العنوان زيارة إلى السودان في عيد الاستقلال وتساؤلات عن المستقبل.. ومازالت دروس التجربة السودانية تتوالى
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 15-يناير-2005
مشاهدات 106
نشر في العدد 1635
نشر في الصفحة 20
السبت 15-يناير-2005
الحركة الإسلامية في السودان مدعوة لإجراء مراجعات بعد 16 عامًا من حكم البلاد.
كان سبب زيارتي الثانية إلى السودان التي واكبت عيد الاستقلال الـ ٤٩ أن الإخوة السودانيين غضبوا ومعهم حق من اللجنة الإدارية للمؤتمر القومي الإسلامي السابقة التي قررت في اللحظات الأخيرة نقل الدورة الخامسة من الخرطوم إلى بيروت، وكان لابد للمنسق العام الجديد كاتب هذه السطور أن يزورهم ويزيل ما في نفوسهم من غضب كي تستمر العلاقات الطيبة بين الطرفين وكي يتسنى للمؤتمر عقد لجنة المتابعة أو الدورة السادسة إن شاء الله في الخرطوم عاصمة الثقافة العربية للعام ٢٠٠٥م ، وقد تم الاتفاق على ذلك مع كبار المسؤولين السودانيين بعد إزالة ما حدث من لبس.
وقد ذهبت إلى السودان في غمرة الفرحة بأعياد الاستقلال وجاء توقيع البروتوكولات الأخيرة الممهدة لاتفاق السلام، ليضيف فرحة أخرى لكنها مشوبة بالحذر والتوقعات حول مستقبل السودان وكيف يتخطى التحديات التي تواجهه ولعل هذا يكون حديثنا التالي.
التقيت الدكتور إبراهيم أحمد عمر الأمين العام للمؤتمر الوطني العام، والدكتور قطب المهدي مستشار الرئيس البشير للشؤون السياسية وكانت لقاءات طيبة.
كما التقيت بالسيد الصادق المهدي رئيس الوزراء السابق، ودار حوار حول دقة المرحلة وأهمية التقاء كل القوى السودانية الشمالية المواجهة خطة جارانج الرامية إلى بناء سودان جديد علماني يبتعد عن هويته الإسلامية ومحيطه العربي.
حضرت احتفال السودان بالعيد الـ ٤٩ للاستقلال واستمعت إلى خطاب الرئيس البشير ورئيس جنوب إفريقيا تابوميبيكي وشهدت فرحة الجميع بتدشين معاهدة السلام التي يعدها البعض بمثابة إعلان استقلال ثان لأنها تنهي حرباً استمرت خمسين عاماً منذ الاستقلال الأول في صورة مناوشات اشتعلت لمدة عشرين عاماً راح ضحيتها مليونان من البشر، وأخرت تنمية السودان ورفاهيته.
تساؤلات
شاب تلك الاحتفالات أسئلة عديدة حول مستقبل السودان وما الذي يحمله لأهل السودان الطيبين المسامحين: استقرار شامل أم نزاعات جديدة بدأت تطل من الشرق والشمال بعد أن اندلعت في الغرب بدارفور!!
وحدة أراضي السودان أم انفصال الجنوب أم تشرذم لبقية المناطق تنمية وازدهار ورخاء بعد طول عناء وتخلف أم تحسن جزئي فقط !! احتفاظ السودان بهويته العربية والإسلامية أم علمنة السودان وانفصاله عن محيطه العربي الإسلامي وانضمامه كلية إلى إفريقيا !!
آمال عريضة وأحلام واسعة تتوقف على عوامل عديدة:
أهمها : أهل الشمال الذين حكموا السودان طوال عهود مديدة هل الحركة يتوحدون حول أجندة واحدة أم تبقى أحزابهم متشرذمة متفرقة بما فيها مراجـ الحزب الحاكم الذي انقسم على نفسه؟ وبات فريق منه يدبر المؤامرات ضد الفريق الحاكم ومنها صفاء نية الجنوبيين الذين وقعوا الاتفاقات وهل ينضم إليهم بقية أهل الجنوب الذين فرقتهم القبلية وهل يقبلون بهوية السودان العربية الإسلامية الإفريقية أم يصرون على تنفيذ أجندتهم الخاصة بعلمنة السودان؟ فهل يساعدون في لملمة أطراف السودان أم يشعلون النار في الأطراف!! ومنها الأطراف الدولية التي تتصارع من الآن حول ثروات السودان التي لم تكشف بعد وبدأ صراعها حول بترول السودان.
هذا السودان الذي وهبه الله ثروات هائلة ويعيش أهله غالبيتهم في فقر مدقع، فهل يبتلى السودان الذي عاش الفقر والتخلف والتشرذم؟ هل يبتلى بالرخاء والرفاهية والتقدم، كما ابتليت بلاد أخرى لقول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:35)
هذه الثروات الواعدة التي لم تكتشف بعد في (القارة السودانية)!! هي التي تجعله اليوم محط أنظار الجميع، ومطمع القوى الكبرى ومحلاً للنزاع بين الصين من جهة، وهي التي ساعدت في اكتشاف البترول واستخراجه وتستورد معظمه اليوم، وبين الولايات المتحدة الأمريكية التي تريد من ناحية عقاب السودان الذي اخترق الحصار النفطي وتعاون مع الصين وماليزيا، ومن ناحية أخرى تريد عرقلة النمو الصيني وتدخل بكين في إفريقيا بالاستثمار خاصة في مجال الطاقة.
كلما زرت السودان أو قرأت أخباره أو تابعت أحداثه يراودني سؤال مهم يلح علي باستمرار وهو: هل كتب السودانيون من أبناء الحركة الإسلامية تجربتهم في السودان؟
ضرورة المراجعات
إن ما حدث في السودان من وصول إحدى الحركات الإسلامية الجبهة الإسلامية القومية بعد ابتعادها عن الإخوان (الحركة الأم) منهجاً وتنظيماً إلى الحكم وإدارة الدولة يستدعي مراجعة ضرورية.
هذه المراجعة ضرورية لأبناء الحركة أنفسهم، ولغيرهم من الحركات الإسلامية في بلاد أخرى، بعضهم أعجبته الحركة وما وصلت إليه من حكم وسلطة، ثم سرعان ما تلاشى الإعجاب أمام حجم التحديات وعدم القدرة على حسمها بمجرد التمنيات والشعارات، ثم حل محله إشفاق ومحاولة الدعم بالنصح والإصلاح.
إن ربنا تبارك وتعالى يعلمنا ضرورة الاستفادة من تجاربنا بقوله عز وجل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 165)
وهذه إشارة قوية إلى المراجعة والمحاسبة التي ينتج عنها تصحيح وإصلاح. وهذه المراجعات عليها أن تشمل عدة نواحي:
أولا: منهج التربية والإعداد قبل الوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه.
ثانيا: وسائل الوصول إلى الحكم وهل كان الانقلاب وسيلة صحيحة
ثالثاً: التحالفات السياسية مع الاتجاهات الأخرى وهل هي أفضل أم الانفراد بالحكم وتحمل أعباءه كافة؟
رابعا: إدارة ملفات الدولة في كل المجالات، وكيف يكون الاستعداد لها.
خامسا: بقاء الحركة الإسلامية نفسها بعد الوصول للحكم وهل تعتبر حزباً من الأحزاب أم تتحول إلى حركة شعبية لضمان تأييد المجتمع وترشيد خطوات الحاكمين؟
سادسا: القضايا الحرجة التي واجهها السودان والتي لا يخلو بلد مسلم منها مثل حرب الجنوب التخلف التنوع العرقي الإثني التنوع الديني وكيف يمكن حلها أو تقليل آثارها السلبية؟
سابعا: العلاقات الإقليمية في القرن الإفريقي ثم في القارة الإفريقية نفسها وكيف يكون السودان جسراً حضارياً عربياً إسلامياً، إلى قلب قارة إفريقيا لإجراء البكر.
ثامناً: العلاقات الدولية وكيفية البلاد بنائها واستمرارها في عالم متغير باستمرار، لقد كان قدر حكم الإنقاذ أنن وصل إلى الحكم في أعقاب نهاية الحرب الباردة وانفراد أمريكا كقطب وحيد بإدارة العالم ومحاولة الهيمنة عليه.
كيف أدار السودان العلاقات مع أمريكا، وهي مازالت متوترة؟ وكيف أدار العلاقات مع بقية دول العالم وهل كانت المصالح أم التوجهات الأيديولوجية هي التي تحكم ذلك الملف؟
تاسعا: الملفات الخاصة بإدارة الدولة الداخلية مثل الاقتصاد، والحريات العامة مع خصوصية أن الوصول إلى السلطة عبر انقلاب، يجعل الشأن الأمني فوق جميع الاعتبارات، والتماسك الاجتماعي، والبعد الأخلاقي في المجتمع، ومراعاة التنوعات المكثفة في السودان والتنمية الإنسانية بكل أبعادها خاصة الثقافية والحضارية، وملفات إدارة الأقاليم في بلد يعد أشبه بقارة كاملة، وبقية الملفات كالبطالة والصحة والتعليم... إلخ.
هذه بعض أهم بنود المراجعات التي نريد أن نسمع من إخواننا في السودان أو من المتابعين والباحثين للشأن السوداني كلمة واضحة في مراجعة صريحة وشجاعة لعلها تكون نبراساً أمام كل الحركات الإسلامية التي تتطلع للمشاركة في الحكم أو الوصول إليه لتنفيذ برنامج إسلامي إصلاحي.
لقد نجح كثير من الحركات الإسلامية في اختبار المحن وصمدت طويلاً، ويأمل الكثيرون في وصولها إلى الحكم لإصلاح ما فسد من جراء الاستبداد في بلاد كثيرة، فهل يمكنها الاستفادة من تجربة السودان الشقيق لكي ترشد مسارها قبل أن تختبرها الشعوب في إدارة ملفات الدول وهي معقدة خاصة مع التأييد الشعبي الواسع الذي يؤهلها للمشاركة أو أن تكون البديل المنتظر؟
لا شك أن الوصول الآمن للحكم عبر الانتخابات الديموقراطية وبإرادة شعبية سليمة سوف يكفل أداء أفضل، ولكن التجربة السودانية تستحق المراجعة مع بقية التجارب في إيران وتركيا وما سبقهما في أفغانستان وهكذا مازال السودان يعلمنا من تجاربه ومازالت دروس التجربة السودانية تتوالى.
السودان يطوي صفحة الـحرب الأهلية في الجنوب
وقعت الحكومة السودانية ومتمردو الجيش الشعبي لتحرير السودان يوم الأحـد الماضي9/1/2005م على اتفاق سلام شامل بحضور أكثر من ٢٠ دولة وحكومة في الوقت الذي توقع فيه المراقبون أن يغير الاتفاق خريطة البلاد السياسية على الأقل في السنوات الست القادمة التي سيتحدد بعدها مصير الجنوب، إما بالبقاء ضمن سودان موحد وإما بالانفصال، وبموجب الاتفاق سيخضع جنوبي السودان بشكل كبير لسلطة الحركة الشعبية، ويصبح جارانج نائباً أول لرئيس الجمهورية الفريق عمر البشير، في حين يتولى علي عثمان طه منصب النائب الثاني، وتؤول إليه قيادة الجيش في حالة غياب الرئيس البشير الذي سيظل حاكماً على مدى السنوات الست الانتقالية ويمنح الاتفاق الأحزاب الشمالية داخل التجمع وخارجه ١٤% من قسمة السلطة، بينما تتقاسم الحكومة والحركة النسبة الباقية، على أن تجرى انتخابات شاملة تحت رقابة دولية بعد ثلاث سنوات.
كان السودانيون الشماليون والجنوبيون قد احتفلوا مع بداية العام الجديد بتوقيع الاتفاق الذى ينهي أكثر من ٢٢ عاماً من الحرب الأهلية التي راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف قتيل وتشريد ٤ ملايين جنوبي إلى الخرطوم والبلدان المجاورة.
من جهته، قال النائب الأول لرئيس الجمهورية علي عثمان طه : إن اتفاقية السلام الموقعة مع الحركة الشعبية سيتم عرضها على المجلس التشريعي البرلمان - للطرفين لأخذ العلم والإجازة، تبدأ بعدها أعمال اللجنة القومية للدستور الانتقالي الذي سيبنى عليه، على مرجعية الدستور السابق واتفاقية السلام، وتحال المسودة بعد ذلك إلى الأجهزة التشريعية للطرفين لإجازتها، وبعدها يبدأ تشكيل المؤسسات التنفيذية والتشريعية والاتحادية، لكن مشكلة إقليم دارفور تظل أكبر تحد للاتفاق إضافة إلى احتمال نشوب حركات تمرد أخرى في الشرق تقودها مليشيات الأسود, الحرة، وقد تساعدها قوى خارجية فهل ينعم السودان بالسلام بعد طي صفحة الحرب الأهلية في الجنوب أم ان دارفور والشرق سيقفان حائلين أمام استقرار السودان ومحاولة التفكير والسعي نحو مستقبل أفضل؟! هذا ما ستكشفه الأحداث في المستقبل القريب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل