; المخطط الثاني للتغريب.. وكيفية مواجهته | مجلة المجتمع

العنوان المخطط الثاني للتغريب.. وكيفية مواجهته

الكاتب غازي التوبة

تاريخ النشر السبت 09-أغسطس-2003

مشاهدات 47

نشر في العدد 1563

نشر في الصفحة 36

السبت 09-أغسطس-2003

بدأ التحالف الأمريكي- البريطاني عدوانه على العراق في 20 مارس 2003م، وسقطت بغداد في إبريل 2003م، وقد ادّعى التحالف أنه شن عدوانه على العراق بشكل رئيس من أجل إلغاء وتعطيل مفعول أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها، وادّعى كذلك أنه جاء من أجل تحرير العراق وإزالة الدكتاتورية، وأنه جاء من أجل إبعاد خطره عن جيرانه... إلخ، لكن المؤكد أن الأسباب المذكورة سابقًا ليست هي الأسباب الحقيقية، كما سبق للكثيرين أن فصلوا.

الأسباب الحقيقية يمكن أن نذكر منها الأسباب التالية بإيجاز:

1- فرض التغريب على الأمة: غزت أوروبا العالم العربي في القرن التاسع عشر، واستكملت استعمار معظم أقطاره وبلدانه في القرن العشرين بعد الحرب العالمية الأولى، وقصدت تغريب أمتنا من خلال فرض الحضارة الغربية عليها، فأسقطت الخلافة، وغيّرت التشريعات فأحلت القوانين الوضعية محل الشرائع الإسلامية، وفرضت الاقتصاد الرأسمالي الذي يقوم على الربا وربطته بالاقتصاد الأوروبي، وحجمت التعليم الديني ووسعت التعليم المدني، ونصبت حكومات تدعو إلى الأيديولوجيا القومية لتكون بديلاً عن الرابطة الإسلامية، وجهر أتباعها من أمثال طه حسين وسلامة موسى وأحمد لطفي السيد، وحسين فوزي بضرورة اتباع الحضارة الغربية بشكل حرفي، كما شككوا في كل قيمنا وأخلاقنا وعاداتنا وتقاليدنا وثوابتنا، فشككوا بصلاحية الإسلام للحكم، وشككوا بإلهية القرآن الكريم وشككوا بعلومنا الإسلامية كالفقه وغيره، وشككوا في السنة وشككوا بقدرة اللغة العربية على مواءمة التطورات العلمية، ودعوا إلى إحلال العامية مكانها تسهيلاً على الناس وخدمة للثقافة العامة.

ثم جاءت المرحلة الاشتراكية وكان الموقف من الإسلام أشد عنفًا، فحاولت القيادات القومية الاشتراكية استئصاله من حياة المجتمع، واعتبرت الإسلام سبب التأخر، وأنه أفيون الشعوب... إلخ.

ولا يتسع المقام لعرض جهود أوروبا في فرض نموذجها الحضاري على أمتنا، حيث أثار ذلك معارك ضارية في مجالات كثيرة ومتعددة، وكانت النتيجة أن أمتنا أفشلت التغريب، ودلّت على ذلك الصحوة الإسلامية التي انطلقت في سبيعينيات القرن الماضي، وهذا ما دفع أمريكا التي قادت الحضارة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية إلى اعتبار الإسلام العدو الأول الذي يجب أن يطوع بعد سقوط الاتحاد السوفييتي؛ ولذلك فإن الهدف الحقيقي من احتلال العراق هو فرض التغريب على الأمة، واستكمال المهمة التي فشلت أوروبا في تحقيقها خلال قرن ونصف، وكالعادة فإن مثل هذا الهدف وضعت له عناوين براقة من مثل نشر الديمقراطية وإشاعة مناخ الحرية وإزالة الدكتاتورية، وإيجاد اقتصاد حر... إلخ.

2- وضع اليد على النفط: يشكل النفط سلعة رئيسة لتشغيل جميع المرافق الاقتصادية، وقد أشارت الإحصاءات إلى أن أمريكا تستهلك منه كل يوم (20) مليون برميل تستورد 60% من هذه الكمية من الشرق الأوسط، ومن المتوقع أن تزداد كمية الاستهلاك اليومي مع مرور الوقت. وبما أن الاحتياطي الأميركي من البترول (20) مليار برميل لا يكفى لتغطية حاجات القرن الحادي والعشرين كله فلا بد من الاستيلاء على العراق التي تملك ثاني أكبر احتياطي بترول في العالم 112,5 بليون برميل في أقل التقديرات يمكن أن تصل إلى أكثر من 300 بليون برميل في بعض التقديرات الأخرى، وتبرز أهمية الاستيلاء على نفط العراق في ضوء عدم اكتشاف العالم بديلاً مجديًا عن النفط حتى الآن مع كل النفقات التي صرفت خلال القرن الماضي على مثل تلك التجارب والأبحاث.

3-- تمكين إسرائيل: تهدف أمريكا من احتلال العراق إلى تمكين إسرائيل لتصبح سيدة المنطقة ولتفرض الاستسلام على العرب بالشروط التي تريدها، وها قد تحقق لها ما تريد، وخارطة الطريق، أول الغيث الذي سيشطب المقاومة ويلغي السلاح، ويفتح الباب عريضًا للاقتتال الفلسطيني.

كما أن إسرائيل ستكون أول المستفيدين من احتلال العراق فستستفيد من النفط العراقي، ومن المياه العراقية؛ إذ من المتوقع تزويدها بالمياه عن طريق أنبوب يمتد من الفرات ودجلة إلى صحراء النقب؛ فالعراق ثاني أغنى دولة في الشرق الأوسط بالمياه بعد تركيا، وستستفيد إسرائيل من قلة السكان في العراق مع إتساع الأرض الزراعية، فمن المتوقع أن تقوم بتهجير فلسطيني الضفة الغربية وغزة وإسرائيل إليها من أجل التخلص من القنبلة السكانية الفلسطينية من جهة، ومن أجل الإستيلاء على مزيد من الأرض الفلسطينية من جهة ثانية.

إفشال المخطط الثاني للتغريب

لا شك أن التحرك الأمريكي السابق، والأهداف التي رسمتها يعتبر من أكبر التحديات وأخطرها على أمتنا في تاريخها كله، وهذا يستدعي أعلى درجات المقاومة الواعية من قيادات أمتنا ومفكريها ودعاتها وجماعاتها وأحزابها لإفشال مخطط التغريب الثاني، كما أفشلت الأول خلال القرن العشرين؛ لذلك يجب البناء على الإيجابيات التي حصلتها أمتنا خلال الصراع مع دعاة التغريب ومعالجة السلبيات وعوامل الضعف في كيان الأمة؛ لذلك يجب التفكير الجدي والعميق بكل الوسائل التي تحتم انتصار أمتنا في المعركة المقبلة، وأبرز الوسائل التي يجب الأخذ بها والتي تقوي ذلك هي:

1- تأطير أفراد الأمة: من الواضح أن جانبًا كبيرًا من عدم فاعلية جماهير المسلمين في التصدي لأعداء الأمة في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من الأماكن يعود إلى عدم وجود أطر جماعية توحد طاقة هؤلاء المسلمين وتنظم جهودهم، وتستوعب إستعدادهم للبذل والتضحية وتعرفهم بأولياتهم وأعدائهم وترشدهم في كل خطوات الطريق.. إلخ. ولو تفحصنا الأسباب التي أدت إلى غياب هذا التأطير الجماعي، وإلى ضعف هذا الجانب الجماعي في حياتهم لوجدنا أن أبرزها يعود إلى الإضطراب الفقهي في حكم الانتماء إلى جماعة، فبعض الفقهاء المعاصرين يحرمه، وبعضهم يبيحه بحسب الأحوال، وبعضهم يوجبه، وجاء الاضطراب من إسقاط الأحكام المترتبة على تحريم الخروج على جماعة المسلمين في حال وجود خليفة أو إمام للمسلمين على وقتنا الحاضر رغم سقوط الخلافة، لذلك لا بد من إشاعة هذا المناخ الفقهي الذي يوجب العمل الجماعي على كل مسلم من أجل الإنتقال بالمسلم من الفردية إلى الجماعية، حيث لا تستطيع الأمة مواجهة أعدائها، ولا حل مشكلاتها، ولا بناء مستقبلها إلا من خلال بناء جماعي عريض يستوعب معظم أفراد الأمة إن لم يكن كلهم.

2- الإنحياز إلى الأمة وثوابتها: لا شك أن المعركة المقبلة مع دعاة التغريب ستكون من أخطر المعارك في حياة الأمة؛ لأنها تستهدف وجودها وشخصيتها وهويتها من جهة، ولأنها تأتي والعدو في أقوى حالاته وأمتنا في أضعف حالاتها من جهة ثانية؛ لذلك يجب رفع سقف الواجب المطلوب من أبناء الأمة نحو أمتهم، يجب أن يصبح المطلوب منهم الانحياز إلى الأمة وثوابتها، وأبرز هذه الثوابت: القرآن الكريم والسنة المشرفة واللغة العربية، والوقوف إلى جانب حقنا المشروع في فلسطين من البحر إلى النهر والإقرار بعداوة إسرائيل ومن وراءها لهذه الأمة، واعتبار أن أي احتلال الأرض عربية كارثة... إلخ، فلم يعد مقبولاً من أحد يدعي الانتماء إلى هذه الأمة فردًا أو جماعة أو حزبًا، أن يذكر ثابتًا من الثوابت السابقة، أو يشكك فيه أو يوالي عدوًا للأمة، أو يتعاون معه، أو يستهزئ بالمقاومة والاستشهاد؟

إن معركة الأمة الإسلامية مع تآمر الغرب ودعاة التغريب لن تكون سياسية فحسب بل هي سياسية وشرعية؛ فالعدو لا يستهدف المنطقة واقتصادها وخيراتها فحسب، بل يستهدف أيضًا دينها وعقيدتها ونموذجها الحضاري... إلخ لذلك فالمطلوب من أبناء الأمة أن يربطوا بين الموقف السياسي والموقف الشرعي في الدفاع عن الأمة.

3- الحرص على الوضوح والدقة الشرعيين: يزعم دعاة التغريب – الآن- أنهم لا يريدون إستئصال الإسلام من حياة المجتمع كما فعل الشيوعيون في الستينيات، ويزايدون على أبناء الأمة في حرصهم على الإسلام، ويدعون أنهم يريدون إنقاذ الإسلام من أيدي علمائه التقليديين الذين أساؤوا فهمه لذلك لن تكون معركتنا المقبلة مع دعاة التغريب حول الاعتراف بالإسلام، ولكن ستكون حول تأويلهم لنصوص الإسلام، فهم امتلكوا رصيدًا كبيرًا من التأويلات خلال القرن الماضي، شملت معظم أحكام الإسلام في مجال العقيدة والمرأة والحدود والميراث.. إلخ، كما امتلكوا قائمة كبيرة من المسؤولين خلال القرن الماضي من أبرزهم محمد شحرور، محمد سعيد العشماوي، محمد أركون، حسين أحمد أمين، نصر حامد أبوزيد إلخ..

ومن التأويلات التي زعمها المؤرخون السابقون أن الإسلام لم ينصف المرأة في مجال الميراث وتعدد الزوجات.. إلخ لذلك يجب تغيير هذه التشريعات لنجعل نصيب المرأة مساويًا لنصيب الرجل في الميراث ونعاقب بالحبس من يتزوج بأكثر من واحدة، ومن التأويلات التي دعوا إليها في مجال العقيدة أن تفهم النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في ضوء ثقافة العصر، وسيفتح هذا الفهم بابًا لشرور عظيمة في مجال العقيدة لا مجال للتفصيل فيه الآن.

ومن الأمور التي دعوا إليها عدم إعمال أحكام الحدود؛ لأن فيها -حسب زعمهم- قسوة ووحشية وكانت انعكاسًا للبيئة الجاهلية، وزعموا أنه ليس هناك نظام سياسي في الإسلام، لذلك يمكن أن نقبل بأي نظام سياسي من الأنظمة المعاصرة... إلخ.

لذلك سيكون على العلماء والفقهاء الحرص على توضيح أحكام الشريعة في كل مجال والوقوف عندها بشكل دقيق من أجل إنجاء الأمة من فتنة التأويلات والمؤولين؛ لأن المهم عند هؤلاء المؤولين زحزحة الأمة عن بعض أحكام الإسلام  في البداية من أجل استكمال إزاحة الإسلام بشكل كامل في مرحلة ثانية.

هذه بعض الوسائل التي تقوي موقف الأمة في مواجهة أعداء التغريب، فهل ستنتهي معركة التغريب في القرن الحادي والعشرين، كما انتهت معركة التغريب في القرن العشرين بإنتصار أمتنا الإسلامية هذا ما نتطلع إليه ونأمله، ونرجوه من الله تعالى.

الرابط المختصر :