العنوان دراسة حول.. الوجود الإيراني المذهبي في أوروبا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يناير-1988
مشاهدات 85
نشر في العدد 853
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 26-يناير-1988
________________________________________
الحديث عن
الوجود الإيراني أو الوجود المذهبي أو الفكر الخميني أو الفكر المتطرف، يكاد يختلط
ويتداخل من حيث المعنى والمدلول. وذلك لجملة من الأسباب نوجزها فيما يلي:
1. استغلت الحكومة الإيرانية أتباع فكرها أسوأ
استغلال، إذ أوهمتهم أن الدولة الإيرانية هي الدولة الإسلامية الوحيدة القائمة،
وهي دولة المذهب أينما كانوا ومهما كانت انتماءاتهم السياسية أو هويتهم الوطنية.
2. غرست فيهم أن أتباع المذهب كانوا يمثلون
الفئة المضطهدة في كل العالم الإسلامي بسبب انتمائهم المذهبي، وأنهم كانوا ضحية
هذا الانتماء، وبالتالي فإنها فرصتهم التاريخية ليحققوا ذاتهم ويثبتوا وجودهم من
خلال «دولة المعذبين في الأرض أمام قوى الاستكبار العالمي».
3. سخرت المذهبية لصالح الحكومة الإيرانية
وغذتها وعمقتها لتعطيها صفة أمة متناثرة حاضرتها طهران، وأن أي انتماء لغير هذا
الوطن هو خيانة وطنية عدا عن كونه كفرًا بالإسلام، إذ أعطت لنفسها صفة الحكومة
الدينية الممثلة لمصالح الناس في الأرض.
4. أسبغت الصفة العنصرية على المذهب وتصرفت من
خلال هذه العنصرية على أنها الوحيدة التي تستحق الحياة الكريمة لأنها الأجدر -
بقوة الحق التاريخي - على توحيد الناس وقيادتهم.
5. أفردت نفسها بالحق الشرعي بالوجود بين كافة
التجمعات الإسلامية واعتبرت نفسها ميزان الحق والباطل في كل ما يخص الإسلام.
6. بقصد التربع على عرش زعامة العالم الإسلامي
استخدمت سبيل الانتقاص الشخصي لإعلام السياسة والحكم في البلاد العربية وكشف
عيوبهم وتسقط زلاتهم وإبراز التناقض بين سلوكهم وبين السلوك الإسلامي القويم،
مركزة بشكل دقيق على دول الخليج وخاصة السعودية، مما أشبع نزعات الكثير ممن يمثلون
تيار الرفض الاجتماعي في بلادنا.
وكي لا نسترسل
بالتحليل، نوجز النقاط التالية التي تمثل باعتقادنا أهم عناصر هذا الموضوع، تاركين
التفصيل والتحليل والاستزادة للمهتمين في ذلك وحسب ما يرمون إليه من اهتمامهم بهذا
الموضوع. وقد ركزنا الحديث عما يخص الوضع الإيراني المذهبي في أوروبا لأن دراستنا
هذه هي دراسة ميدانية وليست دراسة فكرية، وبالتالي فإنها حصيلة مواقف ومشاهدات
أكثر مما هي بحث في بطون الكتب خلف المكاتب.
ونؤكد مرة ثانية
أن التيار الإيراني المذهبي في أوروبا ليس تيارًا إسلاميًا فحسب ولا هو تيارًا
مذهبيًا دينيًا فقط، بل إنه مزيج للتيارين معًا. ولذلك يدخل مع هذا التيار كل من
التقت مصالحه السياسية ونزعاته المذهبية، وهذا ينطبق بشكل خاص على أولئك الذين
تسيرهم دولهم وتنظيماتهم الظاهرة المعلنة منها والسرية، بغض النظر عن اهتمامهم
بالتطبيق المذهبي أو عدمه، وبغض النظر عن اعتقاد الحكومة الإيرانية بأن أولئك لا
تهمهم القضايا الدينية المذهبية وأن ممارساتهم لا تمت إلى الإسلام بصلة، لكنها
تستعملهم لتطبيق سياستها المدروسة وتراهن على الزمن في حرق المراحل طالما استطاعت
تجنيد أولئك لخدمة أهدافها، وهي على كل حال لا تضمن استمرارية ولائهم وتعاونهم ولو
أنها حريصة على إطالة أمد هذا الولاء أو هذا اللقاء المصلحي بتعبير أدق.
نعود إلى الحديث
عن النشاط الإيراني المذهبي في أوروبا لنفصله كما يلي:
• أسبابه وأهدافه.
• مؤسساته.
• وسائله.
• ممارساته.
• العوامل التي ساعدت على انتشاره في أوروبا
والعالم الغربي والعوامل التي حدت من هذا الانتشار.
• النتائج الآنية التي وصل إليها.
ثم بعد ذلك
نتحدث عن كيفية مجابهة هذا الفكر الطائفي المغلق، نتذكر:
• العناصر التي تساعدنا وتعمل لصالحنا (عناصر
القوة).
• العناصر التي تقف دوننا وتعمل ضدنا (عناصر
الضعف).
• من أين نبدأ؟
• كيف نبدأ؟
• ما هي احتياجاتنا وآفاق عملنا معتمدين على
المعطيات الحالية؟
________________________________________
1. أسباب
الانتشار الإيراني في أوروبا وأهدافه
من طبيعة الفكر
السلطوي تطلعه للانتشار لأن نظرته للآخرين لا تخرجهم من إحدى خانتين: الجهل أو
الطغيان. وبالتالي فإن وسيلة الوصول إلى الهدف لا تخرج بدورها عن واحدة من
وسيلتين: الإعلام أو الحرب.
وبما أن العالم
الغربي لا يدخل في تطلعات مخططي السياسة الإيرانية على المدى القريب على الأقل،
فقد اقتصر على قضيتين:
1. الوصول إلى المسلمين القاطنين في أوروبا لسبب
أو لآخر وتجنيدهم ليكونوا سندها إذا ما عادوا إلى بلادهم.
2. زعزعة الأمن في الدول التي آوت إليها
المعارضة الإيرانية أو الدول التي فقدت الحيلة في كسر حاجز المنظمات الإسلامية
فيها وحيل دون الوصول إلى أفراد منهم - على سياسة الأرض المحروقة - أو اتباعًا
للقول المعروف "عليّ وعلى أعدائي".
ولهذا فإن الهدف
الرئيسي ليس الدعوة الإسلامية في مجتمع غير مسلم كما هو مطلوب من كل مسلم وتنظيم
إسلامي، بل هو تجنيد المسلمين للعمل السياسي المذهبي وتشتيت التنظيمات الأخرى وزرع
الفتن في داخلها وتفجير التناقضات بينها.
كما أن أسباب
الانتشار في العالم الغربي مدفوعة لإشباع الطموحات البعيدة للسياسة الإيرانية
وظروف الاتصال المباشر والتجنيد الفوري للناس حسب المقاييس الفردية والميدانية
وصولًا للغاية بأية وسيلة ممكنة واتباعًا للتقية في حل الأمور. وهذا بالطبع يحتاج
إلى تحسس نقاط الضعف ومواطن الخلل عند الأفراد والجماعات لوضع اليد عليها ثم
الدخول عن طريقها إلى الهدف المطلوب. فالعالم الغربي يعج بالهاربين من أجواء الكبت
العربية والملاحقين السياسيين، كما يزخر كذلك بمن فقدوا سبل العيش أو ممن تكتلوا
لتحقيق ذاتهم من خلال تجمع أو نادٍ أو مركز نشاط. وهذا كله ينتابه الخلل بين الحين
والآخر أو يتوقع في أعماله بما لا يتناسب وإمكاناته. وهنا يكون المدخل في المكان
والزمان.
ولعل السبب
الأهم في توسع الفكر الإيراني خارج الخارطة الإسلامية هو اصطدامه مع الفكر
الإسلامي الأصيل الذي أثبت وجوده واضحًا جليًا على مر السنين والذي حملته جماعات
وتنظيمات استحال على الدعاية الإيرانية إسقاط مصداقيتها أمام الجماهير فاتخذت منها
مواقف باهتة عاتمة أو متربصة بها وبأبنائها. فمن الشرق كانت الجماعة الإسلامية في
باكستان سدًا منيعًا أمام الانتشار الفكري الإيراني خارج نطاق الشيعة والجماعات
الإسلامية التركية من الشمال وجماعة الإخوان المسلمين في الدول العربية
وامتداداتهم في أوروبا وأمريكا. كل هذه التنظيمات السياسية إضافة لرموز العلم
والفقه من مدارس وأفراد حالت دون اتساع الفكر الإيراني في المنطقة العربية
وبالتالي فكان لا بد لهذا الفكر أن يبحث عن أراضٍ جديدة إن لم تكن بكرًا، فلتكن
سهلة الانقياد أو ميالة للتحالفات وتبادل المصالح بحكم جهلها أو حاجتها.
ولذلك كله فإن
القفز إلى ما وراء البحار اقتضته الضرورة الإيرانية التوسعية، ورغبة الأجواء غير
النظيفة في المهجر، وساعدته مجموعة الأفراد غير الملتزمين بالعمل الإسلامي الجاد
السليم من خلال مركز دعوي أو مدرسة أو هيئة أو جماعة.
________________________________________
2. الوسائل
والمؤسسات
أ. الإعلام
المكتوب
ما من شك أن
الإعلام الإيراني من حيث مؤسساته وسياسته الإعلامية وغزارته هو الإعلام المتقدم
على أجهزة الإعلام العربية مجتمعة من حيث الكم والكيف.
فهو إعلام
متنوع، يعرف لمن يكتب؟ وكيف يكتب؟ ومتى يكتب؟ وهو إعلام متناسق يسير وفق خطة موحدة
ومدروسة، أهم مميزاته أنه يلبي تطلعات الفئات على اختلاف مشاربها وتوجهاتها. كل
ذلك وفق تصنيف للأشخاص وميولهم.
فالصحيفة التي
ترسل إلى العراقي مثلًا، لا تصل إلى السعودي، والمجلة التي ترسل إلى لاجئ سياسي
لأي دولة لا تصل إلى المغترب المستقر في بلاد المهجر، وكذلك الكتيبات التي ترسل
إلى عضو في جماعة الإخوان المسلمين لا ترسل إلى نصيري أو طائفي. فهناك طبق لكل ذوق
وكلام لكل مستمع.
1. الصحف: وقد يصعب ذكر أسماء الصحف والمجلات
التي ترسل إلى الأفراد والجماعات ولكننا نصنفها على سلمَين:
1. حسب اللغات.
2. حسب الاتجاهات الإعلامية.
3. بالنسبة للغات: هناك من الصحف اليومية ما
يوزع عالميًا بإحدى اللغات الثلاث: العربية - الفارسية - الإنجليزية، وهذه تصل لكل
العالم تقريبًا، مثل كيهان وغيرها. كما أن هناك إعلامًا بلغات محلية أو قومية
لأقليات بعينها، وهذه تقوم عليها إما سفارات أو مراكز ثقافية أو أشخاص مخصصون لهذا
الغرض. كما هو الحال بالنسبة للصحف باللغة التركية والألمانية والإسبانية
والفرنسية أو بالكردية والأردية، إلخ.
4. أما التصنيف الأهم فهو ما يتبع الاتجاهات
الإعلامية لهذه الصحف: فهنالك مثلًا:
* الطليعة
الإسلامية: موجهة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين ومثيلاتها من الجماعات الإسلامية.
* الجهاد
والاستشهاد: للمعارضة العراقية.
* الجزيرة
العربية: للشيعة من أهل الخليج العربي مع التركيز على السعودية بدرجة أولى ثم
الكويت.
* كيهان
ومجموعة الصحف الصادرة في إيران: للشيعة بمختلف جنسياتهم.
* الهدى:
للأطفال.
* العالم:
للمستقلين.
ب. النشرات
الدورية منها أو
نشرات المناسبات، وهذه النشرات غالبًا ما تتورط بالإفصاح عن مكنونات دفينة أو
مستترة، فتخرج عن إطار التكتيك الإعلامي؛ لأنها تُترك غالبًا لأفراد أو تجمعات
مضمونة الولاء.
فكم من مرة صدرت
نشرات متناقضة، بل وحتى محرجة أحيانًا. وُزعت أكثر من مرة منشورات عن زواج المتعة
في بلاد أوروبية تستهجن مثل هذه الأمور، أو عن اختفاء الإمام الصدر وشتم الحكومة
الليبية، أو عن الحرب وتطوراتها فيقول قائلهم: "إن الحرب الإيرانية -
العراقية ما هي إلا امتداد لحرب صفين بين أحفاد علي كرم الله وجهه وبين أحفاد بني
أمية والعباس الذين سنطهر الأرض منهم على أيدي آل البيت".
ج. الكتيبات
وهذه غالبًا ما
يكون عنوانها غير محتواها. فعندما نقرأ كتابًا عن الاقتصاد الإسلامي، نراه تأبينًا
للصدر. وعندما نقرأ كتابًا عن رسالة الإمام إلى العالم المسيحي نراه جملة من فقرات
خطابية للإمام بمختلف الموضوعات. وهكذا أمثال: الإسلام وأوروبا، المسيح، الإسلام وضرورة
التغير الاجتماعي، إلخ.
د. وكالات
الإعلام ودور النشر
هذه المؤسسات
مهمتها تزويد المراكز الإسلامية في الخارج بالخبر المُصنع والمفسر لا الخبر الوصفي
أو النقلي. مثال: المكتب الإسلامي العربي للصحافة - مدريد. وكذلك الأمر بالنسبة
لدور النشر التي من أبرز خصائصها إشهار "المغمورين" لمجرد ولائهم إضافة
لمهمتها الإعلامية. مثال: دار آل البيت في لندن أو الجمعية الإسلامية في فلنسيا -
طلبة إيرانيين.
فلو قارنا ما
ينفق على وسائل الإعلام هذه من خلال اقتصاد الحرب وما يُقدم من المنظمات الإسلامية
الأخرى، لوجدنا فارقًا كبيرًا في الإمكانات المادية والبشرية.
هـ. المحاضرات
والمؤتمرات
على نقيض وسائل
الإعلام المكتوبة، نستطيع القول: إن المؤتمرات واللقاءات الجماهيرية التي تحركها
أصابع إيرانية لم تعط ثمارها المرجوة، فكم من مؤتمر قد حضره من الخطباء والمنظمين
أكثر من الحضور، وكم من محاضرة تنادى إليها هؤلاء فما حضر إلا من هم من جماعتهم.
ولعل فشل سياستهم في جمع الناس إلى المحاضرات والمؤتمرات عائد إلى روح الإملاء
والتلقين التي تسود أجوائهم، وضيق صدورهم بالرأي المقابل، وتخطيطهم لمسرح المؤتمر
أو المحاضرة، دونما اعتبار لما عند الآخرين من نقد، إضافة لكونهم يعتبرون أي لقاء
ما هو إلا معركة لا بد من أن يخرج منها غالب ومغلوب، وهم يحشدون جو المكان لكسب
«المعركة» بأي ثمن.
ثم إن مادة
لقاءاتهم معروفة للقاصي والداني، فهي حتمًا تحتوي على فقرات كاللازمة الموسيقية:
الحرب، فصل عن الإشادة بالمنجزات، فصل شتم بأمريكا ودول الخليج، مقررات اللقاء،
وخاتمته لا بد أن تكون برقية تُرفع للإمام بالشكر والتبجيل.
لقد سئم الناس
هذه المسرحيات «المسبقة الصنع» كما سئموا سبل بسط الحماية الفكرية عليهم وإجادة
إبراز المواهب واستخدامها في أمور تُعد استخفافًا بالناس وبآدميتهم ولهذا
فاعتقادنا أنهم - بعقليتهم الحالية - غير قادرين على الاستفادة من هذه الوسائل.
و. الاتصال
الفردي
يتم الاتصال
الفردي في غالب الأحيان عن طريق وسطاء يدرسون الأرضية ويتعرفون على احتياجات
الأشخاص وكذلك مواطن الضعف فيهم. وهم إجمالًا يركزون على الأصناف التالية:
1. الأفراد الذين يعيشون في مناطق معزولة عن
التجمعات الإسلامية، مثل: قرى، مصانع، مزارع، إلخ.
2. حديثو العهد بالإسلام أو الجاهلون به من
المسلمين. فهؤلاء أرض خصبة وبكر لزرع الأفكار دونما عناء.
3. مشرفو الرؤوس المتطلعين إلى صعود السلم
الاجتماعي بلا زاد ولا مشقة.
4. العناصر الشابة الطموحة. حيث إن الأفكار
البنفسجية تطير بهم إلى أحلام الحكم والقيادة.
5. الذين يعانون من الاضطهاد السياسي أو العرقي.
وهذه هي التربة الأخصب لأنهم يمثلون تيار الرفض الاجتماعي والسياسي معًا، كما
يعانون من العزلة الاجتماعية والسياسية ومن الملاحقة بسبب أفكارهم وآرائهم، بل
كثيرًا ما طاردتهم العيون إلى ما وراء الحدود، تهدد الفرد في عيشه وجواز سفره
وحياته وحياة أهله. فهؤلاء الهاربون إلى الأمام «الذين يعيشون [بـ] المال الكافي
للعيش الكريم ثم تشحنهم ضد جلاديهم وتقدمهم للناس على أنهم هم الشلة المختارة التي
حباها الله نعمته، وهم قادة الفكر الصحيح وما دونهم أصحاب جهل ومكر، ثم تجندهم
بالحقد والكراهية لكل من لم يقدم لهم العون ولم ينزلهم منازلهم».
ولكم ساعدتهم
حكومات عربية وأجهزة مخابرات ومراكز قوى من حيث تدري ولا تدري، فسياسة كم الأفواه
وكبت الأنفاس ما عادت بالخير على أحد ولا جاءت إلا بالشر المستطير.
ومن الرسائل
المتبعة مع هؤلاء الذين انضووا تحت مذهب الخميني نذكر:
1. إلزامهم بواجبات وتكليفهم بأعمال لازمة،
كالتجسس على الآخرين وتسقط أخبار الناس.
2. كتم مذهبهم بمذهب الخميني وإظهار المعاداة
إذا لزم الأمر للحكومة الإيرانية أمام الناس.
3. جَرّ الآخرين إلى أن يحذوا حذوهم.
4. إفساد التجمعات «المعادية» من الداخل.
5. التجنيد في «جيش الإسلام» إذا دعا داعي
«الجهاد».
كل هذا يسير
بسرية وهدوء ويصعب على المرء التمييز بين من وقع فعلًا في المصيدة ومن لم يقع.
ولإكمال الإعداد النفسي لهؤلاء توجه إليهم دعوات لزيارة إيران حيث يوجهون على
الطريقة الشيوعية لزيارة المراكز، وحضور التجمعات التي ترسخ عمليًا ما تعلموه
نظريًا من قبل. وقد يصعب عليهم إيجاد هذه الأصناف فيبحثون حينئذ عن الأشخاص
القابلين للصياغة بغض النظر عن سلوكهم مكتفين بالولاء، غاضين الطرف عما قد يرتكبه
«هذا الموالي».
ز. إرسال الدعاة
مع البعثات الدبلوماسية
فقلما تجد بعثة
دبلوماسية إيرانية ليس فيها مرشد ديني بصفة دبلوماسية مهمته الاتصال بالهيئات
والأفراد على حدّ سواء وتجميع شتات الشيعة أينما وجدوا، ومهمة هذا المرشد تتلخص
فيما يلي:
• الاتصال بالمراكز والتجمعات الإسلامية،
بغية التقرب منها والبحث عن ثغراتها.
• الإيقاع بين المسلمين وحكوماتهم للاستفادة
من جو الأزمة، وكذلك بين الإسلاميين وقياداتهم.
• إيصال المفاهيم المذهبية وتقديم التاريخ
على أنه صراع بين آل البيت أصحاب الحق الشرعي بالحكم وبين «المردة» من غيرهم.
• استخدام الأساطير والرموز لإيهام الناس أن
عصر النور قد وُلد في طهران وإنه آت لا محالة.
• تقديم الثورة الإيرانية على أنها تجسيد
لتطلعات كل الحركات الإسلامية في التاريخ وامتداد لفكر ابن باديس وحسن البنا وسيد
قطب.
• تحريض المتهورين ضد كل من يقف في وجههم إن
تعذر احتواء العقبات للاستيلاء على المراكز الإسلامية القائمة كما حدث في واشنطن
والسويد وهامبورغ، هذا إذا تعذر استخدام المال لشراء الضمائر والنفوس.
ح. إقامة
المراكز المذهبية
إذا تعذر
الاستيلاء على مركز إسلامي بأي وسيلة كانت فإنهم يؤسسون مراكز جديدة أو يساعدون
على ذلك، وتنصيب أكثر الناس ولاءً للسلطة الإيرانية لا أكثرهم قربًا للإسلام ذلك
لأن الولاء عندهم مقدم على كل صفة خلقية أو علمية.
________________________________________
3. الممارسات
لعلنا أدخلنا
كثيرًا من ممارسات أصحاب الفكر العنصري المذهبي الإيراني في الفقرة السابقة، ولعلي
أذكر أمثلة على ذلك.
سبق أن اتصل
وسيطهم في فرنسا - وهو جزائري - مع بعض الأفراد من تونس ممن اضطروا إلى الخروج
منها أثناء الملاحقة غير الحكيمة ضد الشباب المسلم في تونس، اضطروا بعدها إلى
الهروب إلى فرنسا، وهناك هُددوا بالعودة وتسليم أنفسهم أو سحب جوازات سفرهم. فما
كان من الوسيط إلا أن اتصل بهم وعرض عليهم جوازات سفر ورواتب شهرية واشترط عليهم
شرطَين:
• التحول إلى المذهب الخميني.
• التجسس على الهيئات الإسلامية في فرنسا.
وطلب منهم كتم
أمرهم والتظاهر بأنهم ضد مذهب الخميني «ليتقوا مكر الناس» ثم مرت أيام فطلب منهم
الالتحاق بالحرس الثوري لإثبات حسن النيات.
والمواقف
الشبيهة بهذه كثيرة، حتى إن عضوًا في البرلمان الإيراني تكلم علنًا في أحد
المؤتمرات أن ميزان الحق والباطل هو حكومة إيران، وإنه لم تعد هناك شرعية لأي
جماعة إسلامية - ويقصد الإخوان المسلمين - بعد قيام الدولة الإسلامية في إيران،
وإن مواقع المسلمين هو في الجبهة العراقية وعلى الجميع أن يجند شبابه لهذا.
________________________________________
4. العوامل
السلبية والإيجابية التي أثرت في انتشار الفكر الإيراني
وهذه نعددها
لأنها قد ذُكرت بدورها في معرض حديثنا السابق:
أ. العوامل
السلبية
وهي العوامل
التي وقفت دون امتداد الفكر الإيراني في العالم الغربي:
1. الفكر الأسطوري الخرافي الذي يدعو له الخميني
وخاصة فيما يتعلق بالإمام المختفي، والولاية والبابا، وقصص الأساطير والرموز
المنبئة بأحداث كبرى مثل: بناء البنك والصنم في البصرة دليل على انتصارهم على
أعدائهم وكذلك الطقوس الدينية في ذكرى مقتل الحسين رضي الله عنه، وأخيرًا تعذيب
النفس للتكفير عن خطايا الأسلاف، إلخ.
2. قيام الحكم في إيران على طريقة الكهنوتية
الغربية في العصور الوسطى، وما يجر ذلك من قواعد راسخة في نظام تسلسل الرتب
الدينية وولاية الفقيه، والوقوف دون نقاش عند رأي الإمام. وهو ما أعطى انطباعًا
بأنه عودة إلى حكومة رجال الدين بغض النظر عن مؤهلاتهم القيادية والعلمية، مما
أوجد صورة جديدة في الإسلام لتقسيم المجتمع إلى رجال دين وغيرهم، أو طبقة نبلاء
لها القول الفصل وعامة الشعب بمختلف فئاتهم وإمكاناتهم.
3. استبدال المبادئ الفكرية بالمواقف السياسية.
وقد وقعوا في مأزق أمام أقرب الناس إليهم:
o فهم
يدافعون عن المعذبين في الأرض، في إيرلندا والسلفادور وتشيلي، ثم هم ينسون
المسلمين في أرتيريا، وأفغانستان، وحماة وتشاد.
o وهم
يكافحون ضد الشيطان الأكبر وضد الشيوعية الدولية، وبالمقابل لهم أطيب العلاقات مع
كوريا الشمالية واليابان حليفة أمريكا رقم 1.
o يدعون
لوحدة المسلمين، وهم يتعاونون مع أعدائهم عليهم كما حدث مع الإخوان المسلمين ومع
السنة في إيران، ناهيك عن الإصرار على استمرارية الحرب بين المسلمين التي دمرت
رجالهم وأرضهم ومالهم.
4. المراهنة على نكرات. فأي مغمور لمجرد تسليم
قيادة لهم يرفعونه إلى المنابر والمنصات وعلى صدور الصحف والمجلات. ولكن الناس
تعرف بعضها والرموز القيادية الإسلامية في أوروبا معروفة للجميع.
5. التشبث بالقومية. فهم يعلنون انطلاقهم إلى
عالمية الإسلام وكسر الحدود، ولكنهم يصرون على تسمية الخليج العربي بالخليج
الفارسي، ولم يقبلوا الطروحات الليبية لتسميته بالخليج الإسلامي.
كل هذه
المتناقضات في الأقوال والأفعال كانت تتردد على أذهان الناس في الغرب خاصة وأن
مصادر المعلومات لديهم متنوعة ومتباينة، يستطيعون بها التمييز بين الدعاية
والحقائق.
ب. العوامل
الإيجابية
وهي العوامل
التي ساعدت على انتشار الفكر الإيراني في الغرب ونذكر منها ما يلي:
1. الفهم الجزئي للإسلام عند العامة. فكل أولئك
الذين يفتقرون لفهم الإسلام أو لأساسياته وخطوطه العامة كانوا مرتعًا وعونًا للفكر
الديني بصورته العنصرية التي أسلفنا، فقلة الدعاة وعدم التنسيق بين مراكز الدعوة
ترك فجوات كثيرة لكل متربص.
2. الجو القمعي الذي يسود معظم بلادنا الإسلامية
وحاربه الإسلام بأشخاص أبنائه ظلمًا وجورًا، واعتبار أي تحرك جماعي هو تيار
إيراني، والتنكيل به على هذا الأساس سجل نقاطًا كثيرة لصالح إيران. وهذا ما يعاني
منه أبناء بعض دول المغرب العربي الذين طردوا واتهموا بما لم يقترفوا.
3. كثرة المهاجرين في بلاد الغرب دون روابط
تجمعهم، جعلتهم عرضة للانزلاق في مختلف التيارات التي تعصف بها الحياة الأوروبية.
4. أجواء الانحدار الرهيب الذي يعصف بأمتنا
ويهدد وجودها، أوجد تيارًا رافضًا غير راضٍ عن واقع الحال، ولكنه لا يعرف ماذا
يريد. أصحاب هذا التيار يتلقفون عادة الأفكار المتطرفة والعنيفة بحثًا عن حلول
جذرية وآنية، وهذه من أهم صفات الفكر الإيراني.
5. إعلامهم الناجح كما ذكرنا سابقًا وكثرة
الدعاة المتفرغين والمتخصصين «متخرجي الحوزات العلمية» هو حصان الرهان عندهم وهو
متفوق على ما عند غيرهم من حيث الكم والنوع.
6. الفكر المتسامح عند أهل السنة، حيث إنهم لا
يحملون أي فكرة معادية مسبقة ضد مذهب الخميني وهذا ما سمح للفكر الخميني أن يدخل
باسم الإسلام «في المغرب والجزائر وغيرها» ويطرح نفسه وكأنه الإسلام.
________________________________________
5. كيف نجابه
هذا الفكر الطائفي؟
نؤكد مرة ثانية
إنه عندما نذكر الفكر الطائفي، لا نقصد سوى ذاك الذي يعمق الخلاف بين المسلمين
ويفرقهم ويُبذر البغضاء بينهم ويُجعل المجابهة بينهم في قمة الأولويات العقدية
والوطنية، ويجر المسلمين إلى مستنقع الحروب الطائفية ليترك العدو الأول في هناء
ويستحل دم المسلم قبل غيره، لأنه عديم الحجة، فاقد البرهان كلمته تأتينا محمولة
على رصاصة تنفذ في الأجساد فتقتل، ولا تمس القلوب فتهتدي، كلمته مغموسة بالدم،
مُرة المذاق، تبعث على القيء، تحمل رائحة الموت. ومتى كانت كلمة الحب قاتلة؟ ونحن
إذ نجابه هذا الإعصار ونقف أمام هذه الريح الصفراء، لا لنرد الغلظة بالغلظة ولكن
لننازل الناس بالكلمة والبرهان، وندعوهم لوضع حقائقهم على الطاولة في وضح النهار،
عندها لا نخاف غمطًا ولا نرهب عدلًا.
فإذا ما أردنا
التحرك لوقف الانهيار وتلقيح الناس ضد طاعون الفرقة والتحارب والتقاتل، فلا بد لنا
من استقراء العناصر التي هي في صالحنا أو عناصر قوتنا فنعتمد عليها، وكذلك العناصر
التي تحول دوننا أو ضعفنا فنتداركها، وهي على كل حال إبراز أهم النقاط التي تراءت
من الأفكار الماضية.
أ. عناصر القوة
ونجملها فيما
يلي:
1. المستوى الثقافي والفكري: لا شك أن الكثير
منا ممن يقومون على الدعوة في الغرب، قد تلقحوا ضد التيارات المختلفة واعتادوا
دراسة أمورهم باستقلالية ومعزل عن الضجة الإعلامية، وعرفوا كيف يقرؤون بين السطور،
ويستمعون إلى ما وراء الكلمات. كما أصبحت لهم عقلية تحاكي الناس بغير الأسلوب الذي
يُرسل بالطائرات. وهذا يعني أن تلك الثلة قد نالت الحد المطلوب الأدنى من المعرفة
الشرعية القادرة على تحصينها من التيارات المختلفة.
2. الوعي السياسي العام: فأجواء الانفتاح
الأوروبي أثرت الشباب المسلم بمختلف ميوله ونزعاته، وارتفع مستوى موازينه وتقييمه
للأحداث، فلم تعد الدعاية الحكومية الموجهة قادرة على التحكم به وتحجيم فكره.
3. التنظيم: لا شك أن العمل المنظم هو العمل
الجدي وإن قل، فكثرة الاتصالات وتناقل الخبرات وتنظيم العمل الموحد بما لنا من
تشابك، يجعلنا في مركز القوة في هذا الميدان.
4. وجود المراكز والمؤسسات الإسلامية بأيدٍ
أمينة واعية: تتطلع إلى ما هو أسمى من المحافظة على الإدارة والتمثيل. هذه المراكز
يمكن أن تتحول إلى خلية عمل لا تنقطع إذا ما أحسنا التعامل معها ودعمنا وجودها
ونشاطها.
5. المحاضرات واللقاءات العامة: التي يتحدث فيها
رجال عرفوا بالعلم والتقوى وعرفت كلمتهم بالحق والصدق، فهم سندنا بين الناس.
6. العنصر البشري: في غالبيته إن لم يكن معنا
فهو ليس ضدنا، وتلقيحه أمر لا يكلفنا أكثر من إظهار كامل الدعوة المذهبية على
حقيقتها دون إخفاء شيء منها، فهي تصطدم مع العقل البشري ومع المنطق والحكمة وتقدم
العلوم.
7. الهدوء والاتزان في التعامل مع الناس: وهو ما
درجنا عليه، وهو الأسلوب الأجدى والأذكى، فقد مل الناس الصراخ والكلام الإنشائي،
فضلًا عن الكلام العنيف اللاذع.
8. كثرة المتطرفين عندهم للإفصاح عن حقائقهم
الحبيسة في صدورهم: جعلت الناس يشمئزون منهم ويعرضون عنهم.
9. عالمية الإسلام فينا وعلانيته، وحب الناس
والعمل من أجلهم: تجعلنا أقرب إلى قلوبهم من غيرنا وتطلعنا في أعمالنا إلى
المستقبل لا تكبلنا برواسب الماضي، وتطلق عقالنا في ميادين الجد والبناء. بينما
ركائز عمل أصحاب الفكر الطائفي هو الحقد على الأجيال والارتكاز على التاريخ في رسم
صورة المستقبل.
10. إمكانية إعادة حالة السلم الاجتماعية بين
الجماعات الإسلامية في بلادنا وحكوماتها: يجعل لنا عمقًا خيرًا يحمي ظهورنا ويوفر
علينا طاقاتنا ويقرب الناس. فليس من المعقول أن يُلاحق الناس لمجرد اتصالهم بفرد
في حركة إسلامية أو صلاتهم في مسجد يقوم عليه أشخاص لهم ميول سياسية.
ب. عناصر الضعف
إذا كانت تلك هي
عناصر القوة، فإن عناصر الضعف هي نظيرتها، ونذكر منها ما يلي:
1. الضعف الإعلامي: فلا المجلات والصحف العربية،
ولا النشرات والمجلات الإسلامية على مستوى يتوازى مع الحد الأدنى المطلوب. وقد
نتشجع أحيانًا فنضيف مجلة جديدة إلى مثيلاتها بدلًا من توحيد الجهود وتوفير المال
لإنتاج مواد إعلامية جيدة وموجهة.
2. الملاحقات المستمرة لكل ما هو تنظيم حتى ولو
كان مدرسة ابتدائية: مما أقام حاجزًا بيننا وبينهم.
3. العقلية غير المتفهمة للأمور الميدانية:
والتي تحب أن تُدار المراكز والجمعيات وفق ما يراه البعض من خلف طاولاتهم على بعد
آلاف الأميال.
4. سوء اختيار الدعاة: على أساس علمي بحت، لا
يؤدي الغرض المطلوب. فالعالم غير الداعية والفقيه غير المدرس.
5. الحساسية القائمة بين ما يسمى الفكر القومي
والفكر الديني أو العروبة والإسلام: مما شتت الجهود وفرق الجمع.
6. ممارسات بعض المسلمين غير المحتشمة: وخاصة
العرب منهم.
7. صعوبة التعامل مع الذين تورطوا في العمل مع
الإيرانيين وثقل عليهم التراجع عن ذلك.
8. موقف السفارات العربية وسلبيتها في التعامل
مع المسلمين بل وعدائها لهم في بعض الأحيان.
بهذا المنظور
الطبي التشخيصي لمواقع الحال في الغرب نصل إلى السؤال التالي: من أين نبدأ؟
اعتقادي أن نقطة
البدء تكون بتقوية مواطن الضعف المذكورة سالفًا ونقصد ما يلي:
1. التركيز الإعلامي: ويكون ذلك بتقوية منبر
الدعوة الناطق باسمها وتسهيل مهمته في الانتشار دون مطالبته بتقديم الولاءات
والاعتراف بالتجميل أمام الملأ حتى تنحصر مهمته في قضيتين:
* تجريد
مرتكزات الفكر الأسطوري بإبراز تناقضها مع حقائق الإسلام: فنكتب في علنية الإسلام،
في وضوحه وشموليته، في خلوه من الخرافات والبدع، في اصطدامه مع مفاهيم إرث الخطيئة
والتقرب إلى الله بتعذيب الجسد، وفي تقسيم الناس إلى طبقات دينية وغير دينية، وفي
ضرورة طي صفحات التاريخ والتطلع إلى بناء المستقبل الذي لا يُبنى إلا بالحب
والمودة وكلمة الخير، ثم اختتام الرسالة الإسلامية وعدم العصمة لأحد، والتفسير
الخاضع للنقاش والدليل، إلخ.
* تهيئة
ذهنية قادرة على استيعاب المفاهيم الإسلامية الناصعة وترسيخ التعامل السلمي بين
المتنافسين لحل القضايا. وهذا لا يتم إلا بتنامي الوجود المذهبي وإغفال وجوده وعدم
التحرش به أو التعرض لرموزه التاريخية والابتعاد عن المساجلات العقيمة لإثبات
حقائق تاريخية بدون معطيات جديدة.
2. التركيز على الجيل الجديد المستقر في الغرب:
وتحصينه وتثقيفه وتربيته على أساسيات الإسلام وإيجاد روح التحرك عنده أمام كل
العناصر التي أدت بأمته إلى الواقع الذي هي فيه الآن، لا يؤمن إلا بالدليل العقلي
ضمن إطار الحل الإسلامي للمعضلات المستجدة.
3. توعية الحكومات العربية بعقم الملاحقات
للأشخاص ومصادرة الكلمة وترصد الأنفاس: فقد تغير العالم وقصرت مسافاته وتقاربت
أرجاؤه، فلم تعد قوة في الأرض قادرة على لف الناس بسياج من حديد. ثم إن الخطر
الحقيقي لا يأتي من المسلم الذي يعرف حق ربه وحق ولي أمره، ولكنه يأتي من ذلك
الشيوعي الذي يعطي ولاءه المطلق للشيوعية الدولية، وذلك الماسوني الذي يعطي ولاءه
المطلق للمؤسسات اليهودية العالمية. وإن الفجوة بين المسلمين والحكام لا يستفيد
منها الحاكم ولا الشعب، بل المنافقون السياسيون والمتكسبون وتجار الشعارات.
4. اختيار الدعاة على أسس جديدة تجعل الداعية
قادرًا على التعبير والإيصال والنفوذ إلى عقول الناس وأفئدتهم: فحافظ القرآن فقط
لا يمنح شهادة داعية في بلاد لا تعرف العربية، وخريج الشريعة ليس مؤهلًا بالضرورة
لإدارة مراكز إسلامية. صحيح أن هناك حدودًا معينة لا يمكن التنازل عنها، ولكن
الأفضلية فيما وراء ذلك للقابلية الوظيفية وليست لكمية المعلومات الشرعية.
5. التقريب بين مفهومي العروبة والإسلام وطَيّ
ساحة التناقضات وإعادة وحدة الاصطلاح الإسلامي الشامل لمجمل القوميات: دون إذابتها
ولا النيل منها، على اعتبار أن العروبة نسب والإسلام عقيدة، وإنهاء هذا الجدل
العقيم بين دعاة القومية ودعاة الأممية الفكرية، وكذلك التقريب بين مفهومي المجتمع
المسلم والمجتمع الإسلامي والوطن والأمة، إلخ.
6. اعتماد مراكز وأشخاص كمصدر ثقة وتعاون وتقويض
النتوءات المدعية أو التجمعات المتشنجة: بإقفال أبواب تحركها من خلال اتصالاتها
بأشخاص ودوائر في الدول العربية فليست العبرة بالكثرة بقدر ما هي بالنوعية. وكذلك
مساعدة التجمعات والمراكز الإسلامية على ترشيد وتحديث وسائل الدعوة والعمل على
توطينها في بلاد المهجر والاعتراف بهويتها الوطنية الجديدة إلى جانب الهوية الأولى
- الهوية الإسلامية.
7. دعوة السفارات العربية إلى التعاون مع
المراكز الإسلامية في الخارج وإيجاد نوع من التواصل معها: يشعرها أنها ترتبط معها
بمصالح مشتركة ومتكاملة، وأن ما لا يحققه السلك الدبلوماسي يستطيع أن يحققه التجمع
الإسلامي من حوله بدون عقبات الأعراف الدبلوماسية والمعاملة بالمثل، والعكس صحيح
كذلك. كذلك الأمر بالنسبة لزيارة المسؤولين للبلاد الغربية بأي قصد كان لا بد أن
تضع باعتبارها لقاء الجالية المسلمة لإقامة جسور من الود بينهما وإيجاد جو من
الاحترام المتبادل المطلوب إيجاده من الحاكم كما هو مطلوب من الناس.
وأخيرًا نقول:
إن الطريق أمامنا ما زالت مفتوحة، وأن فرص لم الشمل هي أكثر بكثير من العقبات التي
تحول دونه، وأن النيات المخلصة متوفرة والرجال القادرون على استعداد للعمل الصحيح
متى توفرت الجدية والاحترام. ونقول كذلك: إن قوتنا بإسلامنا، وإخلاصنا له هو مناط
النصر أو الفشل. كما نؤكد على أن المهمات التي تنتظرنا أكبر بكثير من الجهود
المبذولة، وأن الجهد إذا نُظم في قنواته الصحيحة قادر على تغطية متطلبات هذه
المهمات.
ثم إن العمل
الدؤوب هو الكفيل باستخلاص النجاح من تحت ركام الأوهام وأتربة الواقع المائل، فلا
نستعجل الخطى ولا نتعسف الطريق ولا نكثر من الالتفاتات.
وقبل هذا وذاك
فإن توفيق الله لا يتنزل على القاعدين كما لا يستحقه البلهاء. فالقضية قضية عمل
وإيمان وإعمال للعقل والجد، وصبر وأناة. عندها لن ينسى الله عملنا، وقد تعهد بنصر
المؤمنين.
فإياه نسأل
الإخلاص في القول والعمل والعون على المكاره والهداية للخير. والأمر له من قبل ومن
بعد.