; "أدب وثقافة" | مجلة المجتمع

العنوان "أدب وثقافة"

الكاتب عبدالله خليل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1989

مشاهدات 79

نشر في العدد 940

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 07-نوفمبر-1989

مواجهة فنية في ديوان: الفتية الأبابيل

صدر مؤخرًا عن دار الفرقان في الأردن رابع الدواوين الشعرية للأستاذ يوسف العظم وقد سماه «الفتية الأبابيل».

وقد كرس الشاعر ديوانه هذا «الفتية الأبابيل» للانتفاضة المباركة ووقودها الطاهر من فتية ورجال ونساء... وهذا واضح من تسمية الديوان الذي احتوى على أربع عشرة قصيدة جاءت في نحو مائة صفحة من القطع الصغير.

وقد صدر الشاعر ديوانه هذا بسورة الفيل التي تذكر الطير الأبابيل التي شبه بها الشاعر فتيان انتفاضة فلسطين وبهم سمى ديوانه وبدأ قصائده ووضع هذا البيت منها تحت العنوان الداخلي «وهو مطلعها»:

 

حجارة القدس نيران وسجيل *** وفتية القدس أطيار أبابيل

 

ويفخر الشاعر بأنه صاحب هذه التسمية، ومطلقها على هؤلاء الفتية الذين يفخر بهم كما يفخر كل مسلم.

لقد قدم الشاعر لديوانه بمقدمة بعنوان «صدق الولاء وشرف الانتماء» بعد أن صدره بإهداء معبر إلى فتيان الانتفاضة الأماجد.

وقد اعتاد الشاعر أن يُقدم بين يدي كل قصيدة من قصائد ديوانه مقدمة قصيرة قد يكون فيها إهداء أو إضاءة... وهي على كل حال محاولة من الشاعر لإكمال ما في نفسه من معانٍ سامية عن الانتفاضة وأصحابها ودليل على تمثله لها واختلاط فلسطين ومسجدها والجهاد لها بدمائه.

ويشير الشاعر إلى بعض مناسبات قصائده أو حيث ألقاها وقد شرفت الكويت بأولاها «الفتية الأبابيل» والتي أسلفنا مطلعها... ويمضي الشاعر يُضمِّن شعره إشارات إسلامية وفنية مبدعة وعاطفة صادقة وديباجة مشرقة إشراقة الأرض المقدسة بدماء الشهداء... والانتفاضة الإسلامية بهتاف الأبطال «الله أكبر»:

 

وساحة المسجد الأقصى تموج بهم *** ومنطق القدس آيات وتنزيل

 

ويشير إلى الحديث المشهور، ويُرهص بالمستقبل المنظور:

 

تكلم الحجر القدسي فانتفضت *** سواعد الصيد واندكت أباطيل

 

ثم يُلقم حجارة لدعاة التخذيل والاستسلام:

 

قولوا لمن قد تنادوا في مؤامرة *** ليُجهضوا الحق في ساحاتنا قولوا:

لقد مضى زمن التخذيل فانطلقي *** يا قدس ولَّى زمان فيه تخـذيل!

 

وفي إشارة فنية بارعة وانسياب مطبوع يستعرض الشاعر بعض القادة من الصحابة الكرام الذين شاركوا في فتح فلسطين وتطهيرها من الشرك الأول... أو مهدوا لذلك:

 

أبو عبيدة يرنو نحو هامتها *** وخالد من سيوف الله مسلول

وجعفر جاثم كالليث يرقبها *** وقد أطل يُناجيها شرحبيل

 

لقد اختلطت أرض فلسطين بدماء شهداء الإسلام منذ عهد الصحابة إلى اليوم والغد وسيظل يُجبل ترابها بدماء شهدائنا حتى تتحرر بالإسلام وللإسلام وليس غير الإسلام.

وبنفس الزخم القوي واللهجة الصادقة... والعاطفة الجياشة... يمضي الشاعر في سائر قصائد الديوان: فيرضي قطاع غزة المجاهد وأهله بقصيدته «إلى الشامخين في قطاع غزة».

 

مزقيها يا غزة الأحرار *** وارفضي العيش في ثياب العار

 

ويُشيد بالخليل وجهادها وأهلها الأشاوس في قصيدته الثالثة «يا عرينًا به الجهاد تباهى»:

 

يا جبال الخليل يا قمم المجد *** صنعت الأمجاد جيلًا فجيلًا...

 

وجبل النار نابلس وما حولها وأهلها الذين دوخوا كل الغزاة... لهم كذلك قصيدة «الله أكبر تعلو من مآذنها»:

 

جبال نابُلِسِ أرسى الهدى فيها *** بيارق النصر تزهو في روابيها

 

ولا ينسى شاعرنا إخوتنا الأحبة في فلسطين المحتلة قديمًا «منذ سنة 1948» والذين تجاوبوا مع إخوانهم تجاوبًا مدهشًا أذهل اليهود وأربك حساباتهم... وقد ظنوهم قد تدجنوا ونسوا الجهاد... ولكن...

أما القصيدة السادسة فهي للشهداء الثلاثة الذين اغتيلوا في قبرص في ظروف غامضة مشبوهة لمحاولة الحد من الانطلاق الإسلامي في الانتفاضة حيث كانوا من قادة ذلك الاتجاه «الثلاثة الأحرار في موكب الأبرار».

 

والقصيدة السابعة... لسرايا الجهاد إحدى الفصائل الإسلامية الرئيسية التي فجرت الانتفاضة وتُواصل إشعال أوارها:

 

يا سرايا الجهاد خوضي المنايا *** واصنعي المجد يا سرايا الجهاد

 

أما المرأة الفلسطينية المجاهدة فلها قصيدة «وسطري صفحة للمجد زاهية» وفيها يُعاهد الله معهن ومع شعبهن:

 

عهدًا مع الله في الأقصى نبايعه *** من خان موعدنا في القدس فهو شقي

من ظن أن يهود الغدر تصدقه *** فهو الذي من ضلال السحر لم يفق

أخا الجهاد بلا ضعف ولا خور *** سيف الجهاد ورمح المصطفى امتشق

 

والقصيدة التاسعة عن «ثورة المساجد» تليها قصيدة عن الطفل الفلسطيني المجاهد «فالطفل فينا مارد جبار» تليها قصيدة «يوم الأرض والعقيدة» الذي نسميه هنا يوم الأقصى... ثم قصيدة «صوت الإيمان» وهي في شكل نشيد من البحر المتقارب...

أما قصيدة الرحلة الملغاة فهي تُعبر عن قصة رمزية لتضحية بطل وخطيبته.

ونرى أمثالنا نماذج من هؤلاء الأبطال وإخوانهم... ومسيرات جنائزهم... نراها على شاشات التلفزة... فنغبطهم ونتمنى أن نكون معهم أو مثلهم نتحرق للجهاد... للموت في سبيل الله على أرض الوطن فلا نجده... فتثور مشاعرنا... وقد تترقرق أعيننا بالدموع... شوقًا إلى الجنة... وتمنيًا للشهادة في سبيل الله أو شعورًا بمهانتنا وضياعنا وتخاذلنا وخذلاننا... وقلة حيلتنا... إنك حين ترى هؤلاء الأبطال يتحدون بأكفهم العزلاء إلا من حجارة وطنهم المقدس... يتحدون أعتى أجهزة الحرب الجهنمية الدولية... والقطعان اليهودية المعادية الحاقدة... تعرف وتوقن أن أولئك الشباب والفتية هم المجاهدون وأن أمثالنا هم القاعدون: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ (النساء:95-96).

 

فتستصغر نفسك أمامهم... ويهون في عينيك كل عرض الدنيا وحطامها... وتشعر أنك وقعت في شركها الخادع... ولم تحقق شيئًا ذا بال... وخسرت موقع الرباط في وطنك.

إنها التجربة المرة التي يعيشها الكثيرون - وإن كابروا أو كابر بعضهم - ولكن كثيرًا منهم لم يجد من يوعيه ويُثنيه عن الضياع وسط السراب... كما فعلت خطيبة ذلك الشهيد!

أما القصيدة الأخيرة في ديوان «الفتية الأبابيل» فعنوانها «وتقبل التهاني أفراح الثكلى» وهي تُعبر عن ظاهرة عجيبة صنعتها الانتفاضة المباركة.... كما صنعت وولدت معجزات كثيرة تدل على تغيير الأنفس... تمهيدًا لتغيير حقيقي في المجتمع يأتي بالنصر المبارك إن شاء الله... إنها ظاهرة التهنئة بالشهداء وإعلان فوز من استُشهد منهم... كالصحابي الذي قال حين استُشهد «فزت ورب الكعبة»! فقد انقلبت إعلانات تقبل العزاء إلى إعلانات تقبل التهاني بالشهداء ولطالما رأينا جنازاتهم انقلبت أفراحًا... وكثيرًا ما دمعت أعيننا ونحن نرى أم الشهيد، وقريباته يُزغردن وراء جنازته:

 

كلما زف للجنان شهيد *** ملأ النور قلبها أفراحًا

والثكالى تُزغرد اليوم فخرًا *** لم تعد تعرف الثكالى النواحا!

 

إنه شعب أراد الحياة فعلًا... فسلك سبيلها الصحيح... طلب الموت كما قال الصديق أبو بكر رضي الله عنه «اطلب الموت تُوهب لك الحياة».

ولا يسعنا إلا أن نقول أخيرًا للمؤلف «طيب الله الأنفاس أبا جهاد... سر على الدرب مغردًا بشعرك مجاهدًا بيراعك... فالموعد الأقصى... والنصر قريب بإذن الله تعالى... ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة الروم آيات 4-5).

 

رسالة إلى هند

شعر: حيدر الغدير

 

قالت فخارك قصة حمقاء *** وذووك مجد دارس وهباء

كنتم حكاية سامر ريَّانة *** بالمكرمات رداؤها العلياء

جاب النجوم شُداتها وبناتها *** وعلا لها صرح وعز لواء

أجدادكم عقبان مجد باذخ *** والعار أنتم أيها الأبناء

العجز فيكم ضارب أطنابه *** ورجالكم يوم اللقاء نساء

لا خالد يلد البطولة سيفه *** وأبو عبيدة أنت منه خلاء

ورماح سعد أحُرقت من بعده *** وهتاف طارق دمعة خرساء

وزحوف عقبة هدها طول السُّرى *** وعدا على موسى الأبي قضاء

والمسلمون رماحهم وسيوفهم *** صدئت وهان لهم هناك لواء

بكت المعامع والمآذن عهدهم *** وتلفت الإصباح والإمساء

وتساءلت صهوات خيل آدها *** طول الجمام صهيلها العنقاء

أين الفوارس سابقين إلى العلا *** ووشاحهم يوم اللقاء دماء

وسرى الهتاف أيا رجال محمد *** أين الكماة فما أجاب نداء

غاب الرجال وغاب عشاق العلا *** فتطاول الأذناب والدخلاء

ورثت ذرا الفتح المبين أذلة *** فعلى الفتوح وأهلهن عفاء

 

يا هند في قلبي ندوب مرة *** وبمقلتي يا هند عز بكاء

وأنا الموكل بالدموع لأمتي *** تقتادني ما كان فيّ ذماء

لكنني يا هند عزة مسلم *** يأبى الهوان وعزمة ومضاء

ولي اليقين بأن فجري قادم *** وبأن قومي همة قعساء

وغدًا يسد الشمس زحف خيولهم *** وتكبر الدنيا بأن قد جاءوا

جيش يُجلجل كالزئير عبابه *** وزحوفه بالبينات وضاء

وهتافه التوحيد نورًا هاديًا *** وفخاره المعراج والإسراء

والموت يرهب أمة قرآنها *** هدي الدهور وحكمة وسناء

يا هند موعدنا صباح مؤمن *** المسلمون شموسه الغراء

 

قصة قصيرة: رماد السنين

عبد الله الطنطاوي

عضو رابطة الأدب الإسلامي

 

نظر إلى وجهه في المرآة وقال مخاطبًا نفسه:

 

ترى.. هل هذا وجه مؤمن... مسلم؟ ... لا لا وجوه المؤمنين فيها صباحة وصفاء، إنها وجوه يشع منها نور الإيمان... سحنتي هذه مطفأة لا نور فيها ولا بصيص من ضياء... إنها سحنة أرمني أو سحنة يهودي أو سحنة شيوعي ملحد...

 

أحس «مازن» أنه يفكر بصوت مسموع، وأنه يخاطب نفسه كما يخاطب صديقه الذي كان يقف إلى جانبه ويستمع إلى كلماته في ذهول، لأنه لم يسمع أن رجلًا هجا نفسه هذا الهجاء إلا شاعرًا ذكره له ولزملائه التلاميذ أستاذ اللغة العربية وقال إن اسمه «الحطيئة» كان يهجو الناس، فإذا لم يجد من يهجوه هجا نفسه أو وجهه أو أمه، وشتم كلًّا منها شتمًا قبيحًا.

 

جلس مازن مكدود الأعصاب وانطلق لسانه يهذي:

 

إنها هي السبب... تلك الملعونة التي ولدتني من غير أن تأخذ رأيي، ثم كانت السبب في وفاة أبي الذي سلّته بألاعيبها، ثم أودت بحياته تاركًا لها مجموعة من الأطفال، كنت أكبرهم، ولم أتجاوز العاشرة من عمري آنذاك.

 

ونظر مازن إلى وجه صاحبه، وكان ممتقعًا والذهول ما يزال يركبه وتابع يقول كالمخاطب نفسه، كالأعرابي في جوف الصحراء يتحدث إلى شخص وهمي انتزعه من خياله:

 

إن رماد السنين يُغطي حياتي، ولكنه لا يُشكل إلا طبقة رقيقة، إذا ذرتها الرياح تبدت عوراتها بائسة تعيسة... فالحمل الذي حملته أمي الشابة اللعوب كان فظيعًا... كان حزمة من الأطفال وشبابًا متفتحًا، وفقرًا مدقعًا، وغربة بين الأهل والأصحاب، ونزقًا من ابنها الكبير... مني أنا هذا النزق الذي ما يزال يلازمني ويُسبب لي المشكلات، ويُنفّر الناس مني، حتى صرت كالبعير الأجرب لا يقترب منه سوى الجربى الذين يتحاشاهم الناس... هذا النزق، أو سمه الحمق إن شئت، هو الذي جعلني أنظر إلى والدتي نظرة ارتياب دفعتني إلى محاسبتها على الصغيرة والكبيرة... كانت المسكينة تنتقل من بيت لآخر، تخدم وتغسل... وتعجن وتخبز لهذه الأسرة أو تلك من الأسر الغنية، ثم تعود إلينا ومعها من النقود والطعام والألبسة ما تجود لها تلك الأسر المخدومة، كانت تقبل علينا ضاحكة مستبشرة، وكنت أستقبلها بنزقي وحمقي، غير ملتفت إلى الحزن في قلبها، والكآبة في عينيها ووجهها... لقد صدق من قال:

 

لكل داء دواء يستطب به *** إلا الحماقة أعيت من يداويها

 

تلك الحماقة كانت تحولني إلى فرخ ذئب يستطيع أن يفترس ضعاف الحيوان والهوام... وكانت أمي من تلك الحيوانات الضعيفة، فكنت أُكشّر لها عن أنيابي وأسلقها بلساني، وأتهمها في أعز ما تملك أي امرأة حرة، وكانت تسرع إلى دموعها تحتمي بها، وإلى يدها تحاول أن تسد فمي وتخرس لساني، ولكن هيهات فـلساني منذ تلك الأيام كان سبب بلائي، والمعبر الفصيح عن حمقي ونزقي، وكما كان يكرهه الجيران ويصفونه بالسلاطة، كذلك هو إلى اليوم، مصدر متاعبي ومُثير المشكلات من حولي، ومنفّر الأقرباء قبل الأباعد مني... وعندما فكرت المسكينة في ضربي لإسكاتي، كانت يدي أسبق من يدها إلى شعرها..... لقد نتفت لها شعرها، بعد أن مزقت غطاء رأسها، وشتمتها شتمًا قبيحًا، وضربتها ضربًا مُذلًا... لقد أذللتها أمام أطفالها وأمام الجيران، فيما كانت اللعنات والصفعات تتناوشني من هذه الجارة ومن تلك، وكانت دعوات الوالدة التعيسة تُلاحقني... كانت تغضب عليّ وتدعو الله أن يقصف عمري ويُخلصها مني.... وكان غضبها هذا يُثير فيّ القرف والاشمئزاز والكبرياء وحب الانتقام، فكنت أهرب من وجهها الذي غطته الدموع، وأطلق لساني في اتهامها أمام الجيران وأولاد الحارة... كنت أكذب وأنا أزعم لهم ما أزعم عنها... لقد كانت طاهرة، لوثت سمعتها بلساني الطويل هذا وأُخرج لسانًا طويلًا غليظًا داكنًا وأمسكه بأصبعيه وراح يهزه ويشده بعنف... آه من هذا اللسان الذي اعتاد على البذاءة والغيبة والنميمة والتجريح منذ تلك الأيام، حتى لم يعد في استطاعتي الآن وأنا أغادر الخمسين خريفًا أن أُلجمه عن الخوض في المحارم والمحرمات...

 

حاول صاحبه أن يُنبهه إلى وجوده بجانبه، ولكن حمى الموقف كانت طاغية، فلم يستطع الوقوف في وجهها... فتابع مازن يقول: إنني أحصد الآن ما زرعته في صباي وشبابي.... زرعت عقوقًا وأنا الآن أحصد عقوقًا... إن لعنات أمي ما تزال تجلدني عقوقًا من الأبناء، ونفورًا من الأصدقاء والمعارف والأقرباء، وظلامًا في النفس ورقة في الدين، وحمقًا في التصرفات، ونذالة في السلوك، وعزلة في المجتمع أحاول قهرها بكل ما أوتيت من وقاحة وإقدام، يبدو أن لا خلاص، فهذه سحنتي تعبر عن طويتي... إنها سحنة أرمني أو يهودي... إن وجهي هذا ليس وجه مؤمن ولا مسلم.

 

تقويم الأسرة والطفل

صدر العدد الثالث من مطبوعة تقويم الأسرة والطفل وهي إصدارة من تأليف وإعداد د. عدنان عبد الكريم الشطي الأستاذ بجامعة الكويت قسم علم النفس، وتهدف المطبوعة أساسًا إلى تزويد أولياء الأمور والمدرسين بخبرات تربوية تتناسب مع المرحلة التطورية التي يمر فيها الطفل سواء أكان في مرحلة الروضة أو المرحلة الابتدائية. ويحتوي التقويم الصادر على أنشطة وخبرات للأطفال تهدف إلى تنمية مهارات وقدرات هؤلاء الأطفال في المجالات الاجتماعية والحركية والسلوكية والعقلية والدينية واللفظية والبيئية.

وقد صيغت تلك الخبرات والمهارات في شكل جداول موزعة زمنيًا على أشهر السنة مبتدئة مع العام الدراسي وحتى نهايته وتُوزع أيام الشهر إلى أسابيع وأيام وفي كل يوم يعرض الجدول نوعًا أو أنواعًا من الأنشطة والخبرات والتدريب.. كل هذا في نسق تدريجي تصاعدي حتى يكتسب الطفل المهارات التنموية الهادفة.

بالإضافة إلى احتواء الإصدارة على صور إيضاحية تساعد الطفل في إدراك الإرشادات النافعة في بعض المناحي الحياتية كإرشادات الصلاة أو الحذر من اللعب بالأشياء الخطيرة، والإصدارة تعتبر عملًا جيدًا ومُتقنًا بالرغم من أنه جهد فردي يقوم به د. عدنان الشطي.

هذا ويمكن الحصول على هذا الإصدار من «مكتبة عالم ثقافة الطفل» حولي - مجمع الرحاب.

 

القومية.. بين النظرية والتطبيق

صدر حديثًا كتاب «القومية بين النظرية والتطبيق» للمؤلف الأستاذ مصطفى محمد طحان الذي يسائل نفسه في بداية الكتاب عن جدوى الكتابة في موضوع القومية وقد ولَّى عهدها وانطمست آثارها وبانت حقيقة رموزها ويُجيب على التساؤل قائلًا: إن الصحوة الإسلامية التي تعم العالم الإسلامي وتنعكس بقوة على الأحداث لم تصل إلى نتيجة إيجابية في أي مكان من أنحاء الدنيا.. وسبب هذا الفشل انحراف التصور بحيث لم يعد بالإمكان التفريق بين الإسلام الصحيح وبين الجاهلية التي ترتدي ثوب الإسلام.

في ظل هذا الانحراف نشأ جيل مضطرب يتحمس للقوم ويستجيب لعدوى اللغة واللون كما يتحمس لدينه وربما ظن أن الدين لا يمكن تفسيره إلا على ضوء هذه المفاهيم المنحرفة.

والكتاب الذي يحتوي ستة فصول في 346 صفحة محاولة شجاعة لبيان هذه الفكرة وكشف الالتباس الحاصل بين الإسلام والقومية وهو من إصدار دار الوثائق ص. ب: 8631 - السالمية - 22057 الكويت.

 

تنويه

سقط سهوًا اسم الشيخ سليمان مندني من قصيدته «إقامة» في العدد 939، لهذا اقتضى التنويه والاعتذار.

 

تقويم اللسان

للشيخ يونس حمدان

 

من الأخطاء الفاشية على ألسنة بعض الكتاب والمتكلمين قول بعضهم «أرجو أن تتكرم بزيارتنا» أو «لقد زرت فلانًا وتكرم عليَّ بأن رد زيارتي» يُريدون بذلك: وصف الرجل بـ «الكرم»، وهذا خطأ، إذ إنهم بذلك يؤدون عكس المعنى المطلوب، لأن «تكرم» تعني: تصنّع «الكرم» وتكلّفه، وهذا لا يكون إلا من البخيل، والصحيح أن يُقال «أكرمني فلان بكذا» أو «جاد عليّ»، فأما «تكرم» فإن لها معاني نذكر بعضها:

 

«تكرم عن الشيء» تنزه عنه، واستدلوا لذلك بقول الشاعر:

ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت *** على طمع لم أنس أن أتكرما

 

و«أكرم نفسه عن الشائنات» أي نزهها، و «كَرُمَ فلان علينا كرامة» أي: عظم عندنا، و «التكرم»: تكلف الكرم، ومثّلوا لذلك بقول الشاعر:

تكرم لتعتاد الجميل، فلن ترى *** أخا كرم إلا بأن يتكرما

أي: تصنّع «الكرم» وتكلّفه، فقد يصبح عادة لك.

 

و «أكرم الرجل»: إذا أتى بأولاد «كرام»، و «الكريمة»:

الرجل الحسيب، يُقال «هو كريمة قومه»، وقال الشاعر:

وأرى كريمك لا كريمة دونه *** وأرى بلادك منقع الأجواد

 

و«الكريم»: هو الذي «كرم» نفسه عن التدنس بشيء من مخالفة ربه، وفي الأثر أنه صلى الله عليه وسلم أكرم جرير ابن عبد الله لما ورد عليه فبسط له رداءه وعمّمه بيده وقال: «إذا أتاكم كريمة قوم فأكرموه»، والهاء في «كريمة» للمبالغة، قال الشاعر:

أبى الفخر أني قد أصابوا كريمتي *** وأنْ ليس إهداء الخنى من شماليا

 

وفي القرآن الكريم: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل: 29-31).

المراد هنا بـ «الكتاب الكريم»: كتاب مختوم أو إنه من عند رب كريم، وتقول العرب «ما هذه الدار بواسعة ولا كريمة»، وتقول «ما هذا بسَميِّه ولا كريم» والعرب تجعل «الكريم» تابعًا لكل شيء نفت عنه فعلًا تنوي به الذم. ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء:62).

أي فضّلت عليّ.

 

وخلاصة القول: إنه لا يصح أن تستعمل كلمة «تكرم» إذا أردنا أن نصف رجلًا بـ «الكرم» بل نقول «كرم بما في يده» أو «جاد عليّ بما في يده» أو «أكرمني». أما «تكرم» فإنها تعني: تكلف الكرم وتصنعه، وهذا لا يكون إلا من البخيل الذي استمكن البخل منه.

 

والله الهادي إلى الصواب.

 

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :