; من أوائل المسلمين الإسبان بالأندلس | مجلة المجتمع

العنوان من أوائل المسلمين الإسبان بالأندلس

الكاتب عبد السلام الهراس

تاريخ النشر السبت 05-يناير-2002

مشاهدات 53

نشر في العدد 1483

نشر في الصفحة 42

السبت 05-يناير-2002

● وضعت رأسي على الحصير فشعرت بوخزات مؤلمة في جبهتي.. عندها دعوت الله أن يشفيني من السرطان.. وقد كان

● كانت جدتي تعلمني الصلاة في البيت وتقول إذا ركعت في الكنيسة أمام الأصنام فقل في نفسك إني أصلي لله.. وعندما سافرت إلى أمريكا.. أعلنت إسلامي

من الصعب أن نحدد على أساس يقيني الأول أو الأوائل الذين أسلموا بإسبانيا المعاصرة التي كان يطلق عليها جميعها اسم الأندلس، ذلك أنه لم يكن خلال الخمسينيات والستينيات ما يدعو المجتمع الإسباني إلى «الانتفاضة» على حياته المنضبطة بالحكم العسكري بلباس مدني وبسيطرة الكنيسة الكاثوليكية، إلا أن موت فرانكو أحدث هزة عنيفة في المجتمع الإسباني الذي أصبح نظامًا ملكيًّا ديمقراطيًّا برلمانيًّا تقوده حكومة منتخبة وتواجهها معارضة اشتراكية وشيوعية، ومن هناك أصبح الشعب الإسباني يتمتع بحرية شبيهة بتلك التي في أوسع الدول الأوروبية حرية وديمقراطية وانغلاقًا.

حدث انقلاب هائل في حياة الشعب الإسباني وشعر الجيل الجديد بالحرية التامة فانفلت من كل ما يربطه بالكنيسة والقيم وهام على وجهه يرتع في مراعي اللذات والشهوات، وأصبح يعيش في قلق واضطراب بعد أن كان يعيش في خوف من السلطة والكنيسة، ومن عرف إسبانيا المحافظة إبان حكم فرانكو وبعد الهزة أو الزلزال الذي حدث بموته يدرك الفروق الصارخة بين العهدين، ومن مظاهر ذلك القلق والاضطراب العزوف الكبير، والإدبار الشديد عن الكنيسة، والإقبال على اللذات والمخدرات والجنس.

وقد شاء الله أن تضيق بلاد الشام بشبابها ولا سيما طلابها فصاروا يتجهون إلى إسبانيا للدراسة فيها منتصف الستينيات، فالتحقوا بالطب والصيدلة وكان العنصر السوري أكثر تلك العناصر، فتكونت خلايا وتجمعات طلابية إسلامية ارتبطت بجذورها في سورية يوم كانت متحدة، ثم انشقت إلى فريقين، وتاه الفريق غير الملتزم مع هذا أو ذاك!! وقد قام هؤلاء الشباب -وما زال بعضهم -بنشاط دعوي مبارك كان يبشر بخير كثير، لكنه لم يكن له تأثير يذكر في وسط الإسبان، وإن كان قد نشر كتبًا إسلامية مترجمة إلى الإسبانية، ولكنها في معظمها غير صالحة للبيئة الإسبانية، وقد أسلمت بعض الإسبانيات اللاتي تزوجن من بعض المسلمين الشوام «سوريين وفلسطينيين»، وقد ارتفع الأذان بوجود هؤلاء الشباب المسلم الطاهر الذي كان من أبرزهم الشهيد نزار الصباغ أثابه الله وتقبل منه ورحمه رحمة واسعة.

وما أظن أن إسبانيا كانت خالية من مسلمين مغاربة تخلفوا في إسبانيا بعد الحرب الإسبانية الأهلية، فقد كان هناك مسجد صغير في قرطبة بنته السلطات الإسبانية للجنود المغاربة، وأظنه لا يزال قائمًا، وكذلك يوجد مسجد صغير بإشبيلية بني أيضًا للغرض نفسه، إلا أن أبرز ما حدث في ميدان إسلام الإسبان هو الدخول الجماعي في هذا الدين على يد شخص إنجليزي سمى نفسه عبد القادر الصوفي الدرقاوي «نسبة الطريقة صوفية اسمها الدرقاوية يوجد مركزها في قبيلة بني زروال الواقعة بين حاضرة فاس ومدينة شفشاون»، وكان هذا الإنجليزي قد أسلم في مكناس على يد الشيخ محمد بن الحبيب الفيلالي وهو من كبار الصوفية الصحراويين، كان على جانب كبير من العلوم الشرعية والعربية، ظهر أمره في العشرينيات بمدينة فأس. ثم انتقل إلى مكناس وكان قليل الأتباع من المغاربة، أشهرهم الشيخ فضول الهواري المتوفى منذ نحو سنة، ولكنه أثر في الوسط الإنجليزي، وكان عبد القادر هذا من ألمع مريديه، وزعم أنه أذن له في المشيخة، إلا أن «مقدمين» مرموقين نفوا زعمه، ونتيجة ذلك تكون هذه الطريقة قد انتهت رسميًّا، إلا أن الإنجليزي عبد القادر رفع لواءها في كل من إنجلترا وإسبانيا وجنوب إفريقيا.. ويهمنا أن نعرف أن أكثر من خمسمائة إسباني وإسبانية أصبحوا من أتباعه، فهم حسب علمي أول من رفع الأذان بقرطبة وغرناطة بعد الحركة الإسلامية السورية التي لا يزال لها أثرها الطيب في مدريد وغرناطة ومدن أخرى فيما أظن.

وقد زارني في السبعينيات وفد كبير من جماعة عبد القادر هذا وفيهم خوان أوريانا، الذي أسلم على يده وتسمى بعبد السميع، وكان يقودهم الدكتور منصور عبد السلام إسكود يرو وآخرون رجالًا ونساء، وكان هو الخليفة ثم وقع انشقاق في الجماعة، كما فصل أفراد عدة منهم: الدكتور عمر عبد الله الأمريكي، وممن فارقه بعدما اطلع على بعض أسراره صهره حمزة يوسف الداعية الشهير في أمريكا..

ومن أوائل المنفصلين عن هذه الجماعة الأخ عبد السميع أوريانا الذي انتقل للحياة معنا في فاس، حيث مكث يدرس الإسلام عشرة أشهر، وقد أسس مركزًا إسلاميًا مباركًا في مدينة مالقة، وهدى الله على يده بعض الشباب الإسباني، ومنهم أخوه: هارون، والدكتور يحيى ملينه، وأخواه عبد الخبير، وطارق وغيرهم، وذات يوم زاره رجل مسن من مواليد سنة 1903 م بمدينة طلبيرة الملكة من ولاية طليطلة أسلم وعمره نحو خمسين سنة، ويقول عن سبب إسلامه:

«عمدتني الكنيسة عندما كنت طفلًا صغيرًا على عادة الإسبان مع أبنائهم في تلك المرحلة من العمر، لكني لما بلغت العشرين سنة قلت عندما أموت لا أحب أن أدفن في التابوت كما يفعل قومي، لكني أود أن أدفن مكفنًا في ثوب أبيض، لست أدري لماذا قلت ذلك؟ كما صرت أنفر من الكنيسة، ولست أدري لماذا؟ والآن وقد أسلمت أدركت ذلك!!.

عندما بلغت الأربعين، وكنت أزاول الفلاحة وتربية الأغنام، ركلني بغل في جبهتي فوق الحاجب الأيسر، ولم تحدث لي تلك الركلة جرحًا، لكن مع مرور الزمن، بدأ يتكون ورم بلون غريب، وصار يزعجني بلونه ووجعه، فاتجهت نحو الطبيب الذي فحصني فأحالني على طبيب في السرطان، وبعد معاينة واختبار قال لي هذا الطبيب: إنه ورم خبيث يجب استئصاله، فامتنعت خوفًا من أن ألقي المصير الذي آل إليه أحد أقربائي، الذي استأصلوا له ورمًا شبيهًا بورمي فإذا به يتحول إلى سرطان نشيط، ومهلك، الأمر الذي أفزعني فقررت بنفسي وقررت آنذاك أن أتمتع بالحياة بقية عمري، فزرت فرنسا - حيث كنت أشتغل سابقًا - ثم رحلت إلى المغرب، سائحًا، لما كنت أسمعه عن هذا البلد من حكايات عجيبة، وعن الشعب المغربي، زرت طنجة ثم قصدت فاس، وبينما أنا أتجول في المدينة، إذا بي أمر بجامع كبير جدًّا «جامع القرويين» والناس يدخلون إليه بعد أن يخلعوا نعالهم، ومنهم من يتجه نحو الماء بأحواض نافورية وغيرها فيغسلون وجوههم وأيديهم وأرجلهم، ثم ينتقلون إلى داخل المسجد وراء الصحن، فقلت في نفسي: لم لا أدخل معهم وأفعل مثلما يفعلون هكذا حدثتني نفسي؟!.

وقد بلغ مني الجهد أقصاه، وتعبت رجلاي من كثرة المشي في الأسواق، ودروب المدينة وأزقتها، فلم أشعر إلا وأنا في صحن الجامع مع المتوضئين والجالسين ونعلاي في يدي، وإذا برجل طويل القامة ذي جلباب أبيض يصلح لي وضع نعلي، حيث جعلهما متطابقتين من أسفلهما.. توضأت مثلما يفعلون وقمت إلى الصلاة معهم، وعندما وضعت جبهتي على الحصير «أي عند السجود» شعرت بوخزات مؤلمة في جبهتي، ولكني صبرت على ما انتابني، ثم رفعت رأسي واتجهت نحو القبلة وأنا أقول: يا الله أسألك أن تشفيني فأنا كما ترى ما زلت في منتصف العمر ولا أحب أن أموت، أسألك ذلك باسم نبيك محمد ﷺ.

ولما قضيت الصلاة، انصرفت مع المنصرفين، وبعد إقامتي أيامًا بفاس توجهت إلى الجزائر، وبعد مرور أيام صرت أشعر بأن الآلام كانت تختفي نهائيًّا، فلم تعد تنتابني تلك الوخزات الموجعة، ولما عدت إلى إسبانيا بدأ الورم يتضاءل حتى اختفى تمامًا.

كان لذلك ولحسن معاملة المسلمين بالمغرب والجزائر أثر طيب في نفسي، وبعد مرور سنوات قمت بزيارة أخرى إلى المغرب، لكنها زيارة إيمان، نزلت طنجة وسألت عن إجراءات الدخول في الإسلام، فدلوني على ذلك فوقفت أمام شاهدين عدلين رسميين وسألاني عن دواعي إسلامي، فأجبتهما بأني أحببت دين الإسلام وكرهت النصرانية، ولم أشأ أن أخبرهما بالكرامة التي أكرمني الله بها، إذ شفاني واستجاب دعائي خشية أن يكذباني، أو يظنا أني أمزح لأن الورم لم يعد له أي أثر في جبهتي.

لا أنسى جلال تلك اللحظة ولا لطف إخواني المسلمين هناك، وحسن اهتمامهم بي قبل الإسلام وبعده.

عدت إلى إسبانيا لأعيش مع أسرتي مسلمًا في وسط غير مسلم حتى اكتشفت الجمعية الإسلامية بمدينة مالقة شارع سان أغوسطين رقم 7، لذلك فأنا جد مسرور بهذا اللقاء، كنت المسلم الوحيد في هذه الديار غريبًا ولا أعرف شيئًا عن الإسلام والآن جئت إليكم لتعلموني ديني وأحب أن أموت وأنا متزوج بمسلمة ترث ممتلكاتي فإني بخير والحمد لله.

هذا الرجل يبدو لي أنه من أوائل من أسلم بإسبانيا، وسموه: عبد الله، ويعرف بعبد الله لوبيث دومينكيس الطلبيري نسبة المدينة طلبيرة، ولعله أسلم أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات.

ومن أغرب حالات الذين أسلموا من الإسبان قصة الأخ الدكتور منصور مارمول وهو أستاذ جامعي بأمريكا، زارني بفاس وظل معنا شهرًا أو أكثر زارني خلاله مدينة مراكش ونواحيها، وقام بدراسة الفن المعماري الإسلامي بفاس، ومراكش، وهو أستاذ بجامعة بتكساس للفن المعماري الروماني والفرعوني، وأضاف إلى ذلك «العمارة الإسلامية».

وقد حدثني عن إسلامه قائلًا:

«إنني من أسرة مسلمة عريقة انتسب إلى عائلة موحدية كانت تحكم مدينة جيان ونواحيها، وعندما انهزم أجدادي في معركة العقاب «جمع عقبة» المشؤومة سنة 609 هــ دخلنا تحت حكم النصارى، واضطررنا لإخفاء إسلامنا نتوارثه سرًّا، ولم يبق من أسرتنا إلا قلائل، وبالنسبة لي فإن جدتي هي التي كانت تعتني بي، وقد لقنتني الشهادة وأنا صغير، كما ختنوني إثر ولادتي، كما كانت جدتي تعلمني الصلاة وتحفظني الفاتحة، وتقول لي إذا ركعت في الكنيسة أمام الأصنام، فقل في نفسك إني أصلي لله وأركع لله، وكنا نغتسل يوم الجمعة ونقلم أظفارنا ولم نأكل قط لحم الخنزير، وما شربنا الخمر، وكانت جدتي توصيني دائمًا بكتم ديني في المدرسة، وعن أولاد الحارة خوفًا من أن يقع لنا ما وقع لأجدادنا من القتل والتشريد.. وقد سافرت لأمريكا للدراسة والتدريس، وعندما عدت إلى مالقة لزيارة أبوي قرأت وأنا في الطائرة من مدريد مقالة عن جمعية إسبانية إسلامية بمالقة، فطرت فرحًا، وفور وصولي إلى بيتنا أخبرت والدي بذلك، فحذراني من أن أقع في شرك الدعاية النصرانية بأن في إسبانيا حرية دينية، إنهم يفعلون ذلك من أجل غيرنا لا من أجلنا، أما نحن فإذا ما اكتشفونا فلن يقصروا في إيذائنا... هنا اكتشفت أن والدي مسلمان أيضًا، إذ كنت سابقًا أعتقد أن جدتي وحدها مسلمة في هذا البيت، ولكني وقد أصبحت أعيش في أمريكا أصررت على إعلان إسلامي، فقمت بزيارة الجمعية الإسلامية بشارع أغسطين لأؤكد إسلامي وأجدد ديني.

وقد زارني الدكتور منصور مارمول الجياني الأصل، المالقي الدار، الأمريكي الإقامة والعمل وحررنا له وثيقة عدلية بإسلامه، بل بأصالته الإسلامية، كما قمت بزيارته بمالقة وشاهدت بنفسي أسرته وهو الابن الوحيد فيها، وقد استقبلنا والداه استقبالًا كريمًا مفعمًا بالمحبة والتقدير والاحترام والترحاب واستدعونا لتناول طعام الغداء في أشهر مطعم بمالقة على البحر، وكان والده قد تجاوز الثمانين، كما كان يحتل أعلى رتبة في الجيش، كما أن والدته تجاوزت السبعين، وكانت تبدو أصغر من ذلك وهي تلبس لباسًا فيه حشمة ووقار، وكأنك ترى فيها امرأة عربية أصيلة من نساء الشارع الأندلسي أو فاس، والبروفسور منصور هذا غير الدكتور الطبيب منصور اسكوديرو المدعو: عبد القادر الصوفي الدرقاوي الإنجليزي، والدكتور منصور قصة جديرة بالتسجيل لإسلامه وفراقه «شيخه» بعد أن كان خليفته، وما زال الدكتور منصور ينشط في الدعوة الإسلامية على طريقته التي هو بها مقتنع، ولا سيما في الإعلام من خلال الطب التكاملي، ولنا عودة إلى قصته وقصة غيره ممن كان لهما السبق في الإسلام بالأندلس وبإسبانيا، بعد خمسة قرون من استئصال الإسلام في تلك الديار، وقد استجاب الله دعاء المؤلفين المسلمين بالأندلس وغيرها الذين كانوا يختمون كلامهم عن المدن الأندلسية الضائعة: أعادها الله إلى دار الإسلام.

الرابط المختصر :