذه الدراسة أن راتب المرأة هو جزء من مالها.

هل تساعد المرأة زوجها؟ 

لقد أباح الفقهاء أن تساعد المرأة زوجها وهذا من باب الفضل لا من باب الوجوب والإلزام، وأن كل الصور والحالات التي يتحقق فيها التراضي بين الزوجين - سواء فيما يتعلق بعمل الزوجة أو راتبها - يتعامل معها الإسلام بالتيسير والسماحة، ويجوز شرعًا أن يتنازل كل واحد من الزوجين للآخر عن حقه أو بعضه، شريطة أن يكون عن طيب نفس ورضا من الطرف المتنازل مادام ذلك يساعد على استقرار الحياة الأسرية وازدهارها، ويحقق فائدة للبيت المسلم، ولكن على الزوج أن يعي أن ذلك فضل من الزوجة وليس واجبًا، وأنه لا يحق له أن يجبرها على الإسهام في نفقات البيت، حتى إن كان فقيرًا محتاجا، وكانت الزوجة ثرية، فقد بين القرآن الكريم أن قوامة الرجل على زوجته إنما استحقها لطبيعة تكوينه ولإنفاقه على زوجته وبيته، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤).

السماح بعملها مقابل راتبها!!

بعض الأزواج يتصور أن أخذه للراتب هو الثمن المقابل السماحه لزوجته بأن تعمل، وهذا خلط للأوراق، وليس من الشرع في شيء، بل لا ينسجم مع الواقع.. ناهيك عن أن منع الزوجات عن العمل سيفرغ المؤسسات التي تحتاج إلى عمل المرأة من النساء العاملات، كالتدريس للبنات في المدارس والجامعات، وكذلك في مهنة الطب والتمريض عندما تكون المريضة أنثى.

هل من حق الزوج أن يمنع زوجته عن العمل؟

بداية.. لا يجوز للمرأة أن تخرج إلى العمل دون إذن زوجها، فإن خرجت دون إذنه فهي عاصية لزوجها، ومقترفة المحرم، آثمة في فعلها هذا، وتسقط نفقتها، فلا تجب على زوجها باتفاق الأئمة الأربعة. 

لكن إذا اشترطت أن تعمل، فهنالك يلزم الزوج الوفاء بذلك، وكذلك إذا شرط الزوج على زوجته في العقد أن تعمل، فيلزمها الوفاء بهذا الشرط، وإذا لم تلتزم بذلك تكون ناقضة للاتفاق، عاصية لزوجها.

عندما يخل العمل بواجبات المرأة الأسرية

إذا أدى عمل المرأة إلى الإخلال بدورها الأصلي وهو واجباتها الأسرية نحو زوجها وأولادها.. فهنالك يكون البيت أولى لها من العمل، شريطة ألا يخل ذلك باتفاق سابق، أو شرط اتفقا عليه سلفًا تجنبًا لنقض العهد، وتحقيقًا للوفاء بالوعد.

ولا بأس إن كانت المرأة ترغب في العمل ووافق زوجها - لتعويض تقصيرها من واجبات البيت - أن تتعهد بالإسهام من مالها أو راتبها في دفع راتب الخادمة، أو الإنفاق العام على البيت، فإذا اتفقت هي والزوج على ذلك، لزم أن تلتزم وتفي بعهدها ووعدها، وهنالك یكون إنفاقها أو إسهامها من باب الوفاء بالعهد، وليس من باب وجوب إنفاقها على الزوج والبيت. 

حالات تستثنى

بالحياة نماذج كثيرة من الزوجات الكريمات الأصيلات، إنهن يسرن على درب خديجة رضي الله عنها ومثيلاتها العظيمات، فقد واست خديجة رضي الله عنها زوجها الرسول ﷺ وأعطته من مالها ووقفت بجانبه، وازرته، وآمنت به وضحت بالغالي والثمين.

ولا يزال الخير في نسائنا، فتلك زوجة تبيع حليها عندما كان زوجها يطبع رسالة الماجستير، وليس معه مال، ولكنه كان وفيًا إذ اشترى لها ضعف ما باعت عندما وسع عليه الله في رزقه، إنها فعلت ذلك برغم رفضه الشديد لبيع جواهرها التي اشتراها لها والدها وليس زوجها. 

لقد عف الزوج عن مال زوجته، فوسع الله عليه وفرج كربه، وكانت الزوجة كريمة معطاءة فاضلة فعوضها الله عز وجل، حيث اشترى لها زوجها ضعف ما باعت وظل يحمل لها هذا الجميل ما دام حيًا، وأثمر هذا الصنيع سعادة وحبًا ووفاء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1654

56

السبت 04-يونيو-2005

المجتمع الأسري.. عدد 1654

نشر في العدد 1756

77

السبت 16-يونيو-2007

المجتمع الأسري عدد 1756