العنوان الأمة بين الاستضعاف والاستخلاف
الكاتب شوقي محمود الأسطل
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أبريل-1997
مشاهدات 102
نشر في العدد 1245
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 08-أبريل-1997
سئل الإمام الشافعي -رحمه الله- أيهما خير للمؤمن أن يبتلى، أم أن يمكّن؟ قال: لا يمكن حتى يبتلى، والإمام هنا يشير إلى سنة من سنن الله في الكون مستنبطًا إياها من قول الحق: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤).
قال علي – رضى الله عنه-: «لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤوسًا»، وقال بعض السلف: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، فما من أمة من أمم الأرض إلا وتطمح إلى السيادة والريادة وتسلم زمام القيادة كي تطبق في الأرض منهاجها، وتنشر فكرها وتسوس الخلق وفق فلسفتها وأطروحاتها وامة محمد صلى الله -عليه وسلم- هي أحق الأمم بهذه المكانة وأجدرها بأداء هذه المهمة بشهادة القرآن الكريم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠).
يقول شهيد الإسلام سيد قطب :«إن التعبير بكلمة أخرجت المبني لغير الفاعل تعبير يلفت النظر وهو يكاد يشي باليد المدبرة اللطيفة تخرج هذه الأمة إخراجًا وتدفعها إلى الظهور دفعًا من ظلمات الغيب، ومن وراء الستار السرمدي الذي لا يعلم ما وراءه إلا الله إنها كلمة تصور حركة خفية المسرى لطيفة الدبيب، حركة تخرج على مسرح الوجود امة، أمة ذات دور خاص لها مقام خاص، ولها حساب خاص، وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة بما أنها خير أمة، والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض، ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية، إنما ينبغي دائمًا أن تعطي هذه الأمم مما لديها، هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها، واجبها أن تكون في الطليعة دائمًا وفي مركز القيادة دائمًا (الظلال, ج ١, ص ٤٤١).
وإن المتتبع لسنة الاستخفاف هذه في واقع الطلائع المؤمنة عبر التاريخ يجد أن مرحلة الاستضعاف تسبقها، فإن صبرت الجماعة واستقامت على المنهج جاء تحقق موعود الله وإلى هذا تشير نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ (الأعراف: ۱۳۷).
وقوله: ﴿ونُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: ٥-٦).
أما وعد الله لهذه الأمة فقد جاء في زمن استضعاف ليغرس الأمل في نفوس الأصحاب في فترة حرجة شقت على النفوس تبعاتها، فقال تعالى مبشرًا: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
جاءت هذه البشرة في ظل الصعوبة كانت تعيشها الجماعة عقب الهجرة إلى المدينة إذ رمتهم العرب عن قوس واحدة فكانت دافعًا للانطلاق والتطلع نحو افاق أرحب وغد أفضل مع بذل كل مستطاع من جهد بشري، ولم يفهمها أحد على أنها دعوة للفتور وأخذ قسط من الراحة مادام التمكين أمرًا حتميًا فقد وقى الله تلك الفئة المختارة من مثل هذه المفاهيم الفاسدة إذ أيقنت أن هذه السنة لا يتحقق لأمة خاملة نائمة وهذا مفهوم من الآية التي جاء الوعد فيها بشروطه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالإيمان الحق والعمل المبرور المبتغى به وجه الله مقدمة لازمة لتحقق الموعود المأمول.
ومن الملاحظ أن الاستخلاف وبكل ما ترتب عليه من إقبال الدنيا لم يغير من طبيعة النفوس الخيرة لدى الصفوة من خير القرون بل بقي الماضي بذكرياته حلوها ومرها عالقًا في أذهانهم راسخًا في سويداء قلوبهم يذكرونه دومًا إظهارًا لنعمة الله وأنسًا بتذكر أحبة شاركوهم المسيرة ثم مضوا في زمن الاستضعاف لم تقر أعينهم بنصر مادي ظاهر ولم يذوقوا شيئًا من ثمار الاستخلاف، فها هو واحد من الرعيل الأول والذي نال من البلاء زمن المحنة ما نال يعيش حتى يرى تحقق الوعد الحق، إنه خباب –رضى الله عنه- الذي يدخل على أخيه عمر زمن خلافته فيقوم مرحبًا به ويجلسه معه على سريره قائلًا: ما على الأرض أحد أحق بهذا المجلس من هذا إلا رجل واحد، فيقول خباب من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: بلال، فقال: ما هو بأحق مني إن بلالًا كان له في المشركين من يمنعه، فلقد رأيتني أخذوني يومًا فأوقدوا لي نارًا ثم ألقوني فيها فما اتقيت الأرض إلا بظهري، ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد برص (أخرجه ابن سعده).
ويظل رضى الله عنه دائم الحنين إلى ذكرى إخوانه فيقول: هاجرنا مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا منهم مصعب بن عمير... ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها. (البخاري).
نعم لقد كان من الذين أينعت لهم الثمرة يقول أبو وائل: دخلنا على خباب في مرضه فقال: إن في هذا التابوت ثمانين ألف درهم والله ما شددت لها خيطًا وما منعت سائلًا، ثم يبكي، فقلنا ما يبكيك؟ قال: أبكي أن أصحابي مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئًا وأنا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لا يدري أحدنا في أي شيء يضعه إلا في التراب.
هكذا كان حال هذا الحبر صابرًا في الشدة شاكرًا في الرخاء، متمنيًا لو لم يدرك نصرًا ولم يذق نعيمًا، في إنكار عجيب للذات وحظوظ النفس وما أبلغه من درس حري بكل عاقل تدبره خاصة أولئك الذين أضناهم طول الانتظار ووعورة الطريق والإشفاق من تأخر النصر وطول ليل الاستضعاف.
ونمضي مع عملاق آخر من تلاميذ المربي الأعظم –صلى الله عليه وسلم- وهو باني البصرة وأميرها زمن الفاروق عتبة بن غزوان ذاك الفارس السابق إلى الإسلام زمن المحنة في تلك الفترة المظلمة الحرجة التي كانت تحتاج رجالًا من طرازه ليشكلوا البذرة الأولى لدوحة الإسلام السامقة ودولته العظيمة يصعد –رضى الله عنه- المنبر زمن إمارته للبصرة فيقول مقرًا بنعمة الله ومذكرًا بسنة من سننه.
«... ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- له وليس لنا من طعام إلا ورق الشجر حتى فرحت أشداقنا، في إشارة إلى فترة المقاطعة في العهد المكي واراني التقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزر بنصفها واتزرت بنصفها، فما أصبح منا أحد اليوم حيًا إلا أصبح أمير مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا، وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت حتى تكون عاقبتها ملكًا وستبلون وستجربون الأمراء بعدنا»، (رواه مسلم).
أكل ورق الشجر من الجوع ومقتسم البردة مع أخيه سعد يغدو أمير البصرة عندما تحققت سنة الاستخلاف، ولكن فؤاده مازال يهفو إلى أيام البذل والتضحية والفداء والإيثار وهي أخلاق من يستحقون تحقق الوعد الإلهي فيهم وقيام دولة الإسلام على أيديهم كرامة وعطاء من مالك الملك الذي يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء.
ونقف مع أحد العشرة المبشرين بالجنة «عبد الرحمن بن عوف» الذي يؤتى إليه بطعام طيب في زمن الاستخلاف وكان صائمًا فما كان أن رآه حتى أخذ في البكاء ثم قال: قتل مصعب وهو خير مني وكفن في بردة... وقتل حمزة وهو خير مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط.. ثم عاد إلى البكاء حتى رفع الطعام.
هكذا عاش هؤلاء الربانيون بين الابتلاء والتمكين فكانوا خير قدوة لكل من يرنو ببصره نحو استخلاف جديد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل