; عبد الحميد بن باديس.. معركة الإسلام ضد التغريب | مجلة المجتمع

العنوان عبد الحميد بن باديس.. معركة الإسلام ضد التغريب

الكاتب سمية سعادة

تاريخ النشر السبت 25-أبريل-2009

مشاهدات 143

نشر في العدد 1849

نشر في الصفحة 42

السبت 25-أبريل-2009

أدركت فرنسا مبكراً أنه من غير الممكن تحويل الجزائر إلى مقاطعة فرنسية، دون أن تطمس معالم الشخصية الجزائرية الأصيلة تلك المتمثلة في ركني الهوية أي العروبة» و«الإسلام»، ومنذ اللحظة الأولى للاحتلال عام ۱۸۳۰م وضعت إستراتيجيتها لاحتلال العقل الجزائري؛ فأغلقت المدارس الابتدائية والثانوية ومنعت تدريس بعض الآيات القرآنية التي تدعو إلى محاربة الظلم والطغيان، وفطنت إلى دور الزوايا في شحذ الهمم والإبقاء على الروح الإسلامية متقدة فانحرفت بها عن مسارها الصحيح إلى أن تحولت إلى أوكار للشعوذة والدجل.

الجزائر:

كانت فرنسا تسعى بهذه المخططات الخبيثة لتحويل الشعب الجزائري إلى قطعان ماشية ترتع في أرض فرنسية إلا أن الجزائر أنجبت رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه فأحبطوا مخططاتها، وقصموا ظهر مشاريعها تارة بالسلاح، وتارة أخرى بالفكر.

 علامة على الطريق

ويعد المفكر عبد الحميد بن باديس أحد هؤلاء الرجال بل أبرزهم على الإطلاق، إذ استطاع أن يحبط مشروع التغريب والإدماج بأسلوب إصلاحي نهضوي كان أمضى من السلاح الحقيقي. ولد ابن باديس في ٥ ديسمبر ۱۸۸۹م ب «قسنطينة» (٤٥٠ كم شرق العاصمة الجزائر) في أسرة ذات عراقة وثراء وعلم وأدب، فوضعته مبكراً بين يدي العالم الجليل «حمدان لونيسي»، فحفظ القرآن الكريم، ثم سافر إلى تونس عام ١٩٠٨م المواصلة دراسته في جامع الزيتونة، حيث حصل على إجازتها بعد أربع سنوات انتقل بعدها إلى الحجاز لأداء فريضة الحج واستقر بالمدينة المنورة حتى أصبح عالما، وقبل أن يعود إلى الجزائر عرج على القاهرة، وهناك تتلمذ على يد الشيخ رشيد رضاء، ثم عاد ابن باديس إلى الجزائر بعد هذه الرحلة الطويلة، وقد اكتملت ملامح مشروعه الإصلاحي والنهضوي الذي اختصره في هذه العبارة الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا، فبدأ بتطبيقه على أرض الواقع حيث انشأ عدة مدارس في مختلف جهات الجزائر منها أول مدرسة للبنات به قسنطينة عام ١٩١٨م. حيث اعتبر تعليم المرأة شرطاً من شروط النهضة على أن تبقى محافظة على أخلاقها متمسكة  بتقاليدها، كما سعى إلى تأسيس جرائد اكانت سيفا مصلنا على رقاب  دعاة الإندماج والتغريب، ومنبراً للأفكار الإصلاحية فكانت جريدة ركز رسالته في «المنتقد»، أول جريدة تدعو لهذا النهج، غير أنها منعت من الصدور ابتداء  من العدد ١٨ لأن الإدارة الاستعمارية اعتبرتها أداة للتحريض ومع ذلك لم يثن هذا القرار من عزيمة ابن باديس فأسس جريدة الشهاب التي صدرت بين عامي ١٩٢٥ و ١٩٣٩م والتي دعا من خلالها إلى إنشاء ۷۰ مدرسة موزعة على كافة ربوع الجزائر.

*أسس أول مدرسة لبنات الجزائر إيمانا منه بدور المرأة في تحقيق النهضة

*ركز رسالته في بناء وتدعيم الجذور العميقة للشعب الجزائري لربطه بالأمة*

 بين السياسة والثقافة

 امتنع ابن باديس عن التطرق للأوضاع السياسية بشكل مباشر وذلك حتى يتجنب الإجراءات العقابية للإدارة الاستعمارية وجعل رسالته بناء وتدعيم الجذور العميقة للشعب الجزائري عن طريق الدعوة المكثفة للانتماء للأمة العربية الإسلامية:  فانضم هو ورفاقه إلى  شيوخ الطرق الدينية وأنشؤوا جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ٥ مايو ١٩٣١م، حيث انتخب ابن باديس  رئيساً لها، وكان من أبرز أهدافها المحافظة على  الدين الإسلامي ومحاربة البدع والخرافات وإحياء اللغة العربية وتمجيد التاريخ الإسلامي فيما اعتمدت الجمعية في نشاطاتها على المساجد والمدارس الحرة للتعليم والتربية وتكوين الإطارات وواصلت الجمعية نشاطاتها خلال الثلاثينيات في ظروف صعبة للغاية، حيث ضيقت عليها الإدارة الاستعمارية الخناق خاصة وأنها امتنعت عن تأييد فرنسا إثر اندلاع الحرب العالمية الثانية.

الفرنسيون حرصوا على طمس الهوية الجزائرية وإبعاد الشعب عن القرآن واللغة العربية.

*العلامة ابن باديس أحبط مشروعهم التغريبي بأسلوب إصلاح نهضوي شعاره : « الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا».*

محاولة اغتيال

وخلافاً لبعض أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فإن ابن باديس رباً بنفسه عن الدخول في صراعات مع المناوثين له بل كان أكثر تسامحا مع الجميع حتى مع الأعراق والديانات الأخرى في الجزائر واعتمد على عقلية الإقناع في دعوته، لكنه حارب في نفس الوقت التصوف السلبي الذي أفرز عادات وخرافات لا تتماشى مع تعاليم الإسلام الصحيح، خاصة الطريقة العلوية التي اتهمها العلامة وأتباعه بادعاء العصمة والخوارق والإساءة للرسول ﷺ وهاجم شيخها «أحمد بن عليوة»، وهو مما أجج نار الحقد في صدور أتباعها الذين خططوا لاغتيال العلامة ابن باديس الذي يروي محاولة اغتياله لتلاميذه قائلاً: «بينما كنت عائداً من إدارة جريدة «الشهاب» ليلا، وقد تلفعت ب«البرنوس» من شدة البرد أفكر في أعمال الغد، وأنا ذاهب إلى المنزل وعندما كنت على السلم

الواصل إليه لم أشعر إلا بضربة شديدة تهوي على رأسي، ولولا العمامة التي وقتني لنالت مني هذه الضربة أكثر مما نالت فاشتبكت مع المجرم واستطعت أن أحمله بين يدي هاتين - مشيرا بيديه – وأصعد به في الدرج وبلغت به الطريق العام.. ثم سكت ثم قال: أتدرون كيف تغلبت عليه؟ قلنا: لا، فقال: والله الرجل البدوي يجهل السير على الدرج أما أنا فقد تعودت عليها، وخاصة الضيق منها ولم أجد حرجاً في ذلك. أما الجاني، فقد أمسكت به جماعة النجدة وساقوه إلى الشرطة التي وجدت بحوزته سبحة، وتذكرة سفر ذهاب وإياب بتاريخ ذلك اليوم من «مستغانم» «غرب الجزائر» إلى قسنطينة، زيادة على خنجر وعصا وقال أثناء التحقيق: «إن ابن باديس يستحق الموت لأنه لا يؤمن بكرامات الأولياء الصالحين»، وتم الحكم عليه بخمس سنوات سجنا، رغم أن ابن باديس عفا عنه في المحكمة قائلا إن الرجل غرر به – لا يعرفني ولا أعرفه، فلا عداوة بيني وبينه- أطلقوا سراحه» 

وبعدما تأكد تورط الطرقيين في محاولة اغتياله، وجه ابن باديس كلمة صريحة إليهم جاء فيها: «لا يهمنا اليوم أن نجهز على الجريح المثخن الذي لم يبق منه إلا دماء وإنما يهمنا أن نبين موقفنا من البقية من شيوخها ونسمعهم صريح كلمتنا حاربنا الطرقية لما عرفنا فيها علم الله – من بلاء على الأمة من الداخل والخارج فعملنا على كشفها وهدمها مهما تحملنا في ذلك من صعاب، وقد بلغنا غايتنا والحمد لله وقد عزمنا أن نترك أمرها للأمة هي التي تتولى القضاء عليها، ثم نمد أيدينا لمن كان فيه بقية من نسبته إليها لتعمل معا في ميادين الحياة على شريطة واحدة، وهي ألا يكون آلة مسخرة في يد نواح اعتادت تسخيره، فكل طرقي مستقل بنفسه عن التسخير؛ فنحن نمد أيدينا له للعمل في الصالح العام، وكل طرقي أو غير طرقي يكون أذنا سماعة أو آلة مسخرة فلا هوادة بيننا وبينه حتى يتوب إلى الله قد نبذنا إليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين. 

مناسبة للعلم

ظل ابن باديس مدافعاً عن الإسلام والعروبة محارباً الاستعمار وأذنابه من الطرقيين وسواهم إلى أن وافته المنية في ١٦ أبريل ١٩٤٠م وهو التاريخ الذي أصبح فيما بعد يوم العلم الذي تحتفل به الجزائر كل عام، لقد ترك ابن باديس الكثير من الأتباع والتلاميذ الذين ساروا على دربه كما ترك أيضا آثارا مازالت شاهدة على عصره ومشاريعه التي لم تتسلل إليها تجاعيد الزمن رغم مرور هذه الحقبة، ومن هذه الآثار: مبادئ الأصول العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ومجالس التذكير.

الرابط المختصر :