; المجتمع التربوي ( 1516) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي ( 1516)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 31-أغسطس-2002

مشاهدات 64

نشر في العدد 1516

نشر في الصفحة 54

السبت 31-أغسطس-2002

وقفة تربوية

العزة والكرامة

يقول الله تعالى:﴿ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (الحج: 18).

يقول الإمام القرطبي «في تفسيره 6/4416»: «أي من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه».

 ومهما وضع من الديكور والمكياج والزينات ليصنع من نفسه كريمًا أو يصنع منه الآخرون عزيزًا يبقى قليلًا مهانًا، ويأبى الله تعالى إلا أن يذله بسبب ذنبه وإعراضه عن دينه، بل قد يذله أقرب الناس إليه وربما أرذل الناس وأهونهم على الله، فلا أثر لكلامه، ولا مهابة لفعاله، فهو مفضوح أمام الخلق، هتك ستر الله فهتك الله ستره.

 وإن بدا أمام الناس منتفشًا بأبهى الحلل، ممتطيًا أغلى المراكب، متعاليًا على عباد الله، فإن الله تعالى لا بد أن يكسر هيبته المصطنعة على يد أحقر الناس، وأسقطهم من خلقه، وأراذلهم من عبيد الدنيا.

 ويقول الإمام إبراهيم الخواص: «على قدر إعزاز المرء لأمر الله يلبسه الله من عزه، ويقيم له العز في قلوب المؤمنين» «صفة الصفوة 4/101».

إن من يطلب العزة والكرامة في الدنيا والآخرة لا سبيل له سوى إعزاز أمر الله وصون النفس من الوقوع في نتن المعاصي التي نهى الله عنها، مع الحذر الدائم من نفسه الأمارة بالسوء أن تجره إلى حيث المهانة والمذلة.

وفي ذلك قال الإمام علي رضي الله عنه:

 ومحترس من نفسه خوف ذلة     

                          تكون عليه حجة هي ماهيا

فقلص برديه وأفضى بقلبه

                          إلى البر والتقوى فنال الأمانيا

وجانب أسباب السفاهة والخنا

                          عقاقًا وتنزيهًا فأصبح عاليا

«مجمع الحكم والأمثال: 165». 

هؤلاء هم الذين أخرجوا من قلوبهم كل ما من شأنه إسقاطهم في وحل المهانة والمذلة فنالوا المراتب السامية والمنازل العالية.                                              

أبو خلاد

albelali@bashaer.org                                    

عاء المؤمنين لا يضيع عند الرب

كل من حقق في نفسه وصف العبودية لله إستجاب سبحانه لدعائه

د. زكريا عبد الرزاق المصري (*)

  • قد يستجيب الله الدعاء أو يصرف السوء عن الداعي أو يؤخر الثواب له إلى يوم القيامة

  • لا ينبغي للمرء إستعجال الإجابة لأن الدعاء عبادة يؤجر العبد عليها

  • الرسول ﷺ دعا لأناس ودعا على آخرين فكان مستجاب الدعاء كله

العبادة تعني الخضوع مع المحبة، وهي الغاية العليا التي خلق الله تعالي الإنسان من أجلها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، والخضوع فيها يشمل القلب والجوارح.

أما خضوع القلب، فيتم بأركان الإيمان، وتسمى أحكامًا إعتقادية، وهي ما أجاب به رسول الله ﷺ حين سأله جبريل عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى».

أما خضوع الجوارح، فيتم بأركان الإسلام، ويسمى أحكامًا تشريعية، وهي ما أجاب به رسول الله ﷺ حين سأله جبريل عن الإسلام فقال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج بيت الله الحرام إن استطعت إليه سبيلًا»

والعمدة في بيان تفاصيل ذلك إنما في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، الذي أنزل الله القرآن وأمره ببيانه في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: 44).

ومن تحققت فيه صفة العبودية على وجهها الصحيح، فإنه يكون قريبًا من الله تعالى، فإذا سأل الله تعالى أعطاه، وإذا دعا أجاب دعوته، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 186).

وقد تحققت صفة العبودية الله تعالى على وجهه الأكمل في رسول الله ﷺ كما وصفه الله تعالى بها في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ ( الإسراء: 1)، وقال: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1).

وبالتالي فقد كان ﷺ مستجاب الدعوة كلها، وقد دعا ﷺ لأناس ودعا على آخرين، فاستجاب الله تعالى له في هؤلاء، كما استجاب له في أولئك.

 أما دعاؤه لأناس: فقد دعا ﷺ لاأن عباس بسعة العلم ودقة الفهم، فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» فكان ابن عباس- رضي الله عنه - من أعلم أصحاب النبي ﷺ بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، وأدقهم فهمًا، حتى جعله عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- مستشارًا عنده في مجلس شورى دولة الخلافة الإسلامية.

كما دعا ﷺ لعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه- حين أرسله قاضيًا إلى اليمن بسداد الرأي في الحكم، فقال: «اللهم سدد رأيه»، فما عرضت عليه قضية إلا وأحسن فهمها، ووضع الحل المناسب لها، حتى اشتهر بين الناس بحل المعضلات، وأصبح مثلًا في ذلك، حتى قيل: قضية ولا أبا حسن لها، أي لا يحلها إلا أبو الحسن علي بن أبي طالب.

كما دعا رسول ﷺ لعبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- بالبركة في تجارته حين تبرع بمال وفير يوم تجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك فقال: «اللهم بارك له في تجارته»، فما كان ينجر في شيء إلا وربح فيه حتى قيل: لو تاجر بالتراب لربح فيه وصار بين يديه ذهبًا.

وأما دعاؤه على أناس: فقد دعا على أعرابي كان يأكل مع النبي ﷺ بشماله، وأصر على ذلك بعد أن أمره النبي ﷺ أن يأكل بيمينه، فقال الأعرابي: لا أستطيع، على جهة التكبر والمعاندة، فقال له النبي ﷺ على جهة الدعاء عليه «لا أستطعت» فما رفع اللقمة إلى فيه لأن يده قد شلت من فورها.

كما دعا ﷺ على عتبة بن أبي لهب الذي كان كثير الإيذاء للنبي ﷺ في شخصه وفي سمعته، فيثير عليه الشبهات والشكوك، ويحرض عليه السفهاء، فلما أشتد ذلك منه وكثر، دعا عليه النبي ﷺ فقال: «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك»، فافترسه وحش في الطريق بين الحجاز والشام في أثناء سفره في تجارته.

كما دعا أيضًا ﷺ على كسرى ملك الفرس، حين مزق الرسالة التي بعث بها إليه رسول الله ﷺ يدعوه فيها إلى الإسلام، فدعا عليه ﷺ: «اللهم مزق ملكه»، فما لبث أن تمزق ملكه على يد الجيوش الإسلامية التي فتحت بلاد فارس في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

 كيف تتحقق إجابة الدعوة؟: ولا تختص إجابة الدعوة برسول ﷺ، بل إنها لتشمل كل من يحقق في نفسه وصف العبودية لله تعالى من هذه الأمة، وبإخضاع قلبه الله تعالى بالإعتقاد الصحيح بإخضاع جوارحه لله تعالى بالعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186)، وقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60).

 ولا بد حتى يكون الدعاء مستجابًا، أن يكون صاحبه طيب الكسب، ليكون طعامه حلالًا وشرابه حلالًا، ولباسه حلالًا، فإن النبي ﷺ «ذكر الرجل يطيل السفر- أي في التجارة والكسب- أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام وتغذى بالحرام، فأنى يستجاب له؟».

لذلك كان ﷺ يأمر أصحابه بإستطابة الكسب لتكون دعوتهم مجابة، كما قال لسعد بن معاذ رضي الله عنه: «يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة».

ولا ينبغي للمرء أن يتعجل في إجابة الدعاء، فيقول: دعوت فلم يستجب لي، لأن الدعاء في حد ذاته عبادة، كما قال ﷺ «والدعاء عبادة» وفي رواية: «الدعاء مخ العبادة» أي خلاصتها، لما يتضمن من خضوع الداعي لله تعالى، فالمطلوب من المرء أن يدعو الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ (غافر: 60).

 وأما الإستجابة فمن شأن الله تعالى، فإنه يستجيب للداعي حسبما تقتضيه حكمته التامة وعلمه الشامل، فهو سبحانه الذي يحدد زمن الإستجابة وكيفية الاستجابة، وليس بالضرورة أن تكون كما طلب الداعي أو أراد، لأن علم الإنسان محدود، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216)، وقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85)، فإن الاستجابة داخلة في علم الله تعالى وحكمته في تدبير شؤون الكون وما فيه من حياة وأحياء يصرف أحوالها بمشيئته المطلقة وحكمته التامة، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 26 – 27).

فمن دعا الله تعالى فقد يستجيب الله تعالى له على نحو ما دعا، وقد يصرف الله تعالى عنه من السوء بقدر دعوته، وقد يؤخر الله تعالى دعوته إلى يوم القيامة ليثيبه عليها، لأنها نوع من أنواع العبادة التي خلق الله تعالى الإنسان من أجلها.

(*) أستاذ العقيدة والفقه– طرابلس– لبنان. 

سرقة الأفكار في ميزان الإسلام

كثيرًا ما نرى مسؤولين أضعف من حيث مقوماتهم العقلية والفنية من أن يشار إليهم بالبنان، لكن الواقع يقول إنهم أصحاب الأمر والنهي!

إن ظاهرة سيطرة البعض على أفكار الآخرين وجهودهم بحكم الموقع الوظيفي ومحاولة توظيفها لصالحهم، أو بمعنى أدق نسبتها إليهم والصعود بها إلى أعلى، غدت هذه الأيام مأساة لا تكاد تنجو منها مؤسسة أو منظمة، وأصبح الصعود على أكتاف الآخرين شعارًا يتبناه الكثيرون.

إن تصرف المسؤول بهذه العقلية يتنافى مع أبسط معاني المسؤولية في الإسلام تجاه الآخرين، إذ لا مفر من السؤال أمام الله عز وجل: ﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ (الصافات: 24)، فبينما تتبنى نظرية التحفيز في القرآن الكريم مبدأ العمل والمبادرة كأحد أسس الترقي في المؤسسة والمجتمع، قال تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا﴾ (الأنعام: 132).

لقد وقف القرآن الكريم موقف الفصل أمام هذا التعدي الذي يطيح بالمبدعين، لا بل ويدمر المجتمع وينشر فيه الضغينة والحقد، لكون سرقة الأفكار والجهود أشد مرارة من سرقة المال والممتلكات، فالأفكار وما يتبعها من جهود جزء لا يتجزأ من صاحبها، وأي محاولة للأعتداء عليها إعتداء على صاحبها، لذلك جاء قول الحق سبحانه وتعالى متوعدًا كل من تسول له نفسه إرتكاب هذا الفعل بالوعيد والعذاب، إذ يقول جل جلاله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 188).

30 وقفة في فن الدعوة (4 من 4)

كن متميزًا في عبادتك وابتهل دومًا إلى الله

  • كثرة الخلطة تعمي القلب.. والإنهماك في الدنيا يشغل عن الحق

  • خلق الله الإنسان نسيجًا وحده.. فلماذا الذوبان في الآخرين؟

ذكرنا في الحلقة الماضية أن تجديد أسلوب الدعوة وتنويعه مطلوب في عصر تتجدد فيه أساليب الباطل بإستمرار، وطالبنا الداعية بأن يتألف الناس بالمنافع كما يلاحقهم بالخطب والمواعظ، وقلنا له: «اجعل من نفسك قدوة.. الزم التدرج.. ابدأ بكبار المسائل، وشارك الناس في أفراحهم وأحزانهم».

وفي هذه الحلقة نقف وقفات جديدة، وأخيرة، ينبغي على الداعية أن يفقهها، ويتأدب بآدابها.

25- أنزل الناس منازلهم:

على الداعية أن ينزل الناس منازلهم، فلا يجعلهم سواسية، قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ (البقرة: 60)، فلا يكون عنده مقياس الناس دائمًا واحدًا، وهذا ليس نوعًا من التفريق، أو التمييز العنصري، بل هو أدب الإسلام، إذ يختلف شخص هذا عن ذاك، ومنزل هذا عن ذاك... إلخ.

وهذه من الحكمة التي يتحلى بها الداعية في تعامله مع الناس، كما فعل النبي ﷺ، إذ كان ينزلهم منازلهم، وهذا الحديث في مسلم ورواه مسندًا أبو داود، وهو صحيح من كلام عائشة

26- حاسب نفسك وابتهل إلى الله:

على الداعية– أيضًا- أن يحاسب نفسه محكمًا في ذلك قوله، فيسمع لقوله إذا قال، ويحاسب عمله، هل هو ينفذ ما قال؟ هل يطبق ما أقترح؟ حتى يكون قريبًا منه، ثم يسأل ربه العون والسداد، وعليه أيضًا أن يبتهل إلى الله في أول كل كلمة، وأول كل درس، ويسأل الله عز وجل أن يسدده ويفتح عليه، ويهديه.

 ومما يؤثر في ذلك، ما ورد في الحديث: «اللهم  بك أصول، وبك أجول، وبك أحاول».

وكان كثير من العلماء إذا أرادوا أن يدرسوا الناس سألوا الله بهذا الدعاء، وكان بعضهم يقول: «اللهم أفتح على من فتوحاتك»، وبعضهم يقول: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأهلك».

 فعلى الداعي إذا أراد أن يصعد المنبر يوم الجمعة أن يبتهل إلى الله أن يسدد كلماته، وعباراته، وأن يهديه سواء السبيل، وأن ينفع بكلامه، وأن يلهمه رشده، فإنه لو شاء عز وجل ما أستطاع أن يواصل، ولو شاء الله سبحانه وتعالى خانته العبارة، أو أتى بعبارة، ربما تورطه وتورط الناس، أو يأتي بعبارة خاطئة تخالف الدين! 

فعليه أن يسأل الله السداد والثبات، فإن من يسنده الله سبحانه وتعالى سدد، ومن خذله الله فهو المخذول.

27- كن متميزًا في عباداتك:

يجب أن يكون للداعية نوافل من العبادات، وأوراد من الأذكار وأدعية، فلا يكون مثل سائر الناس، بل يكون له تميز خاص، يحافظ على الدعاء بعد الفجر، والغروب، حتى يحفظه الله، أو يقع عليه القضاء والقدر فيتلطف به- سبحانه وتعالى- بسبب دعائه، وقد يكون له إنتماء إلى جمعية خاصة للدعاة، وله وقت إشراق مع نفسه، يحاسبها بدعاء وبكلمات مباركة بعد الفجر، ويكون له ورد يومي بعيدًا عن أعين الناس يقرأ فيه كثيرًا من القرآن، ويتدبر أموره، ويكون له مطالعة في تراجم السلف بعيدًا عن الناس، لأن كثرة الخلطة مع الناس تعمي القلب، وتجعل الإنسان مشوش الذهن، ملولًا مسؤومًا، وقد تقسي قلبه، فلا بد من العزلة، ولو وقتًا من الأوقات آخر الليل، أو جزءًا من يوم الجمعة، أو ساعة من الساعات، أو بعض الأوقات في اليوم والليلة، يعتزل وحده فلا يجلس مع زائر، ولا يلتقي بأحد، ولا يتصل بهاتف، ولا يقرأ إلا فيما ينفعه، ثم يحاسب نفسه.

28 – تقلل من الدنيا وإستعد للموت:

 على الداعية أن يتفكر في الإرتحال من هذه الدنيا، وأنه قريبًا سوف يرحل، وأن الأجل محتوم، وسوف يوافيه، فلا يغتر بكثرة الجموع، ولا بكثرة إقبال الناس، فإن الله يقول: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا  وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: 93 - 95).

 فليعلم أنه سوف يموت وحده، ويحشر وحده، ويقبر وحده، وأن الله سوف يسأله عن كل كلمة قالها، فيتأمل: لماذا يدعو؟ ولماذا يتكلم؟ وبماذا يقول؟ ولماذا ينطق؟ حتى يكون على بصيرة.

 كذلك على الداعية أن يتقلل من الدنيا تقللًا لا يحرجه، لكن عليه بالوسط، يسكن كما يسكن وسط الناس، ويلبس كما أواسط الناس.

29- إلزم حسن المظهر:

بعض الناس يرى أن على الداعية أن يلبس لباس الفقراء، أو أوضع اللباس!

 وهذا ليس بصحيح، فإنه على مقصده والله عز وجل، قد أحل الطيبات ورسول الله ﷺ دعا إلى التجمل بقوله: «تجملوا كأنكم شامة في عيون الناس»، وقال: «إن الله جميل يحب الجمال» (1).

 فمن المطلوب أن يكون الداعية متجملًا، متطيبًا، وأن يكون مجلسه وسيعًا، يستقبل فيه الأخيار البررة، وأن يكون له مركب طيب، فإن هذا لا يعارض سنة الله عز وجل، ولا سنة رسوله ﷺ، بل عليه كذلك أن يكون له في كل حالة ما يناسبها، فقد خرج الرسول ﷺ لصلاة الإستسقاء في لباس قديم يظهر الخشية والخشوع والفقر أمام الله عز وجل، لكنه في الأعياد لبس بردة تساوي ألف دينار.

 فيجب أن يلبس الداعية لكل حالة لبوسًا، إما نعيمها، وإما بؤسها، فإنه من الإجحاف أن نطالب الدعاة بأن يكونوا على الخصف، بينما يجلس الناس على الوثير، أو أن نطالب الداعية أن يلبس لباسًا ممزقًا قديمًا، أو أن يكتفي بثوب طول السنة، مع العلم بأن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

 لكن على الداعية - في الوقت نفسه- ألا يتشاغل بالدنيا تشاغلًا يعميه عن طريقه، فإنه من الحسرة أن تجد كثيرًا من الدعاة، أو بعض المشايخ، وطلبة العلم، غارقًا في الدنيا إلى أذنيه، له من المؤسسات والشركات والدور، ما يشغله عن الدعوة.

لا نعارض أن يكون لطلبة العلم تجارة، وعمار في الأرض، ودخل، فهذا مطلوب، كما فعل عثمان وابن عوف، وغيرهما من الصحابة، رضي الله عنهم جميعًا، لكن أن يستغرق طالب العلم والداعية وقته في هذه الأمور، فتجده دائمًا في مكاتب العقارات والبيع والشراء، والسندات، ومع الشبكات، تاركًا الأمة للمهلكات، فهذا ليس بصحيح، فإن الله- عز وجل- إستخدمه في أحسن طاعة، وهي الدعوة الخالصة.

كذلك يجب أن يهتم الداعية بمظهره الشخصي، وأن يظهر عليه الوقار والسكينة، وأن يلبس لباس أهل الخير، وأهل العلم، فإن لكل قوم لباسًا فيتميز بلباس أهل العلم، ويمشي مشيهم، ويكون مظهره جميلًا، ويعتني بخصال الفطرة، كالسواك وتقليم الأظفار وإعفاء اللحية، وأخذ الشارب، ومعاهدة أمور الجسم الأخرى من خصال الفطرة، وأن يكون متطيبًا محافظًا على الغسل، متجملًا في مظهره.. حتى يمثل الدعوة تمثيلًا طيبًا أمام الناس.

أین شخصيتك المستقلة؟

على الداعية ألا يتقمص شخصية غيره، والا يذوب ذوبانًا في بعض الشخصيات، فتجد بعض الدعاة، إذا أحب داعية آخر، أو عالمًا آخر، قلده في كل شيء حتى في صوته ومشيته أو في حركاته، فذاب في شخصيته.

يروى عن الرسول ﷺ قوله (2): «ولا يكن أحدكم إمعة، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسات»، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس فأحسن، وإن أساؤوا فاجتنب أساءتهم.

لذا فإن عليك أن تستقل بشخصيتك، وتعلم أن الله خلقك نسيجًا وحدك، فأنت وحدك من بين الملايين التي خلقها الله منذ آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، صوتك لا يشبهك فيه أحد، وملامح جسمك، وإستعدادك، وما عندك من مواهب... إلخ، كلها تختلف عما لدى الآخرين.

فأنت تقرأ نفسك، وتقدم ما عندك، لكن لا تذب في الآخرين، لا تتقمص شخصية غيرك.

قالوا عن الطاووس إنه أراد أن يقلد الغراب في مشيته فنسي مشيته، وما إستطاع أن يقلد مشية الغراب! ومن الدعاة من يقلد بعض الشيوخ والقراء، حتى أن منهم من يسعل مثلما يسعل ذلك الشيخ! وليس به سعال! وهذا ذوبان مفرط، ويسمى بالإنهزام النفسي، وعلى الإنسان أن يبقى على شخصيته، كان ﷺ يتعامل مع أصحابه، وكان منهم عمر ذو الشخصية القوية في الحق، حتى أثنى عليه، وقال: «مثلك يا عمر كمثل نوح، وكمثل موسى»، وأثنى على أبي بكر في رقته، وقال: «ومثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، وكمثل عيسى عليهما السلام».

 لذلك نحتاج لمن هو قوي في رأيه وإرادته، ولمن هو رقيق رحيم، فإن هذا له باب، وذاك له باب.

30- يهتم بأمور النساء:

كذلك على الداعية أن يهتم بجانب النساء، فلا يغفله في كلامه، ولا في محاضراته، لأنهن نصف المجتمع، وكل ما سبق من أمور إنما هو موجه للنساء أيضًا.

الهوامش

  1. أبو داود 4089.

  2. الترمذي  2007، وإسناده ضعيف.

(*) أستاذ بكلية الشريعة ومنتدب بكلية التربية– جامعة الكويت.

في محاضرة بكلية الإمام الأوزاعي:

المسلمون أول مسؤول عن تشويه صورتهم

«أول مسؤول عن تشويه صورة الإسلام والمسلمين في نظر الآخرين هم المسلمون أنفسهم، عندما يتناقض كلامهم مع أفعالهم، ويحملون إسم الإسلام لكنهم في تصرفاتهم وأخلاقهم على نقيض ذلك»

هذا ما أكده الدكتور محمد توفيق رمضان، الأستاذ بكلية الشريعة- جامعة دمشق، في محاضرة له بعنوان «الجالية الإسلامية في الغرب ومسؤولياتها في المجتمع الغربي» إستضافتها كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية في بيروت.

عرض الدكتور رمضان للأوضاع الإجتماعية والأخلاقية والإقتصادية والسياسية للإنسان في المجتمعات الغربية، كالتفكك الأسري والعنف العائلي، والإنحلال الأخلاقي، والإيدز، والإنتحار، وما إلى ذلك، كما عرض لموقف العربي المهاجر من المجتمعات التي يفد إليها إما انبهارًا وإما حنينًا إلى أرض العرب، وشرح فائدة التمازج والتواصل بين الشعوب فهو مما يثري حضارتهم، إذا ما تم عرضه بصورة صحيحة، وقد يكون فيها الخير الكبير للمجتمع الإنساني.

 ولاحظ الدكتور رمضان أيضًا أن الغرب يرحب بتلون مجتمعه بتصورات وأفكار مختلفة.

كما أن الشعوب والجاليات الأخرى تأتي  إلى الغرب تحمل هويتها، وتعتز بها سواء في معتقداتها الدينية أو أخلاقها وعلاقاتها الاجتماعية، بل حتى في نمط طعامها وأزيائها وتقاليدها، ويراعي الغرب الخلافات الدينية التي قد تتباين فيها المعتقدات وما يترتب عليها، فلليهود عندهم تقدير لإعتباراتهم الدينية بالنسبة للحوم والذبائح وغير ذلك، وللشعوب النباتية تقدير لتصوراتهم الإعتقادية وسلوكهم المبني على ذلك أيضًا، والمطلوب من المسلمين أن يكونوا في مستوى هذا التقدير، وأن يكونوا ترجمة صادقة لقيم الإسلام وأخلاقه ونظمه وأحكامه.

ما الميزة التي نقدمها؟

وأضاف المحاضر: إن من حق المجتمع الغربي أن يتعرف على حقيقة الإسلام ومبادئه وأحكامه، وذلك من خلال إلتزام صحيح تؤديه الجالية المسلمة بهذا الدين، يترجم حقيقة هذا الدين السامية المتسامحة، وإذا كان المسلم يتلون بحسب البيئة التي يعيش فيها، فما الميزة التي يقدم من خلالها شخصيته؟

أجاب: «إن المسلم ليس نسخة مكررة من البيئة التي يعيش فيها، بل يجب أن يكون صورة عن الإسلام الذي أمره الله تعالى أن يلتزم به، هذا الإسلام الذي يحترم الحقوق ويصون الأسرة، ويحقق للفرد كرامته ومكانته وحقوقه، أيًا كان صغيرًا أو كبيرًا، غنيًا أو فقيرًا، ذكرًا أو أنثى، حاكمًا أو محكومًا، ويبني في الإنسان الفكر الواعي المتدبر الذي يتدبر حقيقة هذا الكون وموقعه منه ووظيفته فيه، ويحقق للأسرة التماسك في ظل من الود والمحبة والإحترام المتبادل والوفاء».

 وأكد الأستاذ بكلية الشريعة في جامعة دمشق، أن على المسلم أن يقدم نفسه إلى المجتمعات التي يعيش فيها من خلال هويته الإسلامية بصورة صحيحة وصادقة، بحيث يترجم الإسلام الذي أنزله الله تعالى، ليتيح للمجتمعات التي يعيش فيها أن تتعرف على الإسلام الحقيقي من خلال فكره وسلوكه وأخلاقه وعلاقاته وعندئذ يتم تبادل الثقافات وحوار الحضارات بصورة واقعية، لا من خلال الدعوى الكلامية أو على الورق فقط.

 أما المحاولات التي يقوم بها بعض المسلمين اليوم لتمييع أحكام الشريعة الإسلامية والتحلل من ضوابطها وأحكامها بدعوى الإنسجام مع الوسط الغربي أو غيره، فإنها تشويه الحقيقة الشخصية الإسلامية من جهة وخروج على المبادئ الإسلامية من جهة أخرى.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل